يستمد هذا الكتاب أهميته من رصده لمجموعة من الأحداث امتدت بين عامي 1989 الذي سقط فيه جدار برلين و2003 الذي سقطت فيه بغداد في يد القوات الأميركية، يصفها المؤلف بأنها الأكثر أهمية في هذه السنوات الخمس عشرة، وهو يرصد عبرها ما يسميه بخطوط القوة التي سترسم التوازن الكوني الجديد، على امتداد عقود مقبلة.

والمؤلف، تييري دو مونبريال هو مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وقد أسسه عام 1979، وهو يعد أحد أهم مراكز الأبحاث الأوروبية، مما يعطي أهمية إضافية لهذا الكتاب الذي صدر قبل أسابيع قلائل في باريس.

في عام 1989 كان قد مضى على وجود ميخائيل غورباتشوف أربع سنوات على رأس السلطة في الاتحاد السوفييتي (السابق) إذ كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي، اعتباراً من عام 1985 وآخر رئيس للاتحاد السوفييتي خلال عامي 1990 و1991.

وكان من الواضح في ذلك الحين أنه كانت هناك ثورة جديدة ذات مظهر سلمي تهز «بلد الاشتراكية الأول» وكان العالم كله ينظر بكثير من الإعجاب لذلك السياسي الذي أخرج بلاده الشاسعة من براثن الظلام الشمولي الذي وقعت فيه.

لكن هناك مؤشرات كثيرة دلت على أن التوجهات الجديدة كانت ثمرة قرارات جماعية، جرى اتخاذها في إطار المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي، الأمر الذي لا يلغي البراعة التي تحلى بها غورباتشوف ابن الخمسينات آنذاك، الذي تكون في ظل ستالين ثم بريجينيف.

واستطاع مع ذلك أن يبرز على المسرح الدولي بمظهر رجل سياسة مميز يجيد قواعد العلاقات العامة والتواصل مع الآخرين. ومع توجهات غورباتشوف وفريقه بزغ الأمل بنهاية الحرب الباردة وانقسام أوروبا وشبح حرب أخرى والخوف من الأسلحة النووية وغير ذلك مما كان يوحي به الانقسام الثنائي الدولي إلى معسكرين متصارعين.

الموهبة والتناقضات

في أواسط عام 1989 كان معروفاً مدى عمق الصعوبات الاقتصادية التي كان الاتحاد السوفييتي يعاني منها نتيجة خياراته الايديولوجية، التي ركزت على الوصول بالصناعات العسكرية، وحتى الفضائية، إلى أعلى المستويات في أفق المنافسة مع القوة العظمى الأخرى آنذاك، أي الولايات المتحدة، بينما لم تحظ ميادين التنمية التي لها علاقة بحياة الناس اليومية بما تستحقه من اهتمام.

كانت المسألة الجوهرية التي واجهت غورباتشوف وفريقه هي كيفية الانتقال من اقتصاد بيرقراطي مركزي إلى اقتصاد سوق ذي طابع اجتماعي، وبتعبير آخر كيفية التشغيل الجيد لـ «مضخة تعاني من الصدأ منذ سبعين سنة». لم تكن المسألة سهلة، لا سيما وأن الإصلاح فن صعب أكثر فأكثر كلما تأخر الشروع به.

وبكل الأحوال أدركت القيادة الجديدة أنه لم تكن هناك أية إمكانية لنجاح الإصلاح الاقتصادي من دون عملية إصلاح عميق للآليات السياسية السوفييتية، أي دون إدخال قدر أكبر من الشفافية والديمقراطية، ولن تكون هناك «برسترويكا» من دون «غلاسنوست».

وكانت براعة غورباتشوف أنه عرف كيف يوظف جميع أشكال الكبت الناتجة عن تدهور مستوى معيشة الناس العاديين وحركات الاحتجاج التي ظهرت هنا وهناك لصالح توجهه وتقديم نفسه كحليف للشعب في مواجهة «الرجعيين» بجهاز الحزب والدولة. لقد كان يريد في الواقع انقاذ الحزب وانقاذ الدولة، لكن موهبته لم تكن كافية للجمع بين كل التناقضات، لكن كيف يمكن الخروج من الشيوعية؟ وكيف يموت العالم القديم ليولد العالم الجديد؟

هكذا تحدث ديغول

يرى مؤلف هذا الكتاب في إعادة توحيد الأمة الألمانية أحد أهم الأحداث التي شهدتها أوروبا في تاريخها الحديث، وهو يعود إلى ذكر المؤتمر الصحافي الشهير الذي عقده الجنرال شارل ديغول يوم الرابع من يناير 1964 وقال فيه، رداً على سؤال حول مسألة التوحيد الألماني تحديداً:

«من الواضح أن قيام سلام حقيقي، وأبعد من هذا قيام علاقات مثمرة بين الغرب والشرق، لا يمكن الوصول إليه طالما أن الخلل مستمر بين الألمانيتين مع ما يترتب على ذلك من أشكال القلق. وما ينبغي عمله لن يكون ممكناً ذات يوم إلا بالتفاهم والعمل المشترك للشعوب التي اهتمت، وتهتم، وستهتم بمصير الجار الألماني أي الشعوب الأوروبية.

وعلى هذه الشعوب أن تتأمل وتتفحص مجتمعة ثم تسوي وتضمن مشتركة حل مسألة هي مسألة قارتهم؛ وهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يضمن انبعاث أوروبا وتوازنها وسلامتها وتعاونها في المساحة التي وهبتها الطبيعة لها.

والمقصود أيضاً هو أن تتطور روسيا بحيث ترى مستقبلها ليس في إطار القسر الشمولي المفروض عليها، وإنما في إطار التقدم الذي يصنعه البشر الأحرار والبلدان الحرة.

والمقصود هو أن تقوم أوروبا، أو الحضارة الحديثة من الأطلسي إلى الأورال، بالتوافق والتعاون من أجل تطوير ثرواتها الهائلة، وكي تلعب مع أميركا ابنتها، الدور المنوط بها، فيما يتعلق بالتقدم الذي يحتاجه بضعة مليارات من البشر».

وهذا القول للجنرال ديغول عام 1964 كان بمثابة نبوءة لما ستشهده القارة الأوروبية بعد ربع قرن فمع انهيار جدار برلين في خريف عام 1989 انفتحت الأبواب نحو إعادة التوحيد الألماني وتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يضم اعتباراً من مطلع مايو 2004 خمساً وعشرين دولة أوروبية. ولقد كانت ثورة 1989 في أوروبا الشرقية قد سارعت في صياغة خارطة جديدة لأوروبا وفي إيجاد ميزان جديد للقوى في العالم.

ويرسم مؤلف هذا الكتاب صورة للعالم في نهاية عام 1989 يحدد معالمها الأساسية بالقول إن العالم الثالث بدا «متشظيا» كما لم يكن طيلة تاريخه، بينما التحقت بعض البلدان مثل تايوان وكوريا الجنوبية بنادي البلدان المصنعة، وولجت الأنظمة القائمة فيها طريق الديمقراطية.

وتخلصت عدة بلدان من أميركا اللاتينية من وطأة الديون التي كانت تثقل عليها ولكن استمرت الشكوك حول استقرار بناها السياسية، وكانت بلدان أخرى، مثل الهند، قد حققت درجة كبيرة من الانطلاق في طريق التنمية، لكن دون بلوغ عتبة حاسمة على هذا الطريق، لكن للأسف كثيرة جداً هي البلدان التي استمرت في المعاناة من حالة من التخلف المطلق.

وكان من الحظ العاثر بالنسبة لبعض الشعوب استمرار الصراعات التي تمزقها، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وقد طرح آنذاك التساؤل عن إمكانية الوصول إلى تفاهم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) وأوروبا الغربية من أجل تسوية لمسألة الشرق الأوسط تضمن الأمن لجميع دول المنطقة وتضمن للفلسطينيين قيام دولة تمتلك سبل الحياة والبقاء وللبنان الانبعاث من رماده؟

وتساؤل آخر عن إمكانية «خصوم الأمس» الذين أصبحوا «شركاء جزئياً على الأقل» في الوصول إلى تعاون جذري وفعال في مكافحة الأوبئة الكبرى التي يواجهها العالم كله من تجارات ممنوعة وشبكات جريمة وإرهاب؟.. وكانت تلك هي الأهداف الكبرى التي ترتسم مع اقتراب الألفية الثالثة، كما يحدد مؤلف هذا الكتاب بصيغة «تساؤلات».

استثمار الرياح السياسية

لم يكن ميخائيل غورباتشوف يدرك في مطلع 1989، وكان يجهل أكثر عند استلامه للسلطة عام 1985، انه سيكون الرجل الذي يحفر قبر الشيوعية.

ولم يكن هلموت كول يتصور أيضاً في مطلع تلك السنة 1989 أنه سيكون الرجل الذي سوف يعيد توحيد الأمة الألمانية، لكن هذين الرجلين عرفا جيداً كيف يستثمران الأحداث لتغيير مجرى الأمور: وأن ينفذا ما جاء في عبارة قالها لويس الرابع عشر ومفادها «يكمن فن السياسة كله في توظيف الأحداث الجارية».

وكان المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول قد عرف كيف «يقحم» الرئيس الأميركي جورج بوش ـ الأب في لعبته اعتباراً من فبراير 1990، والذي كان قد أبدى رد فعل متعقلاً جداً عند سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989. لكنه عرف مع ذلك أن ينتهز الفرصة وأن يطبق، لحسابه قاعدة أخرى قال بها الكاتب الفرنسي الشهير جان كولتر والقائلة: «عندما تتجاوزنا الأحداث علينا أن نتظاهر بأننا نحن الذين قمنا بتنظيمها».

لاشك في أن الظرف الراهن يساهم إلى حد كبير في فتح الأبواب أو إغلاقها تحقيق الأهداف الكبرى وتنفيذ الاستراتيجيات المرسومة. وممارسة السلطة تتطلب التعامل النشط مع الحقائق المباشرة المطروحة..

واستثمار الرياح عندما تهب في الاتجاه المناسب. وهذا ما فعله هيلموت كول عام 1989 عندما تصرف مثل رجال «الفعل» الكبار الذين يعرفون كيف يستفيدون من اللحظة ثم يأتي دور المؤرخين بعد حين ليبحثوا بهدوء في الأسباب والدوافع العميقة التي وجهت عمل رجال «الفعل».

وبالنسبة لإعادة توحيد ألمانيا، يؤكد مؤلف هذا الكتاب، على درسين أساسيين، الدرس الأول هو أن حالة الرأي العام في ظرف معين لا تصلح سوى لهذا الظرف.

إذ منذ سنوات سبقت أحداث 1989 تعددت أصوات المعلقين والمحللين الذين تحدثوا صراحة عن فرضية إعادة التوحيد الألماني باعتبارها تطلعاً دفيناً لدى الشعب الألماني، ولكن هذه الأصوات جوبهت بإجابة واضحة من قبل زملائهم الألمان الذين أكدوا أن الألمان لا يفكرون أبداً بإعادة التوحيد، وإنما بالأحرى يفكرون بتطبيع العلاقات بين شطري ألمانيا.

وإنه قد آن الأوان للتخلص من الأفكار التي تضرب جذورها في ماض عفا عليه الزمن، أي ماضي الوحدة البسماركية التي تحققت بالقوة، لكن ثبت أن «الظروف» تعبر والأمم تبقى، لكن لا أحد يعرف لحظة التبادلات الكبرى التي يدفع بها رجال «الفعل» عجلة التاريخ إلى الأمام.

الدرس الثاني هو ضرورة الانتباه إلى عمل الدبلوماسيين الكبار، الذي قد لا يوليه معاصروهم سوى القليل من الاهتمام ويعتبرون أن الفرضيات التي يقولون بها قليلة الاحتمال. هكذا بدا ما قاله الجنرال ديغول في فبراير 1964 عن إعادة توحيد ألمانيا، وعن مسيرة التوحيد الأوروبي.

وهذا ما كانت قد توقعته دبلوماسية الحكومات الألمانية التي حافظت دائماً على حيوية الفرضية المنصوص عنها في مقدمة الدستور الأساسي لعام 1949، الدستور الألماني الغربي.

والتي نصت على أن «الشعب الألماني» يبقى بمجمله على أساس موقف حر نابع من ذاته، مدعواً إلى استكمال وحدة ألمانيا وحريتها». وكانت ألمانيا الفيدرالية قد تمسكت دائماً بالاعتراف بهذا الهدف في جميع المواثيق التي ربطتها مع شركائها وحلفائها، بل إن الإطار القانوني كان جاهزاً ل«إعادة التوحيد بهدوء» منذ قيام ألمانيا الاتحادية ـ الغربية.

ـ حيث نصّ البند 23 من الدستور على امكانية ضم ألمانيا الديمقراطية ـ الشرقية ـ من دون تعديل دستوري مسبق، ونصّ البند 146 على إمكانية تبنّي برلمان البلدين لدستور واحد مما يعني التصديق الشعبي على ميثاق التوحيد، هكذا إذن يمكن أن يكون للدبلوماسية دور كبير يتجاوز تقلصات اللحظة ويصون المصالح الوطنية.

ومع انهيار جدار برلين «العالم القديم» قد انتهى و«العالم الجديد» قد بدأ، العالم القديم الذي يقصده المؤلف هو ذلك الذي كانت قد صنعته الحرب العالمية الأولى التي قد انتهت بالفعل فيما يخص «القوى الكبرى» على الأقل وإن بقيت مع ذلك بعض جراحها في الشرق الأوسط خاصة وأحياناً في أوروبا .

حيث لا تزال مطروحة مسألة العديد من القوميات، وكانت تلك الحرب هي التي قادت الشيوعية إلى روسيا والقومية ـ الاشتراكية (النازية) إلى ألمانيا. والحرب العالمية الأولى هي التي ولّدت الحرب العالمية الثانية وبالتالي تقسيم أوروبا.

هذا «العالم القديم» الذي انتجته الحرب العالمية الأولى بدأ بالتداعي عام 1989 فألمانيا هي على وشك أن تصبح ديمقراطية كبيرة وروسيا شرعت، في ظل غورباتشوف، بولوج طريق التحرر السياسي والاقتصادي ومؤسسات مسيرة التوحيد الأوروبي تظهر فاعلية أكبر فأكبر.

وكانت بولندا قد شهدت بعد عشر سنوات من المعركة التي خاضتها نقابة «التضامن» قيام أول حكومة غير شيوعية، وتبعتها سريعاً المجر على الطريق نفسه وشرعت منذ مايو من تلك السنة 1989.

بنزع «الستار الحديدي» الذي كان يفصلها عن النمسا، مما أثار هجرة جماعية من جانب الألمان الشرقيين، وبعد زيارة شهيرة قام بها غورباتشوف إلى ألمانيا الديمقراطية ـ الشرقية ـ يوم 17 أكتوبر استقال الرجل الذي كان يحكمها بقبضة من حديد منذ عام 1971، أي إريك هونيكر، في 18 من الشهر نفسه، لينهار جدار برلين يوم 9 نوفمبر ؟

وانسحب تودور جيتكوف من رئاسة بلغاريا يوم 10 ليجيء دور تشيكوسلوفاكيا يوم 17 بحركة شعبية أرغمت رئيس الوزراء الشيوعي «ميلوس جاكيس» على التنحي يوم 24 ثم قامت في البلاد حكومة ذات أغلبية غير شيوعية يوم 7 ديسمبر وانتخب فاكلاف هافيل رئيساً للجمهورية يوم 29 ديسمبر.

وأصابت عدوى الأحداث رومانيا بتاريخ 15 ديسمبر لتنتهي بإعدام شاوشيسكو وزوجته في 25 والانتهاء من أحد أكثر الأنظمة استبدادية في بلدان أوروبا الشرقية، هذه هي بعض ملامح «الثورة الجديدة» التي شهدها عام 1989 في أوروبا الشرقية والوسطى.

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أنه «ما كان لثورة 1989 أن تنجح «لم يكن الكرملين قد قرر السماح بذلك». ومع قيام تلك الثورة وانهيار جدار برلين، أصبح أفق إعادة توحيد ألمانيا مفتوحاً، هنا دخل كول المستشار الألماني الغربي آنذاك إلى مسرح الأحداث وأفصح عن خطة من عشر نقاط يوم 28 نوفمبر تتضمن جدولاً زمنياً يؤدي ؟

إلى قيام بنية اتحادية باتجاه التوحيد الكامل في إطار «نظام أوروبي جديد» لقد أزعجت تلك الخطة واشنطن وباريس، إذ لم تتم استشارتهما أبداً، بل وشهدت العلاقات الألمانية ـ الفرنسية بعض التدهور.

لكن هذا لم يمنع فكرة إعادة توحيد ألمانيا من أن تشق طريقها إلى الأمام، لاسيما مع اقتراح كول الشروع بمفاوضات مباشرة من أجل توحيد عملية البلدين، ولم يكن مثل هذا الاقتراح يلقى تأييداً كبيراً داخل ألمانيا الغربية بسبب الفارق الكبير في التنمية الاقتصادية بين البلدين.

ولكنه كان مع ذلك خطوة أساسية في تحقيق إعادة الوحدة الألمانية وخروج ألمانيا منتصرة مع نهاية فترة الحرب الباردة التي سيطرت في العلاقات الدولية طيلة عقود عدة من الزمن، وكانت الولايات المتحدة قد «ركبت الموجة» وأعلنت عن دعمها لمسيرة التوحيد الألماني ابتداءً من شهر مارس 1990.

حسابات النصر والهزيمة

كان مستشار الأمن القومي الأميركي لدى الرئيس جيمي كارتر خلال سنوات رئاسته (1977 ـ 1981)، زبيغينيو بريجنسكي قد قال في مقابلة له مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في 28 يوليو 1990 ما مفاده: «كان معروفاً منذ فترة طويلة أنه سيكون في نهاية الحرب الباردة منتصران هما الولايات المتحدة وألمانيا ومهزومان هما الاتحاد السوفييتي وفرنسا».

وإذا كان انتصار الولايات المتحدة واضحاً إذ كان يعني تغلّب الايديولوجية الليبرالية على العقيدة الماركسية ـ اللينينية ـ وانتصار ألمانيا واضحاً أيضاً من حيث إعادة توحيدها، وأيضاً إذا كانت واضحة هزيمة الاتحاد السوفييتي وصولاً إلى انهياره، فإن مؤلف هذا الكتاب لا يقر بهزيمة فرنسا فهي لا تعاني اليوم من أزمة هوية أكثر مما عانته في الأمس.

ولا تزال فرنسا تمتلك قوة الردع المستقلة الحديثة والفاعلة التي لا يشك أحد بوجودها، ثم لا شك أن فرنسا تشكل عبر التفاهم الفرنسي ـ الألماني، عنصر توازن حقيقي داخل البناء الأوروبي الموحّد، ولعل الواجب الأول الذي ينبغي على فرنسا الحرص عليه هو تعزيز اقتصادها للمحافظة على مكانتها أوروبياً ودولياً.

وكان لنهاية حقبة الحرب الباردة آثارها العميقة على موازين القوى الاستراتيجية في العالم، وبدا أن المسألة الأكثر دقة على هذا الصعيد بالنسبة لأوروبا قد تمثلت في مستقبل الحلف الأطلسي، وبدقة أكبر في مضمونه العسكري، أي «علة وجوده» نفسها.

ومع زوال الاتحاد السوفييتي مع ما كان يمثله من تهديد «عسكري» على أوروبا الغربية، تغيّرت خارطة الأمن القومي الأوروبي، لاسيما في ارتسام ملامح تقليص عدد جنود الجيش الروسي بنسبة كبيرة وتنشيط اتفاقيات «ستارت» لتقليص عدد الرؤوس النووية المخزّنة.

وكان هذا يعني تضاؤل التهديد بإمكانية قيام أية مواجهة نووية، بحيث أن الولايات المتحدة نفسها، وتحت الضغط السوفييتي والروسي آنذاك أقرّت بأنه ينبغي للأسلحة النووية أن تكون «الملجأ الأخير» في حالة قيام أي نزاع مسلّح، هكذا تمّ التوجه نحو تعزيز «ترسانة الأسلحة التقليدية» لدى الحلف الأطلسي.

أوروبا والأطلسي

لقد وضعت ثورة عام 1989 مصير المسيرة الأوروبية ومصير الحلف الأطلسي على المحك، فبالنسبة للأولى، أي أوروبا الموحدة، بدت أنها قطب كبير للسلام وللازدهار، مما جعلها قوة جذب بالنسبة لبلدان أوروبا التي كانت حتى آنذاك خارج الاتحاد الأوروبي، هكذا قدّمت النمسا ترشيحها له عام 1989، وفعلت النرويج الشيء نفسه بعد أن كان النرويجيون قد قرروا عبر استفتاء شعبي عام 1973 عدم الموافقة للانضمام إلى المجموعة الأوروبية.

وأبدت مختلف البلدان غير الأعضاء مخاوفها من مخاطر التهميش إذا ظلّت بعيدة عن منطقة التبادل الحر التي كانت بصدد التشكل في القارة القديمة. وشرعت تركيا بحملة واسعة من أجل الانضمام إلى أوروبا الموحّدة، يقول المؤلف: «مع نهاية الحرب الباردة أظهرت بلدان أوروبا الشرقية كلها رغبتها.

الحثيثة ـ فقدان صبرها ـ من أجل العودة إلى حجر العائلة ـ الأوروبية ـ وكان الكثر منها يرى في السقف الأوروبي المشترك أفضل وسيلة للتخلص من النزعات الاثنية وتجاوزها والتي يمكنها، في سياق آخر، أن تتفاقم إلى درجة احياء نزاعات مثل تلك التي عرفها القرن التاسع عشر».

كانت العقبة الكبيرة أمام مبدأ توسيع أوروبا ذات طبيعة تتعلق بالمعايير الاقتصادية عندما تحققت الشروط السياسية، وذلك خاصة بالنسبة لبلدان أوروبا الشرقية التي كان عليها أن تتعلم التأقلم مع آليات اقتصاد السوق بعد عقود طويلة من ممارسة ما يسمّى بالاقتصاد المخطط الذي تنص عليه الماركسية ـ اللينية، لكن عملية تكييف مؤسساتها مع البناء الأوروبي بدت ممكنة تدريجياً وصولاً إلى تحقيق الكونفدرالية الأوروبية».

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب قد أسهب في حديثه عما أسماه ب«الثورة الغورباتشوفية» على القارة الأوروبية في نهاية سنوات الثمانينات وبداية سنوات التسعينات، فإنه يؤكد أيضاً على آثارها التي تعدّت هذه القارة، وخاصة في آسيا، ويحدد في مقدمة هذه الآثار مقولة أن إعادة توحيد الكوريتين، الجنوبية والشمالية، سوف تتم ذات يوم.

وان الصين سوف تواجه صعوبات في الجمع بين وحدتها وواقع وجود تنمية اقتصادية غير متكافئة بالضرورة، وفي الوقت نفسه تحافظ اليابان على موقعها كقوة إقليمية رئيسية.

وفي إطار حالة عامة في تلك المنطقة من العالم تتسم بالقلق والتحوّل يبدو أن الوجود الأميركي لا يزال مطلوباً من جميع الأطراف التي لا يريد أي منها أن يواجه في مثل ذلك السياق، حالة «نزاغ» لقوة يمكنها أن تؤمن التوازن، أو تفرضه.

وكانت كل المؤشرات تدل آنذاك على أن آسيا، وبتحديد أكثر منطقة شمال المحيط الهادئ ـ الباسفيكي ـ ستكون قطب التنمية الرئيسي خلال السنوات التالية، وكانت أميركا اللاتينية لا تزال ترزح تحت ديونها.

كما كانت تعاني من عدد من بؤر النزاع، أما إفريقيا السوداء فتابعت غوصها أكثر فأكثر في البؤس من دون أن يثير ذلك أي اهتمام حقيقي من قبل العالم الخارجي حتى من قبل مستعمري الأمس.

ويركز المؤلف على مسألتين باعتبارهما أساسيتين في إطار التنمية التي كانت تجري آنذاك. المسألة الأولى تخص اتفاق حرية التبادل (التجارة الحرّة) بين المكسيك والولايات المتحدة، وهو الاتفاق الذي رأت فيه بعض بلدان أميركا الجنوبية التي رأت فيه نوعاً من «الخيانة»، كما كان لمثل ذلك المشروع.

بالإضافة إلى المعاهدة الأميركية ـ الكندية، آثاره على العلاقات التجارية مع القارة الأوروبية واليابان، لاسيما وانه كان يطمح إلى تحقيق المشروع القديم حول السوق الأميركي ـ الشمالي الكبير.

المسألة الثانية خصّت جنوب إفريقيا التي كانت تشهد آنذاك اللقاء بين رجلين استثنائيين في ظروف استثنائية، الرجلان هما نيلسون مانديلا، المناضل الوطني الأسود، وفريدريك لوكليرك، آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا العنصرية.

وقد عرضا نفسهما لمخاطر حقيقية من أجل الخروج بالبلاد من الوضع المسدود الذي كانت قد وجدت نفسها محشورة فيه، أما الظروف الاستثنائية فقد تمثلت أولاً في تضاؤل عدد المتطرفين من البيض والسود، وثانياً، وخاصة في التحوّل الذي عرفه البعد الايديولوجي للنزاع بفعل التغيرات في العلاقات بين الشرق والغرب وآثارها على سلوكيات حركات التحرر نفسها.

ولقد فهمت النخبة الإفريقية أكثر فأكثر ان التبدلات المرافقة للمنعطف الذي كان انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر 1989 بدايته الحقيقية، ستكون في غير صالح بلدانهم إذ أن إفريقيا لم تعد تمثل، لفترة على الأقل، رهاناً استراتيجياً له وزنه، وبدا أن خلاص القارة مرتبط إلى حد كبير بالقسم الأكثر ازدهاراً فيها، أي جنوب إفريقيا بالتحديد، مما جعل من الضروري أكثر إيجاد صيغة لتقاسم السلطة فيها تسمح بتعايش جميع الطوائف.

وطرحت في تلك الفترة بقوة أيضاً مشكلة المحافظة على البيئة التي أخذت بعداً عالياً وأحد المعطيات في العلاقات الدولية باعتبارها مشكلة إنسانية عامة، وبرزت بصورة خاصة مشكلة انطلاق غاز الفحم من مصانع العالم مع ما يترتب على مشكلة انطلاق غاز الفحم من مصانع العالم مع ما يترتب على ذلك من آثار على طبقة «الأوزون» في الغلاف الجوي للأرض.

إذ بينما لم تتجاوز نسبة تركير هذا الغاز نسبة 280 إلى 290 جزءا من المليون خلال 160000 سنة التي سبقت الثورة الصناعية ارتفعت هذه النسبة إلى 350 في أواسط القرن التاسع عشر، وهي تزداد حالياً بنسبة 5,2 جزء من المليون كل سنة، وهذا الغاز هو المسؤول عملياً عن زيادة سخونة الأرض.

وفي المحصلة بدا العالم آنذاك وكأنه يسير نحو انتفاء الحدود فيه من خلال التبدلات في العلاقات بين الغرب والشرق والتوسع الكوني للنشاطات الاقتصادية الكبرى وبروز مشكلات ذات بعد عالمي مثل مشاكل البيئة.

لكن هذا لم يكن يعني أن ثقافة «الجينز والكوكاكولا» قد أدت إلى سيادة نمطية ثقافية واحدة، إذ بدا أن الخصوصيات الثقافية والقومية يمكنها أن تبرز منذ اللحظة التي يمكن فيها التعبير عنها.وفي أواسط عام 1990 تعالت أكثر قرقعات الأحذية العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف