يتناول المؤلف بيتر غالبريث في هذا المنعطف من كتابه أبعاد الاستراتيجية الراهنة التي تتبعها إدارة بوش في العراق مشدداً على الطابع غير الواقعي لهذه الاستراتيجية الذي أفضى بالمسؤولين الأميركيين إلى جمود حقيقي في قدرتهم على الحركة في العراق على أي صعيد فلا هم يستطيعون زيادة القوات الأميركية هناك ولا هم يملكون إعداد خطة أكثر فعالية ثم ينتقل إلى تحليل الوضع في المناطق المختلفة في العراق التي يشدد على أنها تصلح لتكون نويات لثلاث دول منفصلة في العراق من دون أن يفلح في إقناعنا بالكيفية التي ستكون بها قابلة للحياة.

يشدد المؤلف على أن الأوضاع المتدهورة التي يشهدها العراق هذه الأيام تجعل الرئيس الأميركي جورج بوش غير قادر على أن يصف الكوارث المتلاحقة هناك بأنها دليل تقدم كما كان يحلو له ترديد ذلك من قبل. وتتجه إدارتها الآن إلى زيادة عدد قواتها في العراق كما تطلب الحكومة البريطانية القيام بالشيء ذاته على الرغم من الاعتراضات القوية في العديد من الدوائر البريطانية وبينها الدوائر العسكرية نفسها على ذلك. ويرى انه منذ عام مضى كان يمكن لمثل هذه الخطوة أي رفع عدد القوات أو لوضع خطة بشأن كيفية استخدامها أن تحدث الكثير من التطورات الايجابية. لقد رحب معظم العراقيين بالإطاحة بصدام حسين كما هلل كثيرون لغزو قوات التحالف للعراق ووصفوها بقوات التحرير ولو كانت هذه القوات قد حالت دون عمليات النهب والسلب التي تعرضت لها أهم المؤسسات العراقية ولو كانت قد قامت بإصلاح الخدمات الأساسية التي كان يحتاج إليها العراقيون بصورة ماسة ولو كان لديها خطة منسقة لنقل السلطة إلى العراقيين ولو كانت قد نشرت على الأرض أفراداً لهم دراية بالثقافة العراقية ولو كانت طبقت دروس بناء دولة.

فيما بعد الصراعات كما حدث في البوسنة وتيمور الشرقية لكانت هناك بيئة مختلفة اليوم. ويرى المؤلف أن الاستراتيجية الأميركية الحالية لا تتضمن ما يمكن أن يساعد على تحسين الأوضاع وحتى لو كانت قوات التحالف قد فعلت كل شيء بشكل صحيح وصائب فإنه كان المحتمل أن تفشل جهودها طالما أنها تتم في ضوء مفاهيم وأفكار عن العراق ليس لها وجود على ارض الواقع.

رؤية وخبرة... يرى الكاتب من خلال خبرته الواسعة بالشؤون العراقية وخاصة المنطقة الكردية أن كل الأكراد يفضلون الاستقلال ويقول انه خلال الأعوام العشرين الماضية قام بزيارة كل جزء من كردستان العراق ويعرف جيداً معظم قادة تلك المنطقة ولم يقابل أي كردستاني عراقي فضل العراق على كردستان مستقلة قط وقد أيد الأكراد بالإجماع تقريباً الاستقبال وذلك في استفتاء غير رسمي جرى في العام الماضي. وقال مسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد الاستفتاء إن الاستقلال سيصبح أمراً واقعاً عندما يحين الوقت المناسب وأضاف أن حق تقرير المصير هو الحق الطبيعي للأكراد. ويقول المؤلف إن الشيعة الذين يقال إنهم يمثلون 60% من الشعب العراقي يعبرون عن أنفسهم بشكل أساسي من خلال هويتهم الدينية وانه خلال رحلة قام بها إلى الجنوب العراقي لم ير أي دليل يشير إلى تأييد الشيعة للأحزاب العلمانية والشيعة كما يقول الكاتب ليسوا انفصاليين، لكنهم يعتقدون أن وضعهم كأغلبية لا يمنحهم حق حكم العراق فحسب، بل حق فرض تصورهم للدولة، أما السنة العرب، ورغم أنهم يشكلون أقلية، فقد كانوا دائماً الطرف الذي يحكم العراق، والتاريخ يشير إلى أنهم يمثلون القوميين العراقيين، ولكنهم أيضاً قوميون عرب يمثلون الأمة العربية في الوقت ذاته. ويقول المؤلف إن الجهود التي تبذلها قوات التحالف لبناء عراق مشترك تزيد مخاطر إمكانية نشوب حرب أهلية في العراق.

فبعد فقدان أفراد من الجيش العراقي الجديد في الفلوجة، استعانت قوات التحالف بالقوات الكردية لقتال أهالي الفلوجة، ونتيجة لذلك تعهد العرب السنة في المدينة بالانتقام من الأكراد.

ويقول المؤلف إنه مع سقوط صدام حسين، انهار نظام سياسي في العراق عمره 80 عاماً، استطاع أن يحقق الوحدة من خلال القوة، وفي ظل رفض الأكراد أن يكونوا جزءاً من العراق، بأي شكل من الأشكال، ومع تضارب وجهات النظر التي تحملها الطوائف العرقية الأخرى بشأن كيفية تنظيم المجتمع، فإن جهود التحالف الرامية إلى إنشاء عراق موحد ديمقراطي محكوم عليها بالفشل منذ بدايتها.

ومن وجهة نظر غالبريث فإن أفضل حل لتحقيق وحدة عراقية وتجنب اندلاع حرب أهلية هو السماح لكل طائفة من الطوائف العراقية الثلاث الأساسية بأن يكون لكل منها النظام الذي تريده.

ما الحل؟

يشدد المؤلف على أن أفضل فرصة متاحة أمام العراق لتجنب حرب أهلية هي إقامة فيدرالية من دولتين على الأقل، ولكن الأمر الأكثر احتمالاً هو تشكيل ثلاث دول هي كردستان في الشمال ودولة العرب السنة في الوسط والدولة الشيعية في الجنوب، وأن تقوم الحكومة المركزية بممارسة سلطات قليلة نسبياً تغطي الشؤون الخارجية والسياسة النقدية.

ويقول غالبريث إن الفيدرالية ستعني لكردستان استمرار التجربة الديمقراطية التي بدأت على مدى الثلاثة عشر عاماً الأخيرة، التي تمتع فيها الإقليم باستقلال فعلي عن بقية أجزاء العراق الأخرى. وينبغي لسلطة التحالف أن تتوقف عن جهود تفكيك وحل قوات البشمركة الكردية، التي يرى المؤلف أنها قوة عسكرية منظمة عانت في سبيل تحرير العراق ما لم تعانه أية دولة حليفة لأميركا.

ويمضي المؤلف قائلاً إن الأكراد لن يقبلوا بأية حال من الأحوال عودة أي جيش عراقي إلى الشمال، حتى لو كان معدلاً، حيث يرونه جزءاً من عقود القهر والإبادة الجماعية التي تعرضوا لها، ويرى أن إقامة مؤسسات حكومة مركزية في كردستان العراق سوف تثير توتراً في جزء من العراق يتمتع باستقرار كبير إلى الحد الذي جعل قوات التحالف تنشر 300 جندي فقط في الشمال.

وينتقل الكاتب إلى المعسكر السني ليشير إلى أن المشكلة في المثلث السني تكمن في غياب قادة يتمتعون بمساندة جماهيرية. ومن شأن وجود دولة منفصلة لهم أن يمنح العرب السنة الأمن الذي سوف يسمح بظهور قيادة لديها من الثقة ما يمكنها من القيام بحركة مسلحة وللأسف ليس هناك ما يضمن حدوث ذلك بالفعل.

وسوف يسمح النظام الفيدرالي لسلطات التحالف بأن ترفع يدها عن الشمال الكردي والجنوب الشيعي، وتركز على ثلاث مناطق تمثل مشكلات كبيرة هي بغداد والمثلث السني ومدينة كركوك المتنازع عليها. ويرى أن الخلافات بين الشيعة والسنة ليست بحجم الهوة بين العرب والأكراد، وقد يكون من الممكن أن يتعايش السنة والشيعة داخل دولة عربية واحدة.

وتحتاج أميركا وبريطانيا إلى أن تتوصلا لاستراتيجية خروج من العراق تقوم على أساس فهم واضح لما هو عليه الوضع في العراق، وليس على أوهام عن دولة، حسب تعبير المؤلف.

ويرى المؤلف أن إنشاء نظام فيدرالي في العراق يعد أمراً بعيداً كل البعد عن أن يكون أول خطوة لتفكيك العراق، بل هو آخر فرصة للإبقاء على وحدة البلاد كما أن هذا النظام يعد بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا، وسيلة للخروج من الكارثة.

ويخلص المؤلف إلى القول إن التقسيم سيكون حلاً سياسياً عملياً للأكراد والشيعة والسنة، أما جهود أميركا لإنشاء بلد موحد لا وجود للنزاعات العرقية والدينية فيه ولا يحكمه جيش أو ميليشيات طائفية، فلن تثمر أبداً.

ويقول إن المعضلة الرئيسية تكمن في بغداد فقط رغم أن القوات الأميركية لديها من الناحية النظرية القوة والقدرة على توفير الأمن في العاصمة، ولكن ذلك سيكلف المزيد من القوات والمزيد من الخسائر والضحايا، وعلى الجميع أن يدرك أنه ليس لدى أميركا الكثير من القدرة والرغبة على إيقاف نزيف الدم في بغداد، وإذا ما قامت بذلك، فسوف تخاطر بنشوب حرب أهلية، مما يؤكد الانطباع بأن أميركا سواء في بغداد أو مناطق شيعية ـ سنية غيرها ليست جزءاً من الحل لأنه ليس هناك ببساطة حل مرجو في المستقبل القريب على الأقل.

مغالطات الإدارة

في 19 مارس 2006، الذي صادف مرور ثلاث سنوات على الحرب بالعراق، كتب وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد مقالاً في صحيفة «واشنطن بوست» ردد فيه مزاعمه المألوفة عن إحراز تقدم في العراق، وأشار إلى أن قوات الأمن العراقية تزداد قوة، وأن الديمقراطية هناك تمضي قدماً.

وقلل من تأثير تفجير مسجد علي الهادي بمدينة سامراء في 22 فبراير الماضي، مشيراً إلى أن التطورات اللاحقة برهنت على أن أغلبية العراقيين تريد بقاء بلادهم موحدة وخالية من الصراعات العرقية. ثم جاء الاعتراف المذهل بعد ذلك، حيث قال وزير الدفاع الأميركي: لو أننا قررنا الانسحاب الآن، فسيكون هناك مئة سبب وسبب للاعتقاد بأن الصداميين والإرهابيين سيملأون الفراغ.

إن إدارة ظهورنا للعراق بعد الحرب سيكون بمثابة مرادف حديث لتسليم ألمانيا بعد الحرب إلى النازيين.

وعلق المؤلف على مقال رامسفيلد قائلاً: إن المغالطات تبدو واضحة بجلاء في كل كلمة. فقد ذكر رامسفيلد دعماً لكلامه أن «زعماء أحزاب سياسية عراقية ومجموعات دينية عديدة أدانت أعمال العنف، ودعت إلى الهدوء.

وهذا القول يتجاهل حقيقة أن أحد الزعماء الذين دعوا إلى الهدوء كان مقتدى الصدر، الذي كان اتباعه الذين يشكلون «جيش المهدي» مسؤولين عن الكثير من أعمال العنف ضد السنة، وهي الأعمال التي جاءت في أعقاب الهجوم على أحد المساجد.

كما يتجاهل رامسفيلد الدور الذي لعبته قوات الشرطة العراقية والمسلحون الشيعة في شن بعض الهجمات وما ارتكبته فرق الموت تحت غطاء حظر التجول بقتل العشرات من العرب السنة. وفضلاً عن ذلك فإن انسحاباً أميركياً من العراق لن يكون وخيم العواقب، كما يصوره لنا رامسفيلد، فليس هناك أية فرصة ليستولي البعثيون من جديد على الحكومة، ويتعين على الإدارة الأميركية أن تواجه الحقيقة بنفسها قبل أن تحترم عقلية الشعب الأميركي.

وقال المؤلف إن ما قاله رامسفيلد ليس حلاً للفوضى في العراق. فالدولة تعاني بالفعل من الانقسام وتعاني مخاض الحرب الأهلية. وليس بوسع الولايات المتحدة أن تعيد الوحدة للعراق مرة أخرى، كما ليس بوسعها أن توقف الحرب الأهلية. ولكن إذا خفضت سقف طموحاتها، فقد تساعد في تحقيق الاستقرار لأجزاء من الدولة وتحتوي الحرب الأهلية. ولكن ذلك يتطلب أن تتحرك الولايات المتحدة بسرعة.

ويواصل الكاتب قائلاً: إنه طالما بقيت الولايات المتحدة في العراق ومضت لتحقيق أهداف مستحيلة، فإنها لن تتمكن من أن تكون دولة لها زعامتها أو توفر المصادر المطلوبة لتلبية أكثر التحديات خطورة على الأمن الأميركي بما في ذلك التهديد المستمر من جانب «القاعدة».

ومع مطلع عام 2006 بذلت الإدارة الأميركية جهوداً دبلوماسية كبيرة بهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية بالعراق تضم الشيعة والأكراد والعرب السنة والعلمانيين. وباعتبار أن الائتلاف العراقي الموحد يمثل أكبر كتلة في البرلمان، فقد كان له الحق في تعيين رئيس الوزراء، وكان عادل عبد المهدي عضو المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق هو المرشح المفضل للأميركيين.

فهو اقتصادي وليبرالي معتدل على الرغم من أن بريمر عارض أن يكون رئيساً مؤقتاً للوزراء عام 2004. كما أنه شخصية محبوبة في مجلس النواب من جانب الأكراد، كما يلقى قبولاً عاماً من العرب السنة.

إلا أن البرلمانيين التابعين للائتلاف العراقي الموحد اجتمعوا يوم 12 فبراير، وصوتوا لصالح رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري لفترة ثانية. وقد لعب مقتدى الصدر دوراً رئيسياً في دفع العديد من المستقلين المترددين بالقائمة الشيعية لتأييد الجعفري.

وعلى الرغم من أن الائتلاف العراقي المتحد يتمتع بأغلبية مطلقة تقريباً بالبرلمان، فإن الدستور يقضي بضرورة موافقة مجلس الرئاسة (الذي يتكون من الرئيس ونائبيه) بالإجماع على ترشيح رئيس الوزراء، وهو ما يعني حق اعتراض الأكراد والعرب السنة على الاختيار.

وبالفعل عارض طالباني ترشيح الجعفري وأيده في ذلك البرلمانيون الأكراد والكتلتان السنيتان، كما شجع زلماي خليل زاد المعارضة للجعفري الذي ترى الإدارة الأميركية انه غير حاسم وغير فعال ومقرب من الصدر، ودخلت الأزمة في طريق مسدود.

وفي مطلع ابريل قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الخارجية البريطاني جاك سترو بزيارة غير معلنة لبغداد للضغط على الأحزاب للتوصل إلى اتفاق، وانتقد مؤيدو الجعفري (وبعض معارضين) التدخل الأميركي والبريطاني في الشؤون الداخلية العراقية.

وفي 20 ابريل، وبعد أكثر من أربعة أشهر على الانتخابات، تخلى الجعفري عن جهوده للبقاء في السلطة. وتم اختيار نوري المالكي المتحدث باسم الائتلاف العراقي المتحد كمرشح جديد لرئاسة الوزراء. وأيد الرئيس بوش بسرعة هذا الاختيار قائلا: «لقد رفض الشعب العراقي جهود الإرهابيين لإحداث الانشقاق، واختار الوحدة طريقاً لبناء دولته».

وفي الواقع فإن إدارة بوش لم تكن تعرف شيئاً عن المالكي، بما في ذلك اسمه الأول. لم يكن المالكي يتمتع بأية خبرة بالشؤون الحكومية، كما لم يقود مطلقا رئاسة أية حركة سياسية كبرى، واعتبره الأكراد طائفيا، بينما تشكك السنة في نواياه، إلا ان تأييد بوش السريع له والضغوط الأميركية للإسراع بتشكيل الحكومة العراقية ـ أي حكومة ـ جعل الأكراد والسنة يقرران المضي قدماً للموافقة على المالكي.

أهداف متعارضة

يقول المؤلف انه بهذا تشكلت حكومة الوحدة الوطنية العراقية، التي ضمت زعماء لهم أهدافهم المتعارضة ولا يتمتع معظمهم بخبرة في الشؤون الحكومية، الأمر الذي يؤثر على أداء الحكومة لوظائفها لكنه يتساءل: ما الذي ستديره الحكومة؟ فحكومة اقليم كردستان تصر على رفض قيام الحكومة الدستورية بإدارة منطقتها ولا يسمح لوزارات بغداد بافتتاح مكاتب لها في الشمال، وكذلك الحال بالنسبة للشيعة في الجنوب الذين تتولى شؤونهم إدارات بلدية، كما يعتبر رجال الدين والأحزاب الدينية والميليشيات السلطة الحقيقية في الجنوب.

أما قلب بغداد الذي يغلب عليه الطابع السني فهو عبارة عن ساحة قتال، حيث يدخل الجيش الأميركي، بمساعدة قوات شيعية في حرب ضد المسلحين والعناصر الأجنبية ويكن العرب السنة كراهية شديدة تجاه الجانبين، ومن غير المنتظر ان يقبلوا حكومة يقودها شيعة مفروضة من الأميركيين.

ويقول المؤلف ان العاصمة العراقية، بغداد، تظل حتى اليوم مدينة المعسكرات المسلحة حتى قبل التصاعد الحاد للعنف الطائفي في فبراير 2006. فالأسوار الخراسانية التي يبلغ ارتفاعها تسعة اقدام، والتي تعرف بأسوار بريمر، تحيط بالبنايات العامة والفنادق ومقار إقامة الأغنياء وذوي النفوذ، كما ان لدى الأثرياء من العراقيين قوات خاصة لحمايتهم. أما الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين الآخرين فيستخدمون ميليشيات خاصة بهم أو يستعيرون قوات بشمرجة من الأكراد.

ولا يستعين بقوات الشرطة أو الجيش العراقي سوى المتهورين، ما لم تكن هذه الوحدات هي في الحقيقة من البشمرجة أو الميليشيات المتخفية في زي رجال الشرطة أو الجيش.

وخارج المنطقة الخضراء والتحصينات الخاصة، تعاني بغداد من الجرائم العنيفة وأعمال القتل والاختطاف طلبا لفدية واعمال السرقة المسلحة والاغتصاب وكل ذلك، وفقا لما يعتقد المؤلف، بسبب انقسام السلطة.

وبعد 22 فبراير أصبح القتل في بغداد التي تعتبر أكثر المدن خطراً في العالم، أكثر وحشية ودموية وأصبح المتوسط اليومي لاعداد القتلى هناك مع مطلع عام 2006 يبلغ 40 قتيلاً يومياً، ويلاحظ في الجثث التي يتم العثور عليها أنها مشوهة على نحو فظيع.

ويقول المؤلف ان معظم الوزارات العراقية توجد خارج المنطقة الخضراء، بينما يقيم الكثير من الوزراء داخل هذه المنطقة. ويصبح التوجه إلى الوزارة مهمة محفوفة دائما بالمخاطر والصعاب، حيث يتعين المرور بنقاط التفتيش عند مخارج المنطقة ومداخلها، ثم المعاناة من الازدحام المروري بالعاصمة، ويزداد الوضع تفاقماً مع إغلاق العديد من الطرق لأسباب أمنية.

ويفضل الكثير من الوزراء عدم التوجه إلى وزاراتهم، خوفا على حياتهم وهذا الوضع واضح تماماً لكبار المسؤولين الأميركيين الذين يزورون العراق.

وبعد ثلاثة أعوام من الاحتلال الأميركي لا يستطيع هؤلاء المسؤولون مغادرة المنطقة الخضراء ولا يجدون امامهم سوى البقاء داخل هذه المنطقة أو التحرك داخلها ترافقهم قوات أمن أقرب إلى جيش صغير.

وقد تأمل إدارة بوش لو ان العراق كان مختلفاً عن ذلك، لكن الأمنيات لن تغير من الحقيقة. وربما يمني مسؤولو الإدارة الأميركية أنفسهم بالتفكير في حتمية تقسيم العراق كمخرج للأزمة. خاصة وان الشمال الكردي قد انفصل بالفعل عن الدولة العراقية منذ عام 1991.

ويقول المؤلف ان الوجود المستمر للقوات العسكرية الأميركية والبريطانية في جنوب العراق لن يؤدي سوى إلى تفاقم العلاقات مع السلطات الشيعية من دون ان يحقق أي مكاسب في هذا الجزء الآمن نسبياً بالعراق.

وفي عام 2005 تورطت القوات البريطانية في اشتباكات عديدة مع قوات الشرطة المحلية والميليشيات، وفي احدى المرات هاجمت القوات البريطانية مركزاً للشرطة وكاد هذا الحادث ان يخرج عن نطاق السيطرة.

ويرى المؤلف انه طالما ظلت قوات التحالف باقية في الجنوب، فسيظل هناك دائما خطر وقوع المزيد من هذه الحوادث ويتعين على القوات ان تنسحب بسرعة وبشكل منظم.

ويستطرد غالبريث قائلا ان انسحابا لقوات التحالف من الجنوب سيعزز من موقف الولايات المتحدة والأوروبيين، وهم يحاولون رسم استراتيجية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

ولكن مع وجود قوات تحالف في الجنوب فلن يكون امام الولايات المتحدة أي خيار عسكري والإيرانيون يعرفون ذلك. ولكن بمجرد الانسحاب من جنوب العراق، ستصبح للولايات المتحدة وبريطانيا قوة تفاوض أكبر، حيث سيكون الخيار العسكري قائماً على الرغم من انه يظل الخيار غير الجذاب في كل الأحوال.

إضاءة

على الجميع ان يدرك انه ليس لدى أميركا قدر يعتد به من الإمكانية والرغبة في ايقاف نزيف الدم في بغداد وهي إذا قامت بذلك فإنها ستفاقم مخاطر الحرب الأهلية، مما يؤكد الانطباع بأن أميركا سواء في بغداد أو في الوسط أو الجنوب أو غير ذلك ليست جزءاً من الحل في العراق، لأنه ليس هناك حل على الأقل في المستقبل القريب.

عرض ومناقشة: فكري بكر