يتناول المؤلف في هذه الحلقة التحولات التي شهدها الاتحاد السوفييتي بعيد فشل المحاولة الانقلابية التي قادها الجنرال غينادي ايانيف، واستغلال يلتسين للوضع ووصوله إلى سدة الحكم، مما أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك عقد الجمهوريات التي كانت تشكله.

ثم ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى بعض الأحداث الأخرى التي هزت العالم بالفعل مثل حرب الخليج الأولى وتداعياتها والحرب في البلقان وعملية السلام في الشرق الأوسط التي توجت بمؤتمر مدريد الذي عقد برعاية روسية ـ أميركية مشتركة. في يوم التاسع عشر من أغسطس 1991، اعتقد العالم أنه أمام قفزة إلى الوراء تقوم بها موسكو، إنه مشهد مجموعة من «الانقلابيين» الذين تحلقوا حول الجنرال غينادي ايانيف وأرادوا أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء.

رفض غورباتشوف أن يدخل في لعبتهم، بينما لم يكن الانقلابيون على درجة من «التصميم» تصل بهم إلى حد إطلاق النار على الجماهير التي احتشدت ضدهم في شوارع موسكو ولينينغراد ـ سان بطرسبورغ حالياً، وربما كان نجاح حركتهم ثمنه الذهاب بمنطق القوة إلى نهايته، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب.

كان أولئك الانقلابيون يريدون انقاذ الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي، ولم يكونوا يعترضون على الإصلاحات أو على تحسين العلاقات بين الشرق والغرب عبر النهج الذي كان غورباتشوف قد بدأه، لكنهم كانوا يزعمون بأن عدم وضع حد للذهاب بعيداً في ذلك الاتجاه سيؤدي إلى انهيار الاتحاد السوفييتي وبالتالي سقوط السوفييت في أحضان البؤس، ويشير المؤلف هنا إلى أن شريحة من الروس الذين أحسوا بالإذلال عند سقوط «امبراطوريتهم» وعانوا من ضغط الأوضاع الاقتصادية اللاحقة، أسفوا بعد ذلك على عدم نجاح حركة «ايانيف» ورفاقه.

لا شك بأن فشل العملية التي قادها «بشكل بائس» الجنرال غينادي أيانيف، قد ساهم ـ أي الفشل ـ في تسريع نهاية الاتحاد السوفييتي، وكان المنتصر الحقيقي هو بوريس يلتيسن، أو «بوريس الأكبر» كما يسميه مؤلف هذا الكتاب على غرار «بطرس الأكبر» أحد أشهر قياصرة روسيا في تاريخها كله.

وكان يلتسين قد صعد على ظهر دبابة وسط الجموع المناهضة للانقلابيين ورفع علم روسيا الأحمر والأزرق والأبيض ليعلن عبر تلك الحركة الرمزية ذات الدلالة الهائلة أمام أنظار العالم كله نهاية سبعة عقود من الشيوعية ـ البلشفية. وبعد أسبوع واحد من فشل الحركة الانقلابية بدأت عملية التفسخ الحقيقي للاتحاد السوفييتي.. وبتاريخ 17 أغسطس تحديداً اعترفت بلدان المجموعة الأوروبية بدول البلطيق..

وأعلنت كل من مولدافيا وأرمينيا وأوكرانيا استقلالها مباشرة بعد ذلك.. ووقعت روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء يوم الثامن من ديسمبر اتفاق «مينسك» القاضي بإقامة «مجموعة الدول السلافية» وانضمت لها بتاريخ 13 ديسمبر دول آسيا الوسطى الخمس لتقوم رابطة الدول المستقلة وبتاريخ 16 ديسمبر أعلنت كازاخستان استقلالها أيضاً.

وكرس بوريس يلتسين انتصاره النهائي يوم 25 ديسمبر 1991 مع استقالة «خصمه» ورفيقه في الأمس، ميخائيل غورباتشوف. وكان قيام «رابطة الدول المستقلة، بمثابة تأكيد دور الدولة الروسية في إطارها الإقليمي وتثبيت لمكانتها كـ «وريثة» للاتحاد السوفييتي (السابق)، خاصة داخل مجلس أمن الأمم المتحدة.

وهذا ما حضت المجموعة الدولية أيضاً لتأكيده والاعتراف به باعتباره عاملاً مهماً في استقرار تلك المنطقة من العالم. ولا شك أن روسيا تتمتع بموقع مهيمن بالقياس إلى الجمهوريات المحيطة بها، كمساحتها التي تبلغ 17 مليون متر مربع من أصل الـ 22 مليونا للاتحاد السوفييتي السابق .

ويفوق عدد سكانها 148 مليون نسمة (نصف عدد سكان الاتحاد السوفييتي)، كما أنها تمتلك ثروات طبيعية هائلة ليس أقلها شأناً امتلاك 80% من النفط السوفييتي سابقاً. وقد تكون أوكرانيا هي الوحيدة التي تستطيع أن تقف في وجهها بعدد سكانها البالغ 51 مليون نسمة وبمساحة 600 ألف كيلومتر مربع وثروات مهمة، خاصة في ميدان الزراعة.

التحدي الأوكراني

في الواقع لم تتوقف أوكرانيا منذ الثامن من ديسمبر 1991، أي منذ إعلان استقلالها، عن تحدي الكرملين، وقد حرصت على استخدام عملتها الخاصة وجيشها الخاص. وأعربت عن نيتها في البداية عدم تحويل الأسلحة النووية التكتيكية إلى روسيا بحجة أن هذه الأخيرة كانت تعاني من حالة تفسخ. ولم تتردد أوكرانيا أيضاً في أن تلعب «الورقة الغربية» في مواجهة الجار الروسي الكبير.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة وجدت روسيا نفسها أمام أوضاع صعبة وامتحانات ربما لم تشهد لها مثيلاً في تاريخها الحديث.. لقد كانت تعاني من تضخم مالي بدا أنه سيتجاوز 2000% في عام 1992 وانهيار في الانتاج بواقع 25% في الانتاج الزراعي وما بين 30% و50% في القطاع الصناعي مع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل. وكان تحرير الأسعار الذي قرره يلتسين في مطلع عام 1992 خطأ كبيراً بسبب البنى الجامدة الموروثة عن الاقتصاد الشيوعي.

هذا وقد أثبت التاريخ الاقتصادي كله أن ظاهرة التضخم المالي تتفاقم عندما تفقد الدولة قدرتها على الموازنة بين النفقات والعائدات بسبب عدم السيطرة على آليات النشاط الاقتصادي ذاتها، وكان هناك خطأ كبير آخر اقترفه بوريس يلتسين وهو اهمال القطاع العلمي وقطاع البحث على خلاف ما كان عليه الأمر في ظل الاتحاد السوفييتي (السابق)، مما ترتب عليه نزوح كبير للأدمغة من روسيا، بما في ذلك في القطاعات الحساسة، مثل ميدان الطاقة النووية. وفي المحصلة غرقت روسيا في حالة من الفوضى «السوداء» وأصبحت شرائح كثيرة من الشعب تعيش عبر استهلاك مخزوناتها وبيع كل ما هو قابل للبيع.

ومن بين المشاكل المهمة التي طرحها انهيار الاتحاد السوفييتي هناك مشكلة الانتشار النووي.. ويشير المؤلف إلى أن الأميركيين قد طلبوا، وحصلوا على تحويل جميع الأسلحة النووية التكتيكية، من مختلف الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى «روسيا..

وجرى الاتفاق آنذاك على القيام بالأمر نفسه فيما يخص الأسلحة النووية الاستراتيجية في أفق عام 1994، ويحدد المؤلف قوله في هذا الإطار: «كان الأمر الأكثر انذاراً بالخطر هو هجرة الأخصائيين بالأسلحة النووية الذين قد يبيعون خدماتهم لبعض البلدان في العالم الثالث. وكذلك بيع الأسلحة المتطورة بأرخص الأثمان. وهذا ما كانت إيران قد استفادت منه كثيراً مما أثار قلق الغرب».

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أظهرت العواصم العالمية الكبرى أنها تحبذ وجود مفاوض قوي في موسكو يستطيع عقد الاتفاقات واحترامها، لكن روسيا «الجديدة» كانت تثير بالوقت نفسه بعض المخاوف لدى الغربيين لاسيما فيما يخص انبعاث «النزعة القومية» الروسية في مواجهة النزاعات التي قامت على أساس إثني وقومي في المحيط السوفييتي السابق. وكانت السياسة الخارجية الروسية حريصة آنذاك أيضاً على أن تحافظ روسيا على مكانتها كقوة كبرى تمتلك الأسلحة النووية وهذا ما تبدي في رئاستها، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، لمؤتمر السلام حول الشرق الأوسط في مدريد عام 1992.

وقد رأى الغرب من مصلحته أن يدعم الجهود التي كانت تبذلها روسيا، ما بعد الشيوعية، من أجل الحد من انتشار حالة عدم الاستقرار المحيطة، لكن تبدي شيئاً فشيئاً أن الأمن لا يمكن أن يستتب تماماً في المحيط المجاور للاتحاد السوفييتي (السابق) إلا إذا استقر الوضع السياسي داخل روسيا نفسها، وكان مثل ذلك الاستقرار يخص مباشرة أوروبا والشرق الأوسط، وإذن الولايات المتحدة .

واستمر الأميركيون من جهتهم بتفضيل الحوار مع موسكو بشأن الأمور النووية وليس صدفة أن يكون بوريس يلتسين قد أعلن في فبراير 1992 عن انضمامه إلى مشروع «حرب النجوم» الذي كان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وراءه، بل والانضمام إليه في «نسخته» الأكثر تطرفاً، أي في مشروع «الفقاعة الكتيمة» التي تحمي المضووين تحتها من أي هجوم مباغت.

كانت المسألة الكبرى التي يطرحها تفسخ الاتحاد السوفييتي، من وجهة نظر استراتيجية، هي مستقبل المجموعة الأوروبية، إذ كان الرهان هو مستقبل استقرار القارة كلها. وقد كانت هذه المجموعة هي في واقع الأمر المشروع الوحيد الذي استطاع منذ الحرب العالمية الأولى تجاوز الإطار الحصري للدول ـ الأمم متجاوزاً النزعات القومية التي كانت السبب الأكثر عمقاً في نشوب الحربين الكونيين، الأولى والثانية.

وإذا كان الأوروبيون يريدون ربط الاقتصاد الروسي بأوروبا، فإن النظام الشيوعي نفسه كان يريد ذلك في سنواته الأخيرة.. بل وكان ميخائيل غورباتشوف قد تحدث عن «البيت المشترك»، لكنه كان يقصد أولاً ربط العربة الأوروبية الغربية بالقطار السوفييتي، لكن هذا الوضع تبدّل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي .

وانعكست الأدوار هذا لا يقلل من كون ثروات روسيا، وخاصة موارد الطاقة، تشكل ورقة رابحة كبيرة للقارة الأوروبية كلها، شريطة حسن استثمارها. لقد أراد الأوروبيون المساعدة لكن كان مطلوباً من بلد كبير مثل روسيا أن تجد بالضرورة في أعماق ذاتها الإمكانيات التي لا بد منها من أجل تجديدها.. وكان الشرط الأول هو أن تهدأ النزاعات في محيطها.

كانت التململات على أشدها في منطقة البلقان بعد سقوط الشيوعية، وتعود هذه التململات إلى القرن التاسع عشر بوجود امبراطوريتين هما الامبراطورية النمساوية المجوسة والامبراطورية العثمانية. لقد سادت آنذاك أزمات الهوية وتأكيد الشرعية على أساس ديدني وعقائدي ومشاكل الأقليات والمواجهات ذات الطابع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت والمسلمين. وذلك حتى الحرب العالمية الأولى.

الصورة الجديدة

وبعد قرابة أربع سنوات من سقوط جدار برلين، غابت كثيراً صورة العالم ذي الاستقطاب الثنائي الذي ساد طيلة فترة الحرب الباردة، لكن لم تكن قد تبلورت بعد «الصورة الجديدة». كان الاتحاد السوفييتي قد «مات» بينما كانت روسيا لا تزال تناضل من أجل بقائها. وصحيح أن الولايات المتحدة كانت قد برزت بصفتها القوى العظمى الوحيدة في العالم، ولكنها كانت تبدو لاتزال مترددة حيال مستقبلها في العالم..

وهكذا، اختار الأميركيون حاكم أركانساس بيل كلينتون رئيس للولايات المتحدة الأميركية، للاهتمام بمشاكلهم الداخلية ولم يجدوا ثقتهم بجورج بوش الأب، المنتصر في حرب الخليج، والرجل الذي واكب وساعد على انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن دروس التاريخ أثبتت دائماً على أن العواصف تثور أحياناً دون سابق إنذار.. وإحدى تلك العواصف ذهبت بجورج بوش الأب الذي رحلت شعبيته في أميركا بعد حرب الخليج إلى أحد أعلى المستويات التي عرفها أي رئيس أميركي في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.

لكن أميركا التي أوصلت كلينتون إلى البيت الأبيض لم تعطه بعد ستة أشهر فقط من انتخابه، أي في أواسط عام 1993، سوى نسبة 36% من ثقة الشعب فيه، كما أكدت استطلاعات رأي عديدة آنذاك، وذلك على خلفية خيبة الأمل، حيال ضآلة النهوض الاقتصادي. لكن الآراء تتبدل بسرعة في عصر التلفزة، إذ أنه يكفي استخدام بعض النجاحات الجزئية في الكونغرس وشن غارة جوية على بغداد وعدة لقطات ل«الرئيس» في قمة رؤساء الدول والحكومات في طوكيو لترتفع شعبيته إلى 48%. لكن المشاكل لم تتغير.

أمّا على صعيد السياسة الخارجية، فقد اختار خليفة جورج بوش الدعم الكامل لبوريس يلتسين وطلب من قمة البلدان السبعة مساعدته مالياً. وأبدى كلينتون «حزماً» حيال العراق، لكن ذلك لم يمنع العديد من المراقبين عن التساؤل حول مغزى الغارات التي تقوم بها القوات الأميركية على العراق. لا شك إن تلك الغارات قوبلت بتصفيق أولئك الذين كانوا يرون صورة «الشيطان» بصدام حسين، لكن هذا لم يمنع العديد من المحللين الاستراتيجيين الأميركيين من التشكيك بفعاليتها أو بوجود مبررات لها. «إن المحللين الاستراتيجيين لم يكونوا، من جهتهم، على قناعة كاملة بجدوى تلك العودة إلى شكل منسي من الدبلوماسية.

حيث حلّت الصواريخ بعيدة المدى وطائرات الهليكوبتر الهجومية وغير ذلك من الأسلحة والأعتدة المتقدمة التي وصلت إليها التكنولوجيا محل المدافع التي كانت تستخدم قديماً، كما يقول المؤلف، وظهرت التناقضات أيضاً في السياسة الخارجية التي تبناها بيل كلينتون في البداية حيال الصين. فبعد أن أظهر الحزم في تمسكه بحقوق الإنسان والديمقراطية، اختار انتهاج سياسة «واقعية» تراعي المصالح التجارية للولايات المتحدة الأميركية وتقول بضرورة عدم عزل الصين والاستفادة من قدرتها في التأثير على كوريا الشمالية.. لكن كلينتون، وبنفيه المبادئ التي كان قد نادى بها دائماً، لم يشارك بذلك بتحسين صورته.

أمّا في الشرق الأوسط فقد حملت السياسة الأميركية الجديدة لبيل كلينتون بصمات رجل هو «مارتن أنديك» رئيس لجنة الشؤون الأميركية ـ الإسرائيلية. وبدا أن واشنطن كانت مصممة على إيصال المفاوضات إلى نهايتها، مستلهمة بذلك من أسلوب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. لكن جهود كلينتون الأولى وصلت إلى الطريق المسدود خاصة فيما يتعلق بمسألة القدس الشائكة. مع ذلك ترسّخت ديناميكية المفاوضات «السرية»، على رغم تلك العقبة ورغم الأحداث التي عرضها جنوب لبنان آنذاك.

وعلى صعيد بيع الأسلحة فقد ظلت القاعدة السائدة هي: «افعلوا كما أقول وليس كما أفعل». ولم تغيّر المفاوضات التي أجراها الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن حول مبيعات الأسلحة لمنطقة الشرق الأوسط من واقع الأمر شيئاً، ثم أن الإجراءات التقنية ومهما كانت بارعة فإنها لا تساوي شيئاً دون حل للمشاكل السياسية التي تحدد قرارات الدول.. هذا يصح بالنسبة للشرق الأوسط، كما لغيرها من مناطق العالم. وكانت أوروبا قد شهدت تقليص التسليح في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن ذلك لم يؤدِ إلى نهاية الحرب الباردة، بل إن العكس تماماً هو الذي عرفته القارة القديمة.

الاحتواء المزدوج

وكانت منطقة الشرق الأوسط قد عرفت انتقالاً ل«مركز الخطورة» بعد حرب الخليج نحو ثنائي إيران والعراق. وقد تمثلت السياسة الأميركية آنذاك بما عرف ب« الاحتواء المزدوج» الرامي إلى المحافظة على حالة الضعف لدى البلدين المعنيين بدلاً من السياسة القديمة القائمة على مبدأ التوازن وتعزيز قوة أحد الطرفين عندما تتصاعد قوة الآخر. لكن بدت أبعاد تلك السياسة الأميركية محدودة جداً. إذ «من جهة» لم يكن هناك من يتمنى تفجر العراق؟

ومن جهة أخرى كانت قدرة الأميركيين على منع الدول الأخرى من التعامل مع إيران بدافع مصالحها الخاصة متواضعة جداً. ثم لم يكن من الواضح أن الأمن الإقليمي سيتعزز عبر عملية عزل طويلة الأمد للنظامين. وقد جهدت الولايات المتحدة في تلك الفترة من أجل المحافظة على حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل.

بكل الحالات، كانت الرهانات كبيرة في الشرق الأوسط، وبدا أن النافذة التي فتحتها حرب الخليج مهددة بالانغلاق.. وهذا كان يعني أن فرص السلام بين العرب وإسرائيل تتضاءل وتتراجع لمدة طويلة من الزمن.. لكن تعزيز هيمنة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والسيطرة على طرف البترول يبقيان باستمرار هدفين كبيرين للسياسة الأميركية كأئنا من يكون الذي يشغل البيت الأبيض، ديمقراطياً أو جمهورياً. لذلك رأت إدارة كلينتون أنه ينبغي أن يظل نظام صدام حسين ضعيفاً بقدر الإمكان إلى أن يتم إيجاد بديل «أفضل» له من وجهة نظر واشنطن.

وإلى جانب هذا حرص الأميركيون على منع إيران بكل الوسائل إذا حاولت استعادة قوتها وخاصة في الميدان النووي، من تحقيق ذلك.. هكذا قررت واشنطن بتاريخ 30 إبرايل 1995 فرض حظر اقتصادي ومالي ضد طهران. وفي مواجهة تلك السياسة القائمة على الاحتواء المزدوج، ثارت تساؤلات كثيرة حول جدواها، إذا لم يكن من الأفضل الدمج التدريجي للعراق وإيران في السياق الاقتصادي الاقليمي ومما قد يترتب عليه مساهمة أكبر في أمن الجميع؟

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن أحد دوافع السياسة الأميركية في الإبقاء على العراق «خارج اللعبة» إنما كان يتمثل في أن ذلك قد يدفع سوريا وإسرائيل للدخول في مفاوضات للسلام. وكان الأوروبيون عاجزين ومنقسمين وليس لهم أي صوت مسموع في قضية الشرق الأوسط. وبالطبع كانت لهم أيضا حساباتهم الاقتصادية. هذا لاسيما وأن ديون العراق لفرنسا مثلا كانت قد بلغت ستة مليارات دولار كثمن اسلحة اثناء الحرب مع إيران وبلغت ديونها لروسيا تسعة مليارات دولار.

وكان يفترض ان يتم تسديد تلك الديون من مبيعات البترول في حين أن احتياطي العراق من هذه المادة الاستراتيجية كان قد تضاعف ثلاث مرات في السنوات السابقة ليصل إلى حوالي 100 مليار برميل أي ما يضعها في المرتبة الدولية الثانية بعد المملكة العربية السعودية وكانت الشركات الفرنسية التي جرى استبعادها من السوق الكويتية بعد الحرب، تبحث عن استعادة مواقعها في المنطقة وتخشى أن تدفع ثمن تقارب قد يجري بين واشنطن وبغداد.

خارج اللعبة

وكانت فرنسا ومعها الاتحاد الأوروبي أيضا، بحاجة إلى سياسة موحدة إلى أكبر حد ممكن حيال منطقة الشرق الأوسط التي شكلت باستمرار، إلى جانب بلدان شمال إفريقيا العربية، مجالا استراتيجيا هاما، لكن أوروبا بدت أنها «خارج اللعبة» بعد حرب الخليج، ومع ذلك كانت على قناعة أن «الشرق المعقد» حسب تعبير للجنرال شارل ديغول، لن يقبل بشكل دائم «سلاما أميركيا» وانه سوف يأتي اليوم الذي ترضخ فيه الأنظمة العربية المأخوذة بها حسب الأمن الذي يشكل مبررا لسلوكياتها وابتعادها عن انفتاح ديمقراطي، امام تطلع شعوبها للازدهار الاقتصادي ولمزيد من الحرية السياسية.

وبناء على مثل هذا الأفق، رأى الأوروبيون أنه ينبغي عليهم ان يستعيدوا مكانهم الطبيعي في منطقة لهم فيها مصالح اقتصادية واستراتيجية عليا كما أدركوا بأنه ينبغي عليهم أيضا إعادة صياغة سياساتهم العربية على أساس تحديد ودعم مصالح الاتحاد الأوروبي بمجمله.

وذلك بعيدا عن العودة إلى أشكال المنافسة التي شاعت في فترات سابقة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا للاستئثار بالمصالح في الشرق الأوسط. ان مثل هذه المنافسة بدت انها تنبئ بالكوارث في السياق الدولي الجديد. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه كان على فرنسا تحديدا أن تقبل ضرورة اعطاء بعد أوروبي لسياستها حيال شمال إفريقيا وإفريقيا السوداء.

وبعد ست سنوات من سقوط جدار برلين بدأت ترسم ملامح توزيع جديد لموازين القوى العالمية وكانت هزيمة الديمقراطيين الأميركيين في انتخابات الكونغرس قد زادت من التساؤلات حول السياسة الخارجية الأميركية.. وبدأ أن هناك نوعا من التقارب في وجهات النظر بين روسيا وبريطانيا وفرنسا. ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أن عدم التوافق بين أوروبا ـ بما في ذلك روسيا ـ والولايات المتحدة حول بعض المواضيع المهمة مثل العراق أو البوسنة لم يكن وليد الأمس كانت واشنطن تريد استمرار العقوبات ضد العراق بينما كان صدام حسين قد رضخ للمطالب التي تضمنتها قرارات الأمم المتحدة بفضل الضغوط الروسية بشكل خاص.

واعترف بالحدود الدولية بين العراق والكويت حسب الخطوط التي حددتها لجنة الأمم المتحدة بتاريخ 10 نوفمبر 1994، والتزم باحترام تلك الحدود كما قام ـ تحت رقابة دولية ـ بتدمير اسلحته الكيميائية والبيولوجية والأسلحة طويلة المدى. ومع ذلك قام مجلس الأمن بتاريخ 14 نوفمبر 19994 و 14 ابريل 01995، وتحت ضغط الولايات المتحدة بتمديد العمل بالحظر التجاري والبترولي تنفيذا لقراره رقم 687 الصادر يوم 13 ابريل 1991 هذا على الرغم من معارضة كل من فرنسا وروسيا والصين.

وفي اميركا نفسها، قامت الأغلبية الجديدة في الكونغرس بـ «صب الزيت على النار» فيما يتعلق بالعراق أو البوسنة، هذا ومن المعروف عن الجمهوريين أنهم «واقعيون» عندما يكونون في البيت الأبيض، ولكنهم يظهرون وجها آخر عندما لا «يحتلون» سوى الأغلبية في الكونغرس ويتخذون آنئذ مواقف ايديولوجية تداعب الميول «الطبيعية» الجازمة لدى الشعب الأميركي.

وفي المحصلة أثار السلوك الأميركي حيال القضايا الجوهرية التي كانت مطروحة آنذاك على العالم بعض الاشكاليات لدى الأوروبيين وهي إشكاليات صاغها مؤلف هذا الكتاب بعدد من التساؤلات عما إذا كان استمرار الخطر «الذي أصبح ظالماً» على العراق لن يؤدي إلى زيادة المشاعر المعادية للغرب من قبل سكان تزداد معاناتهم؟ وهل فكر الأميركيون جيداً بنتائج استيقاظ القوميات في البوسنة وعموم البلقان؟ ومن الذي سوف يتحرك ضد الصربيين إذا لجأوا لاستخدام قوتهم العسكرية ضد المسلمين؟... الخ.

وفي ذلك العالم الجديد الذي كانت ترتسم ملامحه بوضوح غدت إحدى المسائل الأساسية المطروحة على الاتحاد الأوروبي هي تنظيم دفاعه بعيداً عن الاعتبارات الشكلية الخاصة بالعلاقات المستقبلية مع الحلف الأطلسي. وبما أن فرنسا وإنجلترا هما الدولتان «النوويتان» الوحيدتان في إطار الاتحاد فإنه كان عليهما وضع قدراتهما في خدمة مفهوم أوروبي مشترك للدفاع في إطار التحالف مع الولايات المتحدة. هذا لا سيما وأن هناك قناعة بأن السبيل الوحيد المعقول، عسكرياً، لخدمة مثل هذا المفهوم هو الجمع بين استراتيجية الردع النووي وتعميق نظام دولي لعدم انتشارها.

وبصورة أكثر شمولاً بدا أن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي هم الذين يمتلكون مفاتيح مستقبل الكوكب الذي نعيش عليه. ولا شك أن الظاهرة الأكثر أهمية خلال العقد الأخير من القرن العشرين تمثلت في الصعود الهائل لآسيا. ويرى مؤلف هذا الكتاب أنه لا شيء يمنع انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي، وربما الثقافي لاحقاً، نحو حضارات أخرى غير الحضارة الغربية، ولكن من الصعب على أبناء هذه الحضارة الغربية أن يتصوروا عالماً تكون القوة العظمى فيه هي الصين.

وحيث سيكون على جميع قادة ذلك العالم التوجه من فترة إلى أخرى لزيارة «المدينة الممنوعة» مثلما يتوجهون اليوم إلى «البيت الأبيض». ولا شك أن الأميركيين الذين لم يروا خلال القرن العشرين سوى «صعودهم» المستمر يلاقون صعوبة أكبر من بقية الغربيين في تصور مثل ذلك المنظور. لكنه منظور غير مستبعد ولكنه قد يحتاج إلى عدة عقود، لا سيما وأن إجمالي الإنتاج الداخلي للصين في أواسط عقد التسعينات الماضي كان أقل من نصف إنتاج دولة مثل فرنسا لا يتجاوز عدد سكانها، عدد سكان إحدى مقاطعاتها المتوسطة.

«لذلك لا ينبغي علينا أن نراهن على آسيا بصورة عامة وعلى الصين خاصة وأن نطور علاقاتنا الاقتصادية والسياسية مع منطقة سيتقرر فيها مصير القرن الحادي والعشرين» كما يقول مؤلف هذا الكتاب.

إضاءة

بعد ست سنوات من سقوط جدار برلين، بدأت ترتسم ملامح توزيع جديد لموازين القوى العالمية. وكانت هزيمة الديمقراطيين الأميركيين في انتخابات الكونغرس قد زادت من التساؤلات حول السياسة الخارجية الأميركية. وبدا أن هناك نوعاً من التقارب في وجهات النظر بين روسيا وبريطانيا وفرنسا.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف