يجد القارئ نفسه، عند هذا المنعطف من الكتاب، على موعد مع قراءة دقيقة في مجمل التطورات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، والفوضى الوحشية التي اندلعت هناك، والتي تخلت القوات الأميركية عن مسؤوليتها كقوة احتلال عن الحيلولة دون وقوعها.
ويوضح المؤلف، ربما للمرة الأولى، أن كوادر الخارجية الأميركية كانت تميل لتوسيع نطاق المشاركة الدولية في إدارة العراق بعد الحرب، وترغب في مشاركة فاعلة من الأمم المتحدة تتخذ كغطاء شرعي للاحتلال، ولكن جناحاً داخل الإدارة الأميركية بادر إلى قمع هذا الميل وتلك الرغبة ليطرح توجهات مختلفة.
يشير المؤلف إلى أنه خلال الأسبوع الأول من الإطاحة بنظام صدام، كانت بغداد تعيش حالة من الفوضى، لكنها لم تكن مدينة خطيرة كما هي عليه الآن، ففي المدينة التي يقطنها خمسة ملايين شخص، تلاشت كل المؤسسات والسلطات، فلم تعد هناك حكومة أو جيش أو شرطة.
وعند هبوط الليل تكون بغداد مظلمة باستثناء أضواء سيارات عابرة من وقت لآخر وأنوار تأتي من بنايات قليلة يتمتع سكانها بقدر من الثراء أتاح لهم اقتناء مولدات كهربائية، وأصيب الجنود الأميركيون بالدهشة وهم يحاولون استيعاب مدى اتساع المدينة التي أصبحوا مسؤولين عنها.
خلال تلك الأيام، لم تكن هناك أية دلالة على الغضب تجاه الأميركيين، حتى من جانب ضحايا الحرب، وكان واضحاً أن العديد من سكان بغداد يشعرون بالسرور للإطاحة بصدام. وبغض النظر عن مشاعرهم التي تعتمل في نفوسهم حول أن الأميركيين هم الذين أطاحوا به، فإن معظم العراقيين كانوا يعلقون آمالاً كباراً على مستقبل يضمد جراح استمرت على مدى 25 عاماً.
إلا أن أعمال النهب والسرقة التي أعقبت دخول الأميركيين بغداد والإظلام الذي لف المدينة جعل العراقيين يرهبون الوضع الجديد، وتلاشى إحساسهم بالتحرير وسط هذا الظلام الدامس، والفراغ القاتل والمدينة المرعبة.
الفصول المأساوية
كان أكثر الفصول مأساوية بعمليات النهب والسلب ما حدث في المتحف الوطني العراقي، ففي يوم 11 ابريل، أي بعد يومين على انهيار نظام صدام وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة مسؤولة بحكم القانون الدولي عن بغداد، تعرض المتحف للنهب وتمت سرقة تحف فنية تعود لبدايات الحضارة الإنسانية.
وكان علماء الآثار الأميركيون يدركون أن المتحف سيتعرض لمخاطر عديدة خلال الحرب، وحثوا مراراً وزارة الدفاع الأميركية على حمايته. وقد أرسلت وزارة الخارجية الأميركية قائمة إلى البنتاغون بخمسين موقعاً في بغداد يتعين حمايتها، وكان المتحف في المركز الثاني في القائمة، وكانت على رأس القائمة سجلات نظام صدام التي كانت مبعثرة في كل مكان بالوزارات الحكومية ومقر المخابرات، ولم يلق المتحف أية حماية من القوات الأميركية.
وعندما تعرض المتحف للهجوم، استنجد الموظفون بأفراد من المارينز كانوا على بعد خطوات الا ان الجنود رفضوا التدخل. ووجدت إدارة بوش نفسها في حرج شديد عندما أبرزت وسائل الإعلام عمليات نهب المتحف. وقد زاد رامسفيلد الطين بلة عندما قلل من خسائر المتحف والأماكن المهمة الأخرى مشيرا الى وجود قدر من الفوضى تهولها وسائل الإعلام.
كما احرق مثيرو الفوضى المكتبة الوطنية العراقية التي كانت تضم مخطوطات قديمة ونسخة من كل كتاب ينشر في العراق وكل صحيفة تم طبعها في بغداد منذ منتصف القرن التاسع عشر وفي الواقع فقد تم إعدام السجل الوثائقي لتاريخ العراق الحديث كما فقد متحف الفنون الجميلة العراقي معظم مجموعاته.
وبعدم حماية المتاحف والمكتبة الوطنية العراقية تكون الإدارة الأميركية قد فشلت في اداء مسؤوليتها القانونية كقوة احتلال عن حماية التراث الثقافي العراقي. وكانت هذه هي نتيجة لعجرفة إدارة رفضت ان تصغي لما يحذر منه الخبراء ودخلت في حرب في الوقت ذاته مع وزارة خارجيتها لتتجاهل ارشادات كوادرها كما انه نتيجة لجهل إدارة دأبت على ضرب عرض الحائط بالقانون الدولي.
وليس هناك من عذر بالقول ان العراقيين هم الذين قاموا بأعمال النهب فقد كانت عمليات النهب مسألة حتمية لانهيار المؤسسات ومعها القانون والنظام في أعقاب الإطاحة بالنظام.
ويروي المؤلف كيف انه لم يلق أي جنود يمنعونه من دخول أي مكان ذهب اليه مثل وزارة الخارجية «وزارة التجارة والقصر الجمهوري ومقر اللجنة الاولمبية العراقية وجامعة الموصل ويقول ان العديد من المواقع التي دخلها كانت ذات قيمة استخبارية واضحة ومع ذلك لم يبذل البنتاغون او السي أي ايه أي جهد لتفتيش هذه المواقع ومنع مثيري الفوضى من دخولها .
واذا كانت ادارة بوش قد زعمت ان العراق قد حصل سرا على مواد لتصنيع اسلحة دمار شامل فيما زعم نائب الرئيس تشيني ان سفارات صدام كانت على اتصال بالقاعدة فانه كان من المفترض ان يكون مبنى وزارة الخارجية العراقية المكان المنطقي للعثور على وثائق متعلقة بأنشطة الاستخبارات الخارجية العراقية وبخطوات الحصول على المواد المحظورة لكن مثيري الفوضى كانوا هم الذين اقتحموا خزانات وزارة الخارجية وكانت خيبة أملهم كبيرة عندما لم يجدوا بداخلها سوى أوراق ووثائق وليس أموال!
وفي نهاية المطاف كانت السلطات العراقية هي التي عثرت على وثائق مهمة بمبنى وزارة الخارجية من بينها تسجيلات لمن تلقوا الرشاوى من العراق وفقا للفضيحة التي هزت أركان الأمم المتحدة والمتعلقة ببرنامج النفط مقابل الغذاء كما عثروا على قائمة بالأجانب الذين قدموا الى العراق قبيل الحرب.
ويعكس ذلك مدى عقم السياسات الأميركية التي ركزت على سوق المبررات التي تتيح لها غزو العراق من دون الاهتمام بما يمكن ان يحدث بعد ذلك وقد أعمتها إيديولوجيتها عن وضع خطط لأكثر المهام وضوحا بعد تحقيق الانتصار العسكري.
ويقول المؤلف ان الاحتلال الأميركي لم يفق ابدا من فوضي الأيام الأولى فنهب الوزارات ومحطات الطاقة كان يعني انه من المستحيل استعادة الخدمات الأساسية لشهور وفي بعض الأحيان لأكثر من عام وعندما وجد العراقيون أنفسهم رهن منازلهم نتيجة لتدمير اماكن عملهم او لعدم وجود كهرباء لإدارة مصانعهم بدأوا يوجهون اللوم لقوات الاحتلال.
وفي الواقع لم تقم الولايات المتحدة بحماية أي شيء وذلك لأن وزير الدفاع وكبار مساعديه لم يعتقدوا للحظة ان حماية الملكية العامة او الحفاظ على النظام العام - في العراق - مسألة ذات أهمية كما ان الرئيس نفسه لم يفكر في هذا الأمر على الإطلاق.
لكن رامسفيلد أبدى اهتماما بوزارة النفط وعين عليها حراسة فيما وزارة الري المجاورة لها قد اشتعلت فيها النيران لتدمر كل المخططات الخاصة بالسدود والجسور ومحطات الضخ العراقية والمعنى في غاية الوضوح فالنفط له أولوية عن رامسفيلد اما المياه التي يعتمد ملايين العراقيين عليها فلا تهمه في شيء ونفس هذا التفكير ترسب في ذهن العديد من العراقيين.
وتبنى العراقيون وجهتي نظر ازاء عمليات النهب فقد رأوا ان الولايات المتحدة تعاني من عقم يجعلها لا تستطيع المحافظة على النظام او انها شريرة للدرجة التي ترغب فيه في تدمير مادي للبلاد. ويرى الكاتب هنا انه من غير المبالغ فيه القول ان الولايات المتحدة قد تكون قد خسرت الحرب في اليوم نفسه الذي استولت فيه على بغداد يوم التاسع من ابريل 2003.
ويقول المؤلف انه منذ غزو العراق سقط الألوف من العراقيين بين قتلى وجرحى نتيجة انتشار أعمال العنف الدموي بالعراق بعد فشل سياسات الاحتلال الأمنية.
يقول المؤلف انه كانت هناك رغبة بين كوادر السياسة الخارجية الأميركية لتوسع نطاق المشاركة الدولية في حكم العراق بعد الحرب كما كانت هناك رغبة لمشاركة الأمم المتحدة وذلك بهدف الاستفادة من خبرتها ومنح غطاء شرعي للاحتلال.
كما كان هناك جناح داخل الادارج يرغب في بدء عملية بناء تقودها الولايات المتحدة وتكون على نمط اعمار المانيا واليابان بعد الحرب ورأى هؤلاء انه يجب ان يطبق العراق الجديد اقتصاد السوق الحرة ويقوم قطاع الصناعة على أساس الخصخصة بينما يعتمد النفط على القطاع الخاص ويتم وضع نظام تعليمي جديد مما يتم تشكيل حكومة ديمقراطية غير عرقية او طائفية.
ومع ذلك فان مسألة كيفية حكم العراق لم تصل الى مكتب الرئيس لاتخاذ قرار بشأنها ونتيجة لذلك فقد انتهجت الأجنحة المتنافسة داخل الادارة سياسات متعارضة.
ورغم انه كان يتعين على الرئيس ان يتخذ قرارا بهذا الشأن قبل الحرب الا انه لم يفعل ذلك على الإطلاق. وعلى الرغم من ان بوش قرر شن حرب على العراق في اعقاب 11 سبتمبر فانه لم يتخذ أي قرار بشأن القضايا الكبرى المترتبة على الغزو مثل الكيفية التي سيتم بها حكم العراق، وهل سيكون الاحتلال الأميركي طويلاً.
كما حدث في ألمانيا واليابان، وهل ستكون هناك حكومة مؤقتة وكيفية اختيار أعضائها؟ هل ستكون هناك انتخابات؟ ومتى؟ كيف ستتم صياغة الدستور العراقي وما المواد التي سيتضمنها؟ ما هو الموقف الأميركي تجاه الفيدرالية للأكراد وتجاه رغبة الشيعة في إقامة دولة إسلامية؟ ما الذي سيتم اتخاذه تجاه الجيش العراقي وحزب البعث؟
أسرار تردي الأوضاع
يقول المؤلف إن الأوضاع قد تردت بشكل واضح في أعقاب الغزو، وتوقفت تقريباً الحياة الاقتصادية في البلاد، مع تخبط مسؤولي إدارة الاحتلال الذين كانوا يفتقدون لأي مؤهلات. فعلى سبيل المثال كانت بغداد قبل الحرب تنعم بالكهرباء على مدى 24 ساعة في اليوم تقريباً. وفي ابريل ومايو 2003 كانت العاصمة تعيش بدون كهرباء تقريباً الأمر الذي أدى إلى شلل معظم النشاط الاقتصادي وجعل الحياة اليومية بائسة مع درجات حرارة تزيد على 40 درجة مئوية.
ورغم تخصيص مبلغ 7 ,7 مليارات دولار للبنية التحتية الكهربائية بالعراق، فقد كان توليد الكهرباء بعد عام من الاحتلال الأميركي أدنى من المعدل الذي وفرته حكومة صدام.
وأي شخص يتمتع بخبرة في المواقف التي تعقب الصراعات يعرف أهمية أن يشعر الناس بتحسن في أحوالهم على نحو سريع. فاقتصاديات الفترات التي تعقب الصراعات تعاني من معدلات عالية من البطالة، ومشروعات إعادة البناء لا تساهم فقط في إصلاح الدمار الذي تعرضت له منشآت الدولة، بل تساهم أيضاً في إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل.
يقول المؤلف إنه في نوفمبر 2003 وقع الرئيس بوش على مخصصات قيمتها 4 ,18 مليار دولار لمشروعات الإعمار في العراق. ومع ذلك لم يتم حتى نهاية يونيو 2004 إنفاق سوى 500 مليون دولار.
وقد أرجع بريمر هذا التقصير إلى رؤسائه في واشنطن الذين لم يضعوا أولوية للموافقة على المشروعات التي كان يتعين تنفيذها، إلا أن المؤلف يرى أن بريمر نفسه كان اختياراً خاطئاً، ويقول عنه إنه لم يعرف العراق أبداً، ولم يزره من قبل، ولم يتكلم اللغة العربية، ولم يخدم مطلقاً في أية أزمات عراقية، كما لم يكن له أي تجارب في عمليات إعادة البناء.
كما أدار بريمر المليارات من الأموال العراقية، من بينها عائدات مبيعات النفط العراقي. وقد أصدرت إدارة الاحتلال تقريراً أشارت فيه إلى أنه تم إنفاق 8 ,8 مليارات دولار من الأموال العراقية، وبمعنى أدق فقد «اختفت» هذه الأموال من دون أن يكون هناك أي محاسبة دقيقة للنفقات.
ويرد بريمر على ذلك قائلاً إنه لا يمكن توقع أساليب الحسابات العادية في زمن الحرب، لكن هناك مخالفات مالية صارخة سكت عنها الجميع من بينها أن أحد الجنود الأميركيين اضطلع بمهمة مساعدة فريق الملاكمة العراقي وحصل على مخصصات للقيام بهذه المهمة ولكن بدلاً من ذلك دخل في مراهنات ولا أحد يعرف ما إذا كان المبلغ المفقود 20 ألف دولار أو 60 ألف دولار نظراً لعدم وجود أي تسجيل لحجم الأموال التي حصل عليها!
كما تم دفع 700 ألف دولار بمقتضى عقد لتأهيل مستشفى الحلة العام يتضمن تغيير المصعد المركزي. ولم يتم تنفيذ العقد وسقط المصعد ليقتل ثلاثة أشخاص. كما حصل مقاول آخر على 108 آلاف دولار لتأهيل حمام السباحة الأولمبي في الحلة وتركيب مضخات وأنابيب جديدة، ولكن كل ما قام به المقابل هو تلميع المضخات الموجودة لتبدو جديدة!
وقد ثبتت تهمة السرقة على روبرت شتاين مسؤول التعاقدات بإدارة الاحتلال في الحلة، بعد أن سرق أكثر من مليوني دولار من أموال العقود. وقد تم تعيين شتاين في هذا المنصب الحساس رغم أنه حكم عليه بالسجن ثمانية أشهر في سجن فيدرالي أميركي بتهمة الغش وذلك في عام 1996.
التحديات
يشير المؤلف إلى أن الأمثلة عديدة ولا تحصى على تخبط إدارة الاحتلال. ففي 26 مارس 2004 ألقى مقتدى الصدر خطبة شجب فيها الرئيس بوش والولايات المتحدة وإسرائيل وأشاد بهجمات 11 سبتمبر.
ولأشهر عديدة كان لدى قوات التحالف أمر بالقبض على الصدر لاتهامه بالتورط في اغتيال رجل الدين عبد المجيد الخوئي في 10 ابريل 2003، عند ضريح الإمام علي في النجف، ورفضت قوات التحالف تنفيذ أمر الاعتقال، وتغاضت عن تحدي الصدر لقرار الحظر المفروض على الميليشيات، وقيامه بتعزيز جيش المهدي ليصل عدده إلى أكثر من 6 آلاف رجل.
وفي الجنوب سمح الأميركيون والبريطانيون للأحزاب الدينية بالاضطلاع بدور الإدارة المحلية. وقام أبناء الجنوب بتعيين أفراد الشرطة المحلية. ومعظمهم كانوا من أفراد ميليشيا هذه الأحزاب. وتتلقى قوات الشرطة المحلية في الجنوب أوامرها ليس من السلطات الوطنية العراقية ولكن من الزعماء السياسيين المسؤولين عن دفع رواتبهم. ونظراً لأن السلطات المحلية لا تؤيد التحالف في موقفه من الصدر، فإن الشرطة تفعل الشيء نفسه.
وبطلب من الأميركيين، الذين تصوروا أنهم يقومون بإنشاء جيش وطني، ألحق البرزاني وطالباني 6 آلاف من أفراد البشمرجة بالجيش العراقي، ويشكل هذا العدد تسع كتائب تتخذ مواقعها في كردستان. وتدين هذه القوات بالولاء لكردستان وليس العراق.
ويرى المؤلف أن البشمرجة كانوا الفئة الرئيسية داخل الجيش العراقي التي لا تعترض على قمع عناصر السنة المسلحة وعندما انتهت عملية الفلوجة، هدد السنة بالانتقام من الأكراد. وبالتالي نجد أن الاستراتيجية الأميركية لبناء جيش عراقي موحد لم يكن مآلها الفشل فقط، بل إنها بذرت بذور الحرب الأهلية أيضاً.
وقد استغلت الأحزاب الشيعية إصرار الأميركيين على حل الميليشيات بتسريب أجنحتها العسكرية في الجيش العراقي الجديد وقوات الشرطة، خاصة في الجنوب. وقد تصور الأميركيون أن ارتداء أفراد هذه الميليشيات الزي العسكري للجيش والشرطة سيؤدي إلى تغيير ولائهم. لكن ذلك لم يتحقق.
لم يتحول هذا الولاء إلا بعد ان اضطلعت الأحزاب الدينية الشيعية بمهام الحكومة القومية في أعقاب انتخابات يناير 2005 وقد ساهم تولي الشيعة الوزارة في ابتعاد السنة بصورة أكبر عن الجيش والشرطة اللذين هيمن عليهما الشيعة. أما الأكراد الذين لهم دولتهم وجيشهم، فقد اكتفوا بمراقبة تطورات الأحداث.
مخاوف من الديمقراطية
يقول المؤلف إنه رغم ان الرئيس بوش أعلن أن مهمة أميركا هي ان تجعل نسائم الحرية تهب على الشعب العراقي، فإن إدارته كانت تخشى من عواقب الديمقراطية ففي شهادته أمام لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب في مايو 2003 رفض وكيل وزارة الدفاع دوغلاس فيث القول بما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تقبل نتيجة انتخابات ديمقراطية إذا ما صوت العراقيون لصالح دولة إسلامية.
وفي الواقع فقد سعت الإدارة الأميركية الى تقليص خيارات الشعب العراقي، وسعت لتحقيق ذلك من خلال وضع دستور دائم للبلاد يصيغه عراقيون تختارهم الإدارة الأميركية، ويساعدهم مستشارون أميركيون يحرصون على ان يتضمن الدستور مواد لحماية حقوق الإنسان على النمط الغربي وتحافظ على وحدة العراق والسيطرة المركزية على النفط والترويج لسياسات اقتصادية واجتماعية يفضلها المحافظون الجدد الأميركيون.
يقول المؤلف انه بذلك اصبحت التربة العراقية مهيأة لحرب أهلية في عام 2003، فالعرب السنة يشعرون بالمرارة لاستبعادهم من مراكز السلطة والمزايا التي كانوا يحصلون عليها خلال حكم صدام.
وكمعظم الحروب الأهلية، فإنه من الصعب تحديد تاريخ دقيق لبدايتها وربما يكون اغتيال باقر الحكيم في النجف في 29 أغسطس 2003 أحد هذه التواريخ، حيث قتل مع الحكيم 94 شخصاً، عندما انفجرت سيارة مفخخة. وربما يكون الثاني من مارس 2004 تاريخا آخر، حيث فجر انتحاري نفسه بين حشود الشيعة الذين توافدوا على كربلاء في ذكرى يوم عاشوراء.
وتواصلت ظواهر الحرب الأهلية طوال عام 2004 مع تكرار انفجار السيارات المفخخة وعمليات إطلاق النار والتفجيرات، حيث قتل 37 شخصا في أحد مساكن مدينة الحلة في يونيو، وقتل 70 شخصا كانوا ضمن طوابير الباحثين عن وظائف في بغداد في يوليو، ومقتل 45 حاجاً في الكوفة في أغسطس، ومقتل 52 مجنداً بالجيش لدى مغادرتهم ثكناتهم في أكتوبر.
وخلال عام 2005 أصبحت الهجمات متكررة بصورة أكبر وأكثر دموية ومنها مقتل 99 شخصا في سوق مدينة البلد نتيجة لانفجار سيارة ، ومقتل 111 شخصا معظمهم من العمال الشيعة بالقرب من مسجد الكاظمية ببغداد.
وفي المقابل قام الشيعة بأعمال انتقامية ضد السنة على الرغم من دعوات رجال الدين الشيعة لضبط النفس وفي 13 نوفمبر 2005 اكتشف جنود أميركيون، أثناء بحثهم عن صبي مفقود يبلغ من العمر 13 عاما، سجنا سريا تديره وزارة الداخلية وبداخله 169 من السنة العرب الذين كانوا يتضورون جوعا وعلى أجسامهم مؤشرات دالة على التعذيب. وقد حول السنة قضية السجن السري إلى قضية سياسية خلال الحملة الانتخابية، واتهموا وزير الداخلية العراقي بيان جبر بدعمه لعمليات تعذيب السجناء.
وتركزت الحرب الأهلية العراقية في مناطق تمتزج فيها العرقيات العراقية الثلاث وهي محافظة بابل إلى الجنوب من بغداد حيث كان السنة ينصبون الكمائن للشيعة وهم في طريقهم من بغداد إلى المدن المقدسة، ومحافظة ديالي إلى الشرق من بغداد التي يقيم فيها الشيعة والسنة والأكراد.
ونينوى التي شهدت اشتباكات بين السنة والشيعة وكذلك بين الأكراد والسنة في مدينة الموصل، فضلا عن تصاعد العمليات في العاصمة نفسها. ووفقا للهيئة العراقية للإحصاء فقد أدت أعمال العنف إلى مقتل 14 ألفا و 829 مدنيا و 453 شرطيا في بغداد وحدها.
وبالتأكيد فإن الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بكثير. وفي يوليو 2005 تسلمت مشرحة بغداد ما يزيد على ألف حالة قتل، غالبيتها يتعلق بصراعات طائفية. وأرقام المشرحة لا تتضمن ضحايا تفجيرات السيارات والعمليات الانتحارية حيث يكون سبب الموت معروفا ويحمل الأقارب أشلاء الضحايا لدفنها مباشرة.
ويقول المؤلف انه نتيجة للتهديدات وأعمال القتل التي تتعرض لها الأقليات فقد حصلت هجرات شيعية وسنية إلى أماكن يكونون فيها في أمان. وخلال الأربعة أشهر الأولى من عام 2006 هرب نحو مئة ألف سني وشيعي إلى أحياء يشعرون فيها بأنهم أكثر أمانا. وهذا التطهير العرقي تعرض له العراقيون الذين يعيشون في ظل زيجات مختلطة بين الشيعة والسنة، وهو ما كان شائعا وعاديا خلال حكم صدام، وخاصة بين الصفوة المستنيرة من سكان بغداد.
عرض ومناقشة: فكري بكر
