«الحاجة أم الاختراع»، مقولة رددها كثير من المخترعين والموهوبين الذين قدموا للإنسانية خدمات جليلة خدمت الفرد وطورت المجتمعات وأحدثت نقلة نوعية كبيرة في تقدم وتطور العلوم التي انعكست على التطور الحضاري بشكل عام.

ومن هنا تأتي أهمية التركيز على رعاية المبدعين والموهوبين من الطلبة، فكم من المؤتمرات والندوات التي عقدت تحت عنوان رعاية الإبداع والمبدعين وشكلت لها اللجان وقدمت التوصيات والمقترحات وصرفت عليها الملايين التي ذهبت إلى أدراج الأرشيف والملفات في الدوائر والمؤسسات، والمتتبع لمناهجنا الدراسية ومساقاتنا الأكاديمية يجدها بعيدة عن مفهوم الإبداع والأمر متروك للصدفة.الطالب يوسف الريامي واحد من طلاب كلية التقنية العليا في العين امتلك الموهبة والرغبة والقدرة وقدحت في ذهنه فكرة طالما شغلت الناس والمسؤولين كثيراً وحتى الدول والحكومات ألا وهي قضية التوفير في الطاقة وترشيد الاستهلاك والحد من الهدر المادي والموارد حيث باتت الطاقة ومصادر توفيرها وتمويلها تشغل المعنيين وتعقد لها الندوات والمؤتمرات وترصد لها الميزانيات.

يوسف درس الهندسة الكهربائية في كليات التقنية العليا تنبه للموضوع من خلال المعاناة الكبيرة في قيمة الفواتير الشهرية والإمكانات التي تهدر في التحصيل.

وبعد أن قلب الموضوع في ذهنه من مختلف الجوانب اهتدى لبداية الطريق انطلاقا من سؤال يفرض نفسه مع بداية كل شهر، لماذا فاتورة الكهرباء مرتفعة ومتى يتاح لي الوقت لمراجعة دائرة الماء والكهرباء لسداد القيمة.

وما هو الوقت المناسب كي يأتي قارئ العدادات لقراءة الرقم وتحديد المصروف المستهلك؟ تساؤل في وقت يعاني فيه الموظف المختص بقراءة العدادات من زيارة المنازل عدة مرات كي يستطيع أن يجد أصحاب المنزل والسماح له بالدخول لمجرد قراءة عداد الكهرباء على عجل وهذا ما يجعله أحياناً يقع في الخطأ ويقرأ الأرقام بسرعة مما يساهم بارتفاع قيمة الفاتورة التي توقع أصحاب المنزل في حيرة من أنفسهم ويتساءلون عن سبب الارتفاع ؟

أهمية وجدوى الفكرة

كل هذه المعطيات جعلت يوسف يفكر في طريقة تحد من تراكم تلك الأخطاء وذاك الهدر في وقت بات المطلوب فيه البحث عن الطرق الكفيلة لتوفير الطاقة.

ويقول يوسف: إن الفكرة كانت بالأساس هي إيجاد طريقة علمية وعملية لقراءة عداد الكهرباء بدون الشخص الموظف الذي كان يقوم بها مع نهاية أو بداية كل شهر ومن ثم قام يوسف بوضع جدول أسبوعي لمراقبة القراءة للتعرف على كمية الاستهلاك.

ومن أين مصدرها وتحديد أسبابها وكل ذلك من خلال جهاز رصد إلكتروني صغير يوضع بجانب عداد الكهرباء يقوم برصد القراءات يومياً ومن خلاله يستطيع الشخص التعرف على مصروفه اليومي وبالتالي مراجعة دائرة الماء والكهرباء لمتابعة الموضوع ودفع الفواتير أولاً بأول ورصد عملية ترشيد الاستهلاك وتوفير الطاقة من جهة والمال والجهد من جهة ثانية.

الدعم والرعاية

ويضيف يوسف بأن الفكرة كانت جديرة بالاهتمام والمتابعة وطرح الموضوع على أساتذته في كلية التقنية الذين اقتنعوا بها وشجعوه عليها حيث بدأ خطواته الأولى لتنفيذ المشروع بشكل عملي ووضع الخطة الرئيسية والتكلفة المادية ودراسة الجدوى الاقتصادية والعلمية والمرود والفائدة المرجوة منه وانعكاسه على المجتمع .

وأوضح أن فكرة المشروع حققت نجاحاً من حيث الإطار العام والتنفيذ العملي وساهمت بتوفير الوقت والجهد والمال حيث حققت القراءات نسبة جيدة من الدقة على عكس القراءات التي كان يقوم بها القارئ الموظف والتي كانت تحتمل نسبة كبيرة من الخطأ سواء في الزيادة أو النقصان مما ينعكس سلباً على المستهلك وكذلك على دائرة الماء والكهرباء مما يعد هدراً في الموارد المالية والبشرية.

كما ان المشروع ساهم أيضا في توفير الجهد والطاقة التي كان يبذلها الموظف المسؤول عن قراءة العدادات من خلال الزيارات التي كان يقوم بها يومياً للمنازل مما يتطلب العودة للمنزل مرات عدة في حال عدم وجود أصحابه ولتأكد من القراءات عدة مرات قبل إرسال الفاتورة للتحصيل.

ويؤكد يوسف الريامي على أهمية تشجيع مثل تلك المبادرات والمشاريع الطلابية والاستفادة منها ودعمها مادياً ومعنوياً وهو يأمل أن تقوم الشركات المحلية بالتسويق للمشروع لدى الجهات المعنية والاستفادة منه ووضعه موضع الخدمة.

تسويق وتشجيع

وأكد يوسف انه سعيد بقيام شركة تورنل للاتصالات بتشجيعه ودعمه خلال فترة إعداد المشروع وتطبيقه حيث تمت دراسة الفكرة من قبل خبراء ومختصين لدى الشركة التي قامت على الفور بتبني الفكرة ودعمها من مختلف الجوانب الفنية والعلمية وتم تشكيل فريق عمل للإشراف العلمي والمتابعة الميدانية وتم تنظيم عدة لقاءات مع مهندسين وخبراء لتقييم المشروع ونال استحسان المشرفين مما دفع بالشركة لإقامة حفل تكريم خاص بعد نجاح تطبيق فكرة المشروع.

ويضيف يوسف إن المشروع تمت مناقشته في عدة مناسبات ولقاءات علمية وبحثية ومن عدة جهات ونظمت له ورش عمل وقد حصلت على عدة جوائز تقديرية محلية تقديراً لنجاح الفكرة وأهميتها في التطبيقات العملية لترشيد الاستهلاك في الطاقة وحيث إن هذا الموضوع يسترعي اهتمام مختلف مؤسسات الدولة وهناك حملات توعية وإرشاد وتوجيه تقام سنوياً لتوعية أفراد المجتمع بأهمية ترشيد استهلاك الطاقة.

مخرجات علمية

من جانبه أكد برينت ميلز مدير كليات التقنية العليا في العين على أهمية تشجيع الطلبة على القيام بمثل هذه المشاريع وتطبيق الدراسة النظرية عملياً بمشاريع تعود بالفائدة على الدولة والمجتمع من مختلف الجهات.

مشيراً إلى أن كليات التقنية تسعى من خلال التخصصات المطروحة والمساقات العلمية على طرح تخصصات تلبي حاجة الفرد والمجتمع في وقت واحد فلم تعد الدراسة في الكليات مجرد دراسات نظرية ومساقات تجريدية بل لابد من إيجاد مجالات للتطبيق العملي لها .

وهذا يتطلب في الوقت نفسه أن يسعى الطالب وبشكل دائم للبحث العلمي ولا يكتفي بما تلقاه من محاضرات نظرية داخل القاعات فالبحث العلمي هو أساس التقييم الأكاديمي ومقياس تطور المخرجات العلمية لأية كلية أو أكاديمية وفي مختلف الفروع والتخصصات.

فتح الباب لإطلاق المواهب

شدد مدير كليات التقنية العليا في العين على أن كليات التقنية فتحت الباب على مصراعيه أمام الطلبة لإطلاق مواهبهم وإبداعاتهم وتشجع دائماً على المبادرات العلمية وتسعى إلى توفير الدعم المادي والمعنوي للطلاب سواء في ابتعاث الطلبة المتفوقين في دورات تدريبية خارجية أو توظيفهم من قبل تلك الشركات التي تسعى بدورها إلى استقطاب الطلبة المتفوقين من خلال دعم المشاريع المطروحة أو التوظيف في المشاريع التي تديرها تلك الشركات والمؤسسات .

مما يلبي حاجة سوق العمل من التخصصات العلمية العملية والحد من استيراد اليد العاملة الفنية من الخارج مما يساهم في المستقبل القريب بتوفير الكوادر الوطنية المؤهلة للقيام بكافة الأعمال الفنية والتقنية.

وأشار إلى أن طلاب كليات التقنية استطاعوا تأكيد قدراتهم للقيام بالكثير من الأعمال والمهام وحققوا حضوراً وظيفياً ومهنياً بشهادة إدارة تلك الشركات والمؤسسات واعداً الطلبة بتوفير كل أوجه الدعم والرعاية للمشاريع الطلابية العلمية ذات التطبيقات العملية في الحياة اليومية.

كتب ـ داوود محمد: