عند هذا المنعطف الأخير من الكتاب، يقدم لنا المؤلف بيتر غالبريث تصوراته للسيناريوهات المستقبلية المتوقعة في العراق، ولكننا نلاحظ، على الفور تقريباً، أن علاقاته الوثيقة بالأكراد تنعكس في هذه السيناريوهات جميعها من دون استثناء، حيث يشدد على حتمية انفصال كردستان العراق، ويظهر البشمرجة بصورة القوة الوحيدة الصديقة لأميركا في العراق.
والتي يمكن لواشنطن الاعتماد عليها، ويشدد على أن تقسيم العراق هو الحل الوحيد المتبقي الآن أمام الإدارة الأميركية، وهي رؤية من الواضح أنها، في كل الأحوال، فيها نظر وتصب في إيجاد ثقب أسود رهيب في العراق، تتصادم فيه قوى الجغرافيا والتاريخ بلا انتهاء.
يرى المؤلف أن الولايات المتحدة بحاجة الآن لاستراتيجية تقوم على أساس ما يحدث على أرض الواقع في العراق، ويقول إنه حتى عندما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تتمتعان بسلطة كاملة في العراق عامي 2003 و2004، لم تتمكنا من وقف محاولات تقسيم الدولة.
ففي الجنوب، سمح البريطانيون والأميركيون لرجال الدين وللأحزاب الدينية بتولي السلطة كاملة، وعلى الرغم من إعلان التزامهم بحكم القانون وحقوق المرأة (كما نص عليها القانون الإداري الانتقالي)، فإنهم لم يتخذوا أي إجراء لوقف الميليشيات عن إجبار النساء على ارتداء أزياء محددة.
وإغلاق محال التسجيلات الموسيقية وفرض نظامهم القضائي في المحاكم. وفي الوقت الذي قال الأميركيون إن منطقة كردستان يجب أن تنضم من جديد للعراق، فإن شيئاً لم يتخذ لتقليل مستوى الحكم الذاتي الذي يتمتع به الأكراد.
وفي الوقت الذي دانت الإدارة الأميركية القوات المسلحة غير المنضوية تحت مظلة الجيش العراقي، فإنها لم تبذل أي جهد لحل مثل هذه القوات، بل وسمحت قوات الاحتلال للميليشيات بالتزايد خلال فترة الاحتلال.
وإذا كانت قوات التحالف لم تتمكن من منع انقسام العراق ، عندما كانت تتمتع بالسلطة الكاملة وتسيطر على كل شيء، فإنه ليس من المنطقي الآن تصور أن يكون لها ثقل كبير في مجال بناء مؤسسات قومية قوية، مثل جيش عراقي واحد وحكومة مركزية قوية، وذلك في ظل تراجع النفوذ الأميركي بشكل كبير. ومع تزايد اعتراض الشعب الأميركي على الحرب والنظر إلى قرار الحرب على أنه قرار خاطئ، ومع تدني شعبية بوش إلى مستوى شعبية نيكسون، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع الضلوع في أي جهود كبيرة لبناء المؤسسات القومية بالعراق.
وباختصار، فإن دولة كردستان في الشمال، ووجود سيطرة لرجال الدين في الجنوب، وانتشار الميليشيات والسيطرة الطائفية على قوات الشرطة والجيش، كل ذلك يمثل حقائق على الأرض في العراق، وليست هناك أية نية لدى الإدارة الأميركية لتغيير شيء من ذلك.
ويقتضي الأمر أن تكون الإدارة الأميركية أمينة مع نفسها ومع الشعب الأميركي، ولن يتحقق ذلك سوى بأن تعترف بأنها لن تستطيع إنجاز الشيء الكثير للخروج من المأزق العراقي. ويقول المؤلف إنه إذا كانت مزاعم الإدارة الأميركية صحيحة بأن إحدى عشرة محافظة عراقية من بين ثماني عشرة محافظة تتمتع بالأمان، فإن ذلك يمكن أن يمثل نقطة انطلاق لاستراتيجية خروج من هذا المأزق.
أصدقاء أميركا الوحيدون
يرى المؤلف أن البشمرجة يمثلون القوة العسكرية الأقوى في العراق الآن والقوة الوحيدة الموثوقة والموالية لأميركا. وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى لمساعدة أصدقائها فقط في العراق، فإن ذلك يعني تقديم المعونات الفنية لمساعدة حكومة إقليم كردستان على الارتقاء بمستويات التعليم والخدمات الصحية وتعزيز قوات الشرطة المحلية. وتقوم الإدارة الأميركية بالفعل بالترويج للإقليم كمنطقة آمنة يمكن أن تصبح بوابة للمستثمرين إلى بقية أنحاء العراق.
ويرى المؤلف ضرورة استمرار ذلك والعمل على تعزيز الإصلاحات السياسية بهذا الإقليم، خاصة وأن هناك جهوداً عديدة تبذل في هذا الإطار، الأمر الذي يمكن أن يجعل البرامج الديمقراطية التي ترعاها الولايات المتحدة تجد بيئة خصبة بين صفوة الأكراد من المثقفين والإعلاميين والأكاديميين. كما يطالب المؤلف بتعزيز قدرات البشمرجة، من خلال تزويدهم بالعربات المدرعة والأسلحة الثقيلة وطائرات الهليكوبتر ووضع برامج تدريبية لأفرادهم. ويقول المؤلف ان هؤلاء هم أصدقاء أميركا وقد تحتاج الولايات المتحدة إليهم لمساعدتها في عمليات مستقبلية داخل العراق.
ويواصل المؤلف دفاعه عن الأكراد قائلا أنهم حاربوا إلى جانب الأميركيين للإطاحة بصدام حسين في عام 2003، كما دأبوا باستمرار على تأييد السياسة الأميركية خلال الحرب وبعدها وخلال المفاوضات حول تشكيل الحكومة العراقية في عام 2006 استخدم خليل زاد الأكراد لطرح الأجندة الأميركية، التي كان من بينها عرقلة ترشيح إبراهيم الجعفري.
ويرى ان تسليح البشمرجة يعتبر وسيلة لسداد هذا الدين، كما يمكن للولايات المتحدة ان تعدهم بتوفير المساندة الجوية في حال حدوث هجوم عراقي عليهم، كما يتعين عليها ان تبقي قاعدة صغيرة في كردستان، وذلك لحماية الأكراد وأيضا كضمانة في مواجهة أية محاولة للاستيلاء على السلطة في المناطق التي يسيطر عليها السنة.
ويقول انه في الوقت الذي يدور فيه جدل كبير ومعارضة شديدة لوجود قواعد دائمة في «العراق العربي»، فإن الأكراد يريدون قواعد أميركية في كردستان. ويرى المؤلف ان قيام دولة كردية تتمتع باستقلال كامل يعد مسألة وقت فحسب، مشيراً إلى ان الجيل الشاب من الزعماء الأكراد (الذين هم في الأربعينات من عمرهم وأقل) يرون انه لا فائدة في كونهم عراقيين، وسوف يمارسون المزيد من الضغوط للاستقلال التام بمجرد ان تسمح الأوضاع بذلك. وإذا ما تمت تسوية مسألة حدود كردستان، فإن قيام هذه الدولة سيكون له تأثير محدود على بقية العراق.
ويوضح ان زعماء عراقيين ـ لم يحدد هويتهم ـ قد أبلغوه بصورة غير رسمية أنهم يوافقون على حق كردستان في تقرير المصير ويتفهمون الأسباب التي تجعل الأكراد غير راغبين في ان يكونوا جزءا من العراق بعد كل ما تعرضوا له من ظلم وهناك البعض الذي يفضل انفصال كردستان بعد ان ضاقوا ذرعاً برفض الأكراد المستمر لتقديم أي تنازلات من أجل إقامة دولة يتشارك في سلطاتها جميع الاطراف. وقد قال أحمد الجلبي نائب رئيس الوزراء ان للأكراد حق الانفصال،
فيما قال الشيء ذاته اياد علاوي في لقاء أجراه معه المؤلف لشبكة «أيه بي سي نيوز» عام 2003، على الرغم من انه أشار إلى ضرورة ان يتم انفصال الأكراد من خلال المفاوضات، وليس كإجراء من جانب واحد. ويرى المؤلف انه نظراً لعدم وجود خلافات على ترسيم الحدود فإن الانفصال بين كردستان والعراق العربي يمكن ان يكون على غرار الطلاق المخملي الذي شهدته تشيكوسلوفاكيا وليس على نمط حروب يوغسلافيا.
موقف أنقرة
تطور موقف تركيا إزاء كردستان العراق بصورة كبيرة منذ عام 2003. فقبل الحرب ذكرت تركيا مراراً أنها تعارض الفيدرالية في العراق وحاولت، حتى بعد بدء الحرب، ان تقنع الولايات المتحدة بإرسال قوات إلى شمال العراق، ولكن مؤخراً أيدت حكومة أنقرة الفيدرالية في العراق وقللت من معارضتها لضم كركوك إلى كردستان بعد ان كانت تقول ان استيلاء الأكراد على كركوك يعد «خطاً أحمر» إذا ما تم تجاوزه فإن تركيا ستضطر للتدخل عسكرياً.
ويقول المؤلف ان التغير في الموقف التركي يعكس طبيعة الواقع العراقي، كما يعكس مدى اهتمام تركيا بعدم إثارة دول الاتحاد الأوروبي ضدها خاصة وأنها تبذل جهوداً جبارة للحصول على موافقة هذه الدول حتى تنضم إلى الاتحاد.
وتدرك تركيا ان العديد من الدول الأوروبية تبحث عن أية ذريعة تحول دون انضمام أنقرة، وأي تدخل عسكري تركي في شمال العراق سوف يقلل كثيرا من فرص انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بل يمكن ان يؤدي إلى فرض عقوبات عليها كما حدث عندما قامت بغزو قبرص في عام 1974.
ويدرك المسؤولون العسكريون الأتراك ان غزو كردستان العراقية لن يكون بالأمر الهين فخلال الفترة من 1984 حتى 1999 دخل الجيش التركي في معارك مع ثوار حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا أدت إلى مقتل 30 ألف شخص رغم ان مقاتلي حزب العمال كانوا يقدرون بنحو 5 آلاف مقاتل اما في شمال العراق فإن تركيا ستواجه جيشاً من البشمرجة يزيد عددهم عن مئة ألف.
ويقول المؤلف ان النهج البرغماتي التركي لا يرجع إلى غياب البدائل فحسب، فهناك بعض المفكرين الاستراتيجيين الأتراك، ومن بينهم مسؤولون في الجيش وفي الاستخبارات، يرون ان كردستان العراقية يمكن ان تصبح رصيداً ايجابياً لتركيا، فأكراد العراق، وفقاً لرؤيتهم، علمانيون وموالون للغرب ومن غير العرب، مما يجعلهم حلفاء طبيعيين لتركيا وبإمكانهم أنا يشكلوا منطقة فاصلة بين تركيا وبين دولة عربية إسلامية في الجنوب،
كما أن لدى تركيا اهتمامات اقتصادية متزايدة بكردستان العراقية، حيث تعتبر الشركات التركية أكبر المؤسسات الاستثمارية الأجنبية في المنطقة، وقد حصلت شركات البترول التركية على امتيازات كبيرة من حكومة الاقليم لتطوير حقول نفط جديدة. وحتى الآن فإن تركيا تظل رافضة بشدة لإقامة دولة كردستانية تتمتع باستقلال تام.
إلا ان أنقرة لم تعد تعتبر اقامة مثل هذه الدولة خطراً عليها كما كانت تشار من قبل، في الوقت الذي يدرك فيه الكثير من المسؤولين الأتراك ان اقامة مثل هذه الدولة أصبحت مسألة حتمية. وكل ما تفكر فيه أنقرة الآن هو ان يكون لها نفوذ كبير على دولة كردستان عندما يتحقق ذلك.
وبالنسبة لإيران، التي أيدت تاريخياً الانفصاليين الأكراد في العراق، فإنها قد تكون مناوئاً أكثر قوة من تركيا لقيام كردستان مستقلة في العراق. فقد ألهمت التطورات في العراق الأكراد الإيرانيين للمطالبة بمزيد من الحقوق، الأمر الذي اثار ردود فعل سلبية من جانب السلطات الإيرانية في عامي 2004 و2005 ومع ذلك فليس أمام طهران سوى خيارات ضئيلة للحيلولة دون قيام كردستان مستقلة في العراق، فالولايات المتحدة وحلفاؤها سيقفون بصرامة في وجه أي تدخل عسكري مباشر.
وحتى لو قامت طهران بعمليات تخريبية فحسب، فإنها لن تستطيع الوقوف في وجه أكراد العراق لإقامة دولتهم المستقلة. وفي كل الأحوال فإن اهتمام إيران الأساسي في العراق يتركز على الجنوب العراقي. ويرى المؤلف أن احتمال قيام عراق عربي وكردستان أمر وارد في المستقبل القريب بصورة أكبر من قيام ثلاث دول هي كردستان ودولة سنية ودولة شيعية.
وقد يؤدي هذا التقسيم إلى تقليص نفوذ إيران على النصف الجنوبي من العراق. لقد منحت إدارة بوش سياساتها في الشرق الأوسط فرصة ثمينة لإيران لم تحصل عليها من قبل للتأثير في جنوب العراق وليس لدى الولايات المتحدة الآن، مهما كانت التصريحات التي تتردد، القدرة أو النية في مواجهة الوضع الذي حصلت عليه إيران في جنوب العراق أو في أي مكان آخر يتركز فيه الشيعة بالعالم العربي. وهذه ليست تطورات إيجابية، ولكن لا ينبغي أن تقود إلى كارثة.
المعضلة الحقيقية
بالنسبة للمحافظات العربية السنية بالعراق، يرى الكاتب أن الولايات المتحدة تواجه معضلة هناك، ويبدو أن الوجود العسكري الأميركي بين عرب سنة معادين يؤدي إلى تزايد الاضطرابات وتفاقم أعمال العنف والأعمال الانتحارية بصورة لا تنتهي. وإذا انسحبت الولايات المتحدة من مدن السنة الرئيسية، فقد يسقط مزيد من المدن في أيدي المسلحين، وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تصبح المدن السنية على شاكلة أفغانستان في ظل حكم طالبان وتكون قاعدة آمنة يشن منها المسلحون هجمات على الولايات المتحدة.
ومع ذلك فإن العرب السنة يدركون أنه في حالة نشوب حرب أهلية بين السنة والشيعة، سيكونون هم الخاسرون. وقد غير بعض أعداء أميركا موقفهم المطالب بانسحاب قوات التحالف، وراحوا يطالبون بالحماية الأميركية.
وفي الفلوجة، أرسل زعماء القبائل السنة بالقرى المحيطة شباباً من هذه القرى للانضمام إلى إحدى كتائب الفلوجة بالجيش العراقي الذي كانت تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيله. ويبدو أن هؤلاء الزعماء خلصوا إلى أنه من الأفضل أن يكون هناك عرب سنة محليون يحمون المدينة بدلاً من ترك الأمر للجنود من الطوائف الأخرى.
ويقول المؤلف إنه قد يأتي اليوم الذي سيرى فيه العرب السنة في قيام منطقة خاصة بهم أمراً أساسياً لتوفير الحماية الذاتية وبالتالي يتراجع قلقهم من أن تؤدي الفيدرالية إلى تقسيم العراق وتمزيقه، وإذا أنشأ السنة حرساً لحماية منطقتهم، فسيصبح بالإمكان تولي مسؤوليات الأمن من الأميركيين والجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة.
وبالتالي سيصبح بإمكان الولايات المتحدة الانسحاب على أن توضح أن القوات الأميركية ستعود إذا سمحت السلطات الإقليمية لمسلحي القاعدة والتنظيمات الأخرى المناهضة للغرب بالتحرك. وفي حالة عدم قيام العرب السنة بتشكيل منطقتهم، فيتعين على الولايات المتحدة أن تنسحب أيضاً، وأن تترك مهمة الواجبات الأمنية للجيش العراقي، الذي سيواصل استخدامه للقوات الشيعية هناك.
ونظراً لأن الانسحاب الأميركي من المناطق السنية مشروط بقمع سلطات الإقليم للمسلحين، فإن الولايات المتحدة ستكون بحاجة لوجود قوة في مكان قريب، تكون على استعداد للتدخل إذا فشلت هذه السلطات في مهامها. وتعتبر كردستان المكان المثالي لوجود مثل هذه القوات، فهي قريبة وسكانها أصدقاء للأميركيين، وتظل داخل العراق. أما وضع قوة على أهبة الاستعداد خارج العراق، كما يقترح البعض، فسوف يزيد الصعوبات السياسية للعودة إلى العراق، كما سيعيق قدرة الولايات المتحدة على محاربة المسلحين.
ويحاول غالبريت تسويق فكرة الحل الفيدرالي قائلاً إن تقسيم العراق يمثل حلاً سياسياً لكردستان والجنوب الشيعي والوسط العربي السني لأنه يمثل مجرد إعلان رسمي لما قد حدث بالفعل. فالتقسيم هو السبب وراء الاستقرار الذي تنعم به كردستان والهدوء النسبي الذي يشهده الجنوب.
ويقول إنه حل عراقي، يجسده الدستور، وليس مفروضاً من أحد. وعلى العكس من ذلك فإن الجهود الأميركية لبناء دولة موحدة بقوات شرطة وجيش غير طائفية وغير عرقية لم تحقق مثل هذا الاستقرار ولن تحقق أي تقدم نحو ذلك.
سيناريوهات المستقبل
يمضي المؤلف قائلاً إن قبول التقسيم هو السبيل الذي يفتح الطريق أمام خروج معظم قوات التحالف من العراق بسرعة. لكنه لن يحل مشكلة بغداد نظراً لأنه لا يوجد حتى الآن أي حل لهذه المشكلة. فالشيعة والسنة من سكان بغداد لا يثقون في أي قوات مسلحة عراقية. فالشرطة والجيش جزء من المشكلة حيث أحياناً ما يتنكر بعض المجرمين في زي رجال الشرطة أو الجيش ويقومون بأعمال عنف ضد مدنيين.
ونظرياً فإن الولايات المتحدة القوة التي تتيح لها توفير مستوى معين من الأمن في بغداد، وبإمكان الجنود الأميركيين أن يقوموا بدور رجال الشرطة بالعاصمة ويشرفون على نقاط التفتيش ويصادرون الأسلحة ويعتقلون المجرمين مثلما يفعلون مع المسلحين وينزعون سلاح الميليشيات القوية ومن بينهم من هم داخل الشرطة والجيش.
لكن هذا سيعني القيام بمهمة مختلفة تماماً مما يتطلب المزيد من القوات ويؤدي إلى المزيد من الخسائر وقد لا تنجح هذه المهمة. فالقوات الأميركية تؤدي مهامها الفعلية دون حاجة لتعلم مهارات لغوية أو معرفة بالتقاليد المحلية ويحرصون على حماية أنفسهم، وبالتالي فإنهم لا يمثلون بديلاً جيداً لشرطة عراقية موثوقة. وفي ظل المناخ السياسي السائد الآن في الولايات المتحدة، فإنه من الصعب تصور إمكانية حصول أي تأييد لهذا الدور.
أما البديل لذلك فهو الاعتراف بمحدودية قدرة أميركا على وقف نزيف الدم في بغداد. وثمة مخاطر في جلب قوات أجنبية لتحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، فالشيعة سيرفضون أي قوات عربية سنية.
كما سيرفض الشيعة أي قوات من دولة شيعية فضلاً عن أن تجارب الماضي تؤكد أن أي تدخل أجنبي لتحقيق الأمن يؤدي إلى استمرار بقاء هذه القوات لسنوات مثلما حدث في لبنان عندما تدخلت القوات السورية لإنهاء الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً في عام 1989 ثم ظلت هناك لمدة 15 عاماً أخرى والقوات الأوروبية التي تم نشرها في البوسنة، ولا تزال هناك بعد مرور 11 عاماً على نشرها.
كما أن هناك مخاوف من أن تطلب أطراف في الحرب الأهلية المتصاعدة في العراق مساعدة من حلفائها أكبر مما تقدمه لهم الآن. وليس من المستبعد، كما يقول المؤلف، أن تساعد قوات إيرانية حكومة الشيعة العراقيين، بينما تساعد قوات من دول عربية السنة العراقيين وفي هذه الحالة سيتسع نطاق الحرب الأهلية العراقية لخارج حدود البلاد.
ويرى المؤلف في ختام كتابه أن تقسيم العراق يعد حسب تعبيره الحل الوحيد المتبقي الآن أمام الإدارة الأميركية. وقال إن هناك الكثيرين الآن داخل إدارة بوش بدأوا يقتنعون باستحالة وضع العراق بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه داخل إطار دولة واحدة مرة أخرى، ولكن المشكلة تكمن في أن الرئيس بوش غير قادر على مواجهة الحقيقة، وسيتطلب الأمر وقتاً حتى يدرك الواقع.
عرض ومناقشة: فكري بكر