ينتقل المؤلف، بيتر غالبريث إلى منعطف جديد في متابعة التطورات على الساحة العراقية مع وصول السفير الأميركي زلماي خليل زاد إلى بغداد، وهو يطلعنا على ما جرى وراء الكواليس في قلب المنطقة الخضراء لدى صياغة الدستور العراقي.

حيث برزت معضلتان أساسيتان في مواجهة جهود زاد، الذي وجد نفسه أمام قرارات سياسية زادت من تعقيد مهمته، ويبادر المؤلف إلى إلقاء الضوء على النفط كمحرك للديناميات الأساسية التي تشكل واقع العراق ومستقبله.

يشير المؤلف إلى أنه قبل ساعات على انقضاء المهلة الثانية للاتفاق على الدستور العراقي الجديد في 22 أغسطس 2005 اجتمع الزعماء الشيعة والسنة في مقر الرئيس الكردستاني مسعود البرزاني في بغداد.

أراد الشيعة أن تشير مقدمة الدستور إلى الفظائع التي ارتكبها صدام حسين فيما كان السنة يرفضون هذا وبذلك انقضت المهلة من دون التوصل إلى اتفاق.

وبعد ذلك بثلاثة أيام أتصل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش هاتفيا بعبد العزيز الحكيم الذي يتزعم المجلس الأعلى للثورة الإسلامي في العراق، ليطلب منه تقديم تنازلات نيابة عن المفاوضين من العرب السنة بشأن قضايا مثيرة للجدل خاصة بالفيدرالية وشكر الحكيم بأدب الرئيس الأميركي الذي لم يكن على دراية كافية بالشؤون السياسية العراقية، أو حتى بخطوطها العريضة حيث كان الحكيم يدرك أن أي تنازلات صغيرة لن تحل الخلافات القائمة بين ضحايا الأعمال الوحشية وبين أولئك الذين ينكرون صوت أي جرائم.

وفي الوقت الذي كان التدخل الشخصي للرئيس بوش في مفاوضات الشرق الأوسط غير كافٍ أو ملائم، فقد بذل سفيرة في بغداد زلماي خليل زاد جهدا كبيرا لصياغة الدستور.

فبعد أيام على توليه منصبه في أوائل أغسطس 2005 استدعى خليل زاد كبار الزعماء العراقيين إلى المنطقة الخضراء بالعاصمة العراقية، حيث استهل معهم ثلاثة أسابيع من المحادثات المستمرة، التي أدت في النهاية الى اتفاق بين الأكراد والشيعة كان الأساس للدستور العراقي.

ومن الوهلة الأولى بدا خليل زاد وسيطا غير مناسب لصياغة الدستور العراقي. فهو أميركي الجنسية، أفغاني الأصل، تعود علاقته بالجمهوريين إلى عهد إدارة ريغان، ويعبر بصراحة عن مواقف تتبناها إدارة بوش في العراق. وخلال الإعداد للحرب على العراق، تعاون مع مجموعة المحافظين الجدد، التي تآمرت للدفع في اتجاه الحرب، ثم فشلت في وضع خطط لما بعد الحرب.

وعلى مدى سبعة أشهر، بدءا من نوفمبر 2002، عمل كمبعوث للرئيس بوش للمجموعات العراقية المعارضة لصدام حسين، ثم جاء إلى العراق بعد أن خدم كسفير للولايات المتحدة لدى افغانستان في الفترة من 2003 حتى 2005.

ولم يكن لدى خليل زاد الكثير من الوقت ليتعرف على تعقيدات الشؤون السياسية العراقية، بل انه لم يكن يعرف أن الأكراد أجروا في يناير 2005 استفتاء وافقوا فيه علي الاستقلال، كما لم يكن لخليل زاد خلال فترة وجوده في افغانستان الوقت الكافي لمتابعة التطورات العراقية، ومع ذلك لم يفكر أي مسؤول في الخارجية الأميركية في أن مثل هذا الاستفتاء يمثل تفصيلة مهمة يتعين ان يعرفها الرجل الذي يتفاوض على وضع دستور مع الأكراد.

وبعد أن وصل خليل زاد إلى العراق، وهو يتبنى صيغة إدارة بوش في قيام «عراق ديمقراطي، فيدرالي، وموحد» وجد نفسه أمام حقائق أخرى على أرض الواقع، وبدلا من أن يدخل في عملية التفاوض على «بناء الدولة» وجد نفسه يتفاوض على بنود معاهدة سلام بين ثلاثة أطراف، وهذا ما حدث بالفعل.

معضلتان رئيسيتان

يوضح المؤلف أن خليل زاد واجه معضلتين رئيسيتين، الأولى غياب أرضية مشتركة بين الأكراد والشيعة والسنة العرب في العراق وسياسة أميركية مشوشة سبقت وصوله، ورأى الأكراد في الدستور تهديداً لاستمرار استقلالهم، وراحوا يدققون في كل اقتراح من منظورهم الخاص، أما الجناح الذي يمثل الأغلبية وهم الشيعة الذي سيطروا على صياغة النص فقد رفضوا اتفاقيات اعتقد آخرون أنهم قد توصلوا إليها وبطبيعة الحال فقد أثار ذلك شكوك الأكراد.

أما العرب السنة فقد رفضوا كل شيء، ثم اقتراحه، الأمر الذي أثار إحباط الشيعة والأكراد للدرجة التي جعلتهم يتوقفون عن التفاوض معهم. وقد وجد خليل زاد نفسه أمام قرارات سياسية، تم اتخاذها في واشنطن وبغداد، زادت من تعقيدات مهمته، ففي مايو توجهت كوندوليزا رايس إلى بغداد حيث أصرت على ضرورة مشاركة العرب السنة في لجنة صياغة الدستور. وكان السنة قد قاطعوا انتخابات يناير وبالتالي حصلوا على تمثيل ضئيل في البرلمان.

ويزعم المؤلف ان مشاركة ممثلين عن السنة في لجنة صياغة الدستور قد زادت من حدة الخلافات خاصة وان عددا منهم كانوا من البعثيين، وهو يرى ان إدارة بوش واصلت بذلك ارضاء أعدائها على حساب اصدقائها، وبالتالي فقد وجهت الولايات المتحدة السياسة العراقية للطريق الخاطئ.

والمشكلة الثانية التي واجهها خليل زاد كانت المهلة التي تم تحديدها لصياغة الدستور وهي ستة أشهر ونصف الشهر من تاريخ الانتخابات في 30 يناير وحتى 15 أغسطس.

وهي فترة قصيرة حتى بالنسبة لدولة تتمتع بدرجة عالية من الإجماع السياسي وأراد البرلمان العراقي تمديد المهلة ستة أشهر أخرى، إلا أن الرئيس بوش الذي كان متعطشا لأن يعلن للرأي العام الأميركي الذي يتزايد تململه ان تقدما قد تم إحرازه، أصر على أن العراقيين يحتاجون بشدة للوفاء بالمهلة المحددة، ورغم ان معظم كبار الزعماء العراقيين كانوا مع تحديد المهلة، إلا أن أحدا لم يجرؤ على قول ذلك على الملأ.

ورغم ذلك لم يتم الوفاء بالمهلة وتم تمديدها مرتين الأولى لمدة أسبوع والثانية لمدة ثلاثة أيام فقط. ونتيجة لهذا التسرع فقد نجح الأكراد والشيعة في فرض رأيهم.

وفي 11 أغسطس فاجأ عبدالعزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق المتفاوضين على صياغة الدستور باقتراح يقضي بأن تشكل كل المحافظات الشيعية التسع في الجنوب منطقة واحدة تمارس سلطات كردستان نفسها وهذا الاقتراح الذي يرقى إلى إقامة منطقة منفصلة في الجنوب أثار في الحال قدرا كبيرا من القلق بأن المجلس الأعلى يتطلع إلى الانفصال عن العراق.

وفي الواقع، وعندما تقدم الحكيم باقتراحه، كان الجنوب الشيعي بالعراق قد تحرر بالفعل من سيطرة بغداد. ويقضي اقتراح الحكيم بإعطاء الجنوب حكومة ذات صلاحيات معترف بها، وبالتالي يتم اضفاء الصيغة القانونية على النظام غير الرسمي لحكم الأحزاب الدينية وميليشياتها، وإذا رأى مثل هذا الاقتراح النور، فإن دولة شيعية في الجنوب سوف تصبح قوة هائلة في العراق حيث ستتحكم في 80% من نفط العراق، وستضم 40% من الشعب العراقي، وستحتضن أهم مكانين مقدسين بالنسبة للشيعة.

وعلى الرغم من ذلك فقد فاجأ اقتراح الحكيم بعض زعماء الشيعة الآخرين. فبينما تؤيد الأحزاب الراسخة الفيدرالية أيضا، فقد كانت مع وجود منطقتين شيعيتين أو أكثر.

كما أبدى زعماء البصرة تحفظات تجاه اقتراح الحكيم، لأنه سيؤدي إلى مشاركة آخرين في بترول البصرة، وعارض الجعفري زعيم حزب الدعوة الإسلامي الشيعي اقتراح الحكيم وفكرة سيطرة منطقة على النفط، وربما يرجع ذلك إلى أنه رئيس وزراء في حكومة مركزية.

كما أعلن مقتدى الصدر معارضته لكل أشكال الفيدرالية، لكنه رفض المشاركة في العملية الدستورية على أساس أنه سيتم صياغة الدستور فيما العراق لا يزال تحت الاحتلال، كما أن جزءا كبيراً من دائرة الصدر يقيم في مدينة الصدر ببغداد، والتي لن تشملها الدولة التي يقترحها الحكيم.

وقد أشار بعض الدبلوماسيين الأميركيين في أحاديث غير رسمية إلى أن الحكيم تقدم باقتراحه من أجل أن يصدم الأكراد الذين ذهبوا بعيداً في مطالبهم بدولة منفصلة.

يقول المؤلف إن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق دأب على التحرك بفعالية كبيرة وقام بتطوير تنظير في جميع المحافظات الشيعية في الجنوب ونجح في السيطرة على مجالس ثماني محافظات من بين المحافظات الجنوبية التسع. ومع احتمال أن يهيمن المجلس الأعلى على المنطقة الجنوبية، فإنه ليس هناك مجال للشك في جدية اقتراح الحكيم.

وإذا كان الدبلوماسيون الأميركيون يرون أن تقديم هذا الاقتراح قد تم لترهيب الأكراد، فإن العكس قد حدث، فقد عزز ذلك من موقف كردستان.

في نهاية المطاف، توصل البرزاني وزعماء الشيعة إلى اتفاق. سيحصل الأكراد على ما يريدونه بشأن الفيدرالية، وسيحصل الشيعة على بعض ما يريدونه بشأن القضايا المتعلقة بالإسلام والمرأة ودور رجال الدين، بشرط ألا تطبق هذه البنود في كردستان.

كما اتفق الجانبان على تقليص السلطات الممنوحة للحكومة الفيدرالية بحيث تتركز فقط على الشؤون الخارجية وسياسة الدفاع والسياسة النقدية والسياسة المالية والخدمات البريدية وإدارة تدفق المياه بنهري الفرات ودجلة، وإجراء الاستفتاءات.

أما السلطات الأخرى، ومنها فرض الضرائب، فيمكن تطبيقها بعد الحصول على موافقة المنطقة التي ستعرض عليها.

ويمضي المؤلف قائلاً: إن الدستور قد جعل من العراق دولة إسلامية معتدلة نسبياً، فالإسلام هو الدين الرسمي ويعد «مصدراً أساسياً للتشريع»، وكانت الأحزاب الدينية الشيعية تريد أن يكون الإسلام «المصدر الأساسي للتشريع»،.

وبالتالي فقد جاءت صياغة الدستور بمثابة انتصار للعلمانية. إلا أن الدستور يشترط ألا يتم سن قانون يخالف الشريعة الإسلامية، ويجب على المحكمة الفيدرالية الضرائبية العليا أن تراجع دستورية القوانين، كما يشترط الدستور أيضاً أن تضم هيئة المحكمة خبراء في الشريعة الإسلامية.

ثلاثة كيانات منفصلة

يرى المؤلف أن العراق قد انقسم فعلياً إلى ثلاثة كيانات. وكانت كردستان قد تركت العراق في عام 1991، ولم تعد منذ ذلك الوقت. كما أدت ثورة الشيعة العراقيين والحرب الأهلية التي أشعلها السنة العرب «على حد تعبير المؤلف» إدى انقسام «العراق العربي» لتصبح هناك خطوط طائفية.

ويظل مع ذلك للدستور العراقي ما يمكن أن يميزه، فهو يمنح بناء للشيعة والسنة العراقيين ليقيموا عليه مؤسسات الحكم الذاتي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسهيل عملية النمو الاقتصادي في الجنوب ويساعد في إنهاء حالة الفوضى في الوسط السني العربي.

كا يقدم الدستور صيغة لحل القضايا المعلقة التي يمكن أن يؤدي عدم حلها إلى توسيع نطاق الحرب الأهلية، وهذه القضايا هي الأرض وتوزيع عائدات النفط والسيطرة على الحكومة القومية في بغداد.

وخلال المفاوضات على الدستور، رفض السنة العرب قيام مناطق فيدرالية جديدة على أساس أن ذلك سيؤدي إلى تقسيم العراق. «وكانوا قد اعترضوا في البداية أيضاً على منح الفيدرالية للأكراد، إلا أن زعماءهم اعترفوا بأن ذلك قد أصبح بالفعل واقعاً على الأرض».

ونظراً لأن قيام عراق عربي موحد جديد سوف يصبح تحت هيمنة الشيعة، فإن الأمر الأكثر ترجيحاً هو أن معارضة السنة العرب للفيدرالية تتعارض مع مصالحهم، وبالتالي فإن الأمر الأكثر احتمالاً هو سعي السنة لتعويض عملية صيانة الدستور برمتها.

ويرى المؤلف أن هناك ما يدعو إلى الأمل في أن يجني السنة ثمار قيام منطقة خاصة بهم بعد أن تم وضع الدستور بشكله الحالي.

وهو يقول إنه من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان الشيعة سوف يشكلون منطقة واحدة كبرى، كما اقترح الحكيم، أم عدة مناطق صغيرة. لقد حاول خليل زاد وبعض السنة من دون أن يحققوا أي نجاح، خلال المفاوضات على الدستور، تقليص عدد المحافظات التي يمكن أن تشكل منطقة إلى أربع فقط.

لقد استيقظت إدارة بوش على العواقب الاستراتيجية لغزو العراق، ولكن تقليص حجم المنطقة الجنوبية لن يحقق فرقاً كبيراً. وسوف تتعاون المناطق الشيعية فيما بينها ضمن كونفيدرالية شيعية.

ويرى المؤلف أن من وجهة النظر الاستراتيجية فإن قيام دولة شيعية واحدة قوية قد يصبح بمرور الوقت الأمر الأكثر احتمالاً لتأكيد استقلالها عن إيران بدلاً من وجود دويلات عديدة أكثر ضعفاً.

النزاع الأكثر حدة

يمضي المؤلف قائلاً إن الدستور يتضمن صيغة لحل أكثر النزاعات حدة في العراق، وهو النزاع بين كردستان وبقية العراق على إقليم كركوك الغني بالنفط. ويقضي الدستور بعودة الأكراد المشردين ودفع تعويضات للمستوطنين العرب، وتعديل حدود محافظة كركرك.

ويسعى الدستور إلى إغلاق قضية كركوك من خلال إجراء استفتاء من المقرر أن يجري في نهاية عام 2007 المقبل، ولكن ليس هناك ما يضمن حل قضية كركوك بطريقة سليمة. فالسنة العرب يعترضون بشدة على فقدان ما يعتبرونه ميراثهم ويريدون أن يصوت كل العراق في استفتاء كركوك.

ويقول إن كركوك بحاجة إلى ترتيبات لمشاركة في السلطة بين جميع سكانها من الأكراد والعرب والتركمان والآشوريين، كما أنها بحاجة إلى درجة عالية من الاستقلالية بغض النظر عن الجهة التي ستؤول إليها، سواء أكانت كردستان أم العراق العربي.

وتعتبر المواد المتعلقة بقضية كركرك بالدستور العراقي على درجة كبيرة من الأهلية، وإذا ما تم تطبيقها بصورة صحيحة وكاملة، سيصبح بالإمكان حل القضية التي ظلت في قلب الخلاف الكردي ـ العربي على غيرها من الأراضي التي يطالب بها الأكراد، لكنها ليست جزءاً رسمياً من كردستان جنوب السليمانية،.

وماضمور، غرب أربيل، هما مدينتان كرديتان تماماً وضمهما لكردستان يلقى قبولاً عاماً. لكن هناك نفياً للمزاعم الكردية الخاصة بمدينة سينجار بالقرب من الحدود السورية ومناطق أخرى في محيط الموصل.

النفط والقوة

يرى المؤلف أن النفط يمثل القوة في بلد يعتمد على مصدر واحد مثل العراق. وعلى الرغم من أن إدارة بوش قد دفعت بقوة في اتجاه أن تسيطر الحكومة المركزية على كل الثروة النفطية، فإن ذلك لا يمكن الاتفاق عليه مطلقاً.

وقد أوضح مسعود البرزاني والجمعية الوطنية الكردية أنه لن يكون هناك دستور أفضل من ذلك الذي يمنح المركز كل إيرادات الدولة. ولأن معظم النفط متركز في الجنوب، فإن الكثيرين من الشيعة يرغبون في سيطرة إقليمية على النفط.

وتوصل الدستور لحل وسط خاص «بالنفط القديم، والنفط الجديد» يقضي بأن تقوم الحكومة الفيدرالية بجمع الإيرادات من حقول النفط التي تقوم بالإنتاج في الوقت الحالي وتوزيعها، بينما تدير المناطق وتستفيد من الحقول الجديدة، مما يضمن توزيعاً عادلاً للإيرادات لسنوات عديدة مقبلة، حيث إنه بمرور الوقت سينتهي عمر الحقول الحالية.

وسيبدأ إنتاج الحقول الجديدة لتتحول الكفة تدريجياً لصالح المناطق الاخرى. إلا أن حقل نفط كركوك يعتبر استثناء من ذلك، إذ انه بدأ الإنتاج في عام 1934 وما زال يتمتع باحتياطي قابل للاستخراج يقدر بمليارات البراميل.

وبينما يتركز معظم إنتاج النفط الحالي في الشمال والجنوب، فإن كل الطوائف العراقية الثلاث تعيش فوق أرض واعدة. وقد تجد بغداد نفسها جالسة فوق بحيرة من النفط.

كما يساهم الدستور في حل قضية الصراع على السلطة والنفوذ في بغداد. ويقول غالبريت إنه منذ عام 1920 احتل السنة العرب المراكز القيادية العليا بالعراق، وتولوا أهم المناصب في الجيش والسلك الدبلوماسي والوزارات الحكومية. وفي الواقع فإن جلال طالباني هو أول شخص غير سني يتولى رئاسة الدولة.

ومع اشتراط الدستور لأغلبية مطلقة عند اختيار الرئيس ورئيس الوزراء وأعضاء مجلس الوزراء، فإنه يكون بذلك قد عزز المشاركة بالسلطة في الحكومة الفيدرالية من جانب كل الأطراف العراقية الكبرى الثلاثة. ولكن الأهم من ذلك أنه قلص سلطات المركز ولم يترك مجالاً للسنة العرب والأكراد والشيعة للتنازع عليه.

لكن الدستور لم يقدم حلاً لمشكلة العاصمة بغداد التي يتكون 60% منها من الشيعة و40% من السنة (وهو تقدير عام يستبعد الأقليات الكردية والمسيحية).

وتعتبر بغداد بمثابة خط المواجهة للحرب الأهلية العراقية، وبمقتضى الدستور، قد لا تنضم بغداد لأي منطقة، لكن من الممكن أن تصبح منطقة في حد ذاتها. وبالفعل من الصعب تصور كيفية حل القضية الطائفية في عاصمة تعتبر أكثر المدن خطراً في العالم.

ويقول المؤلف إن عملية صياغة الدستور لم تشارك فيها جميع الطوائف، فقد شارك في العملية الشيعة والأكراد بدون العرب السنة، الذين لم يقاطعوا انتخابات الجمعية الوطنية فقط، بل وصياغة الدستور أيضاً. كما يتخذ السنة مواقف تتعارض تماماً مع مواقف الأكراد والشيعة. وباختصار فإن كل ما يريده السنة هو عدم حصول الشيعة والأكراد على ما يريدونه.

وفي ظل تلك الأوضاع لم يكن من الممكن التوصل إلى أي حل وسط، لكن يظل الدستور يمثل حلاً عراقياً لمشكلة عراقية. لقد توصل الأكراد والشيعة إلى نتيجة مفادها أن العراق لا يمكن أن يستمر كدولة واحدة، وعمل الطرفان على وضع ترتيبات لاتمام التقسيم بصورة ودية.

ورفض العرب السنة المشاركة بهذه العملية، ويرجع ذلك في جانب إلى رفض فكرة التقسيم في الأساس.

إلى أين من هنا؟

يقول المؤلف إن الاستفتاء على الدستور العراقي الذي جرى في 15 أكتوبر 2005 وانتخاب مجلس النواب (الاسم الجديد للبرلمان) بعد ذلك بشهرين أي في 15 ديسمبر 2005، أكد عمق الانقسام الذي يعاني منه العراق.

ففي استفتاء أكتوبر صوتت المحافظات الكردية الثلاث بالموافقة على الدستور بنسبة 99%، بينما صوتت المحافظات الشيعية الجنوبية التسع بالموافقة بنسبة تراوحت بين 95-98%. وعلى النقيض من ذلك، صوتت محافظة صلاح الدين التي تقطنها أغلبية سنية برفض الدستور بنسبة 81% بينما صوتت محافظة الأنبار السنية تماماً ضد الدستور بنسبة 97%.

وفي انتخابات مجلس النواب التي جرت في ديسمبر صوت أقل من 2% من أكراد العراق لصالح أحزاب غير كردية، بينما صوت أقل من 15% من السنة والشيعة العراقيين لأحزاب غير طائفية.

ويرى الكثيرون الذين ينتقدون الدستور أن صياغته تهدف في الأساس إلى تأكيد التقسيم إلا أن الواقع يفيد بأن الدستور قد يكون الفرصة الأخيرة للحفاظ على وحدة العراق. فأكراد العراق لا يريدون أن يكونوا جزءاً من العراق ومع ذلك فهم يدركون أن مواصلة طريق الاستقلال الرسمي محفوف بالمخاطر.

وبالتالي فقد يستقر رأيهم على مواصلة استقلال الأمر الواقع الذي يتمتعون به إلى ما لا نهاية. ولن تؤدي الضغوط الخارجية للحفاظ على عراق أكثر توحيداً سوى إلى تكثيف المطالب بالاستقلال، ولا يتعين على أحد أن يتخيل أوهاماً، فبمجرد أن تسنح الظروف الدولية لفتح الباب أمام استقلال كردستان، فإن الأكراد سيسارعون بإعلان ذلك.

ويرى المؤلف استحالة ردم هوة الانقسامات الطائفية بين سنة العراق وشيعته خاصة هذه الأيام التي أصبح فيها الدين يشكل جزءاً متزايد الأهمية في الشؤون السياسية العراقية. لقد تمتع العراقيون من المهنيين ورجال الأعمال والصفوة البيروقراطية بالطابع العلماني لفترة طويلة وهم يشعرون بالدهشة من التركيز على النزعة الطائفية التي تشهدها بلادهم الآن.

ويقول المؤلف إنه مع استمرار الحرب الأهلية، يتزايد التباعد والتنافر بين السنة والشيعة، ويسمح نظام عراقي بفيدرالية فضفاضة بأن يطور كل جانب مؤسساته السياسية والاجتماعية بأمان من دون أن يهدد الآخر. وبالتالي سيتمكن الشيعة من إقامة جمهوريتهم ولكن في الأجزاء الشيعية فقط. وإذا ما قامت حكومة للسنة العرب، سواء أكانت من البعثيين الجدد أو الإسلاميين، فإنه سيكون لها حافز قوي لقمع المسلحين.

ومن وجهة نظر أميركية، فإن كل هذه النتائج غير مريحة، فقد كان القليل من الأميركيين سيؤيدون غزو العراق لو أنهم كانوا يعرفون أن هذا الغزو سيؤدي إلى قيام كيان يمثل نصف الدولة يدور في فلك إيران، لكن هذه النتيجة أفضل من قيام حكومة قومية تتحالف مع إيران وتحاول فرض توجيهها العقيدي على كل أنحاء العراق.

عرض ومناقشة: فكري بكر