تتغير مدينة لواندا بسرعة. فبعد سنوات قليلة من نهاية حرب باردة مدمرة، نجد سماء عاصمة أنغولا مليئة بالرافعات. ويتم تحسين المباني المهجورة، وتنمو المنازل المتناسقة ومباني مكاتب الموظفين. ويتم كذلك تمهيد الطرق، وهذا من شأنه كسر حدة الاختناقات المرورية. في العام الماضي نما اقتصاد أنغولا بنسبة تقدر ب5,15، وهو نمو يعد الأسرع في قارة إفريقيا.
ولكن بقية الدول الإفريقية كانت هي الأخرى تبلي بلاءً حسناً، وحسب تقديرات تقرير أخير صدر من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن اقتصاد إفريقيا نما بنسبة 5% العام المنصرم، ومن المتوقع أن ينمو أكثر هذا العام والعام المقبل. في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد حول إفريقيا، كان المزاج متفائلاً على غير العادة. فهل ستنهض إفريقيا ـ التي كثيراً ما تسمى بالقارة الميؤوس منها ـ أخيراً؟
يرجع سبب ارتفاع مؤشرات الأرقام جزئياً إلى رغبة عالمية للحصول على النفط، المعادن، والسلع الأخرى بفعل مطالب من الصين والهند. وتنتج إفريقيا الكثير مما تريده الصين، ما أدى إلى انتعاش التجارة ودعم المصالح في المنطقة. كان رئيس الوزراء الصيني وين جياباو في جولة شملت سبع دول إفريقية أخيراً. وجلب ارتفاع أسعار السلع (النفط ارتفع إلى أكثر من 90% والمعادن حوالي 70% منذ عام 2002) مكاسب غير متوقعة للدول المنتجة للنفط من قبيل أنغولا ونيجيريا. ولكن المؤشرات الاقتصادية الجيدة لا تقتصر على الدول التي تملك النفط والمعادن. فقد نما اقتصاد إثيوبيا بنسبة 7% تقريباً العام الماضي، أما اقتصاد أوغندا فقد أغلق مؤشره عند 6%.
وقد كانت الدول الثرية أكثر كرماً في الآونة الأخيرة، بتقديمها مساعدات إضافية وأقساطا مريحة، وأعطت العديد من الاقتصاديات المكافحة فرصة لالتقاط الأنفاس. وقبل نهاية العام الماضي تم إعفاء 25 دولة من أصل 29 في إفريقيا من ديون تقارب 35 مليار دولار في ظل مبادرة «الدول الفقيرة المثقلة بالديون»، التي أطلقها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عام 1996، سعياً لضمان عدم وجود أي دولة تواجه عبء ديون لا يمكنها تغطيتها.
ولكن إفريقيا نفسها تستحق التقدير للتحسن الملحوظ في اقتصادها. فمعظم اقتصادياتها حققت نمواً أفضل، فالتضخم الاقتصادي - الذي يبلغ متوسطه حالياً 8% في العام ـ في أدنى مستوياته في كثير من الدول منذ ما بعد الاستقلال مباشرة. وخلال الـ 40 عاماً الماضية، كانت الحكومات تشدد على السيطرة على الإنفاق. ومع الاستثناء البارز المتعلق بمناطق كئيبة كساحل العاج والصومال وزيمبابوي التي تعاني الآن أعلى مستويات في التضخم الاقتصادي، فإن الحياة السياسية تعالج الآن بشكل أفضل والعنف أصبح أقل انتشاراً.
ويبدو أن السلام يطل في الأفق في أنغولا التي كانت دولة دموية في وقت من الأوقات، بينما جمهورية الكونغو الديمقراطية ـ لاتزال تسودها الفوضى إلا أنها تأمل أن تجري أول انتخاباتها في غضون عقود قريباً. وقد شجعت هذه الأنباء السارة المستثمرين الأجانب وجعلتهم يحولون أنظارهم إلى قارة إفريقيا. إن العائدات الجيدة من بورصة إفريقيا الصغيرة قد أغرت أصحاب رؤوس الأموال. وقد ارتفعت عائدات الاستثمار الأجنبي المباشر كذلك، إذ تدفق 18 بليون دولار إلى المنطقة، أي ثلاثة أضعاف المعدل السنوي في التسعينات.
وبسبب كل هذه الأنباء السارة، هل سيصبح وضع التدهور العالمي المقبل أفضل حالاً مما كان عليه في الماضي؟ إن اقتصاد إفريقيا جنوب الصحراء كان يرتفع قليلاً في بعض الأحيان، ولكنه سرعان ما يعود ليهبط مجدداً عند انخفاض أسعار السلع واضطراب الاقتصاد العالمي. دورات الانتعاش والأزمات الاقتصادية هذه قد أدت إلى إحباط تقدم فعلي. ويشير جون بيج- خبير اقتصادي حول إفريقيا في البنك الدولي إلى ارتفاع للدخل الحقيقي لكل فرد بنسبة 25% فقط وذلك في الفترة بين 1960 و2005، في شرق آسيا فقد ارتفع بسرعة تزيد على ذلك 34 مرة في الفترة ذاتها.
وكنتيجة لذلك قل تحمس الأجانب لإفريقيا وأصبحت المساعدة أقل شأناً لأن الدول الغنية لا تثق بالدول الأفريقية في الإنفاق بصورة حكيمة. ويقول تود موس من مركز التنمية العالمية وهو مركز أبحاث يتخذ من واشنطن العاصمة مقراً له، يقول إن صناديق التنمية المتخصصة تزايدت في التسعينيات عندما كانت رياح التغيير على وشك الهبوب، لتختفي مع فقدان الاقتصاد العالمي لسرعته. وعلى الرغم من ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر إلا أن إفريقيا لا تجتذب سوى 3% من إجمالي الاستثمار الأجنبي العالمي، وذلك هبوطاً من القمة التي كان قد بلغها بنسبة 6% في منتصف السبعينات.
ومع الاستثناء البارز لجنوب إفريقيا، التي تساهم الآن بأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة جنوب الصحراء الإفريقية، فإن إجمالي دول المنطقة البالغ 48 دولة تضم عددا ضئيلا من الاقتصادات الصناعية الكبيرة والمتنوعة. ولا يزال معظمها يعتمد بشكل كبير على الزراعة المطرية وعلى السلع. وأما تلك الدول التي تمكنت من إنشاء صناعة الأقمشة، مثل ليسوتو وموريشيوس، عانت من المنافسة الصينية ومن نهاية اتفاقية تعدد الأنسجة، التي حددت حصصا للصادرات من الدول الفقيرة.
وتذهب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى القول إنه وعلى الرغم من أن انتعاش تجارة النفط والمعادن يمثل منجم ثراء بالنسبة للدول الإفريقية المنتجة، إلا أن ذلك يرجع المنطقة إلى زاوية السلع، مما يلحق الضرر بالمساعي لتبني جوانب أخرى من الاقتصاد.
لم تفعل اقتصادات أفريقيا السريعة النمو الكثير للملايين من فقراء إفريقيا، إذ لا يزال نحو 750 مليون وأكثر يعيشون على أقل من دولار يومياً، وهو رقم لم يتغير منذ عام 1990،
في حين في جنوب آسيا انخفض الرقم من 39% عام 1990إلى 30% عام 2001 وهو آخذ في التناقص، بينما في شرق آسيا (وبالذات الصين) انخفض من 33% إلى 17% في الفترة ذاتها وهو الآن ينخفض بسرعة. وتذهب معظم الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعات النفط والمناجم، مفضلة ذلك على المصانع، الخدمات أو الزراعة.
ترجمة: كوثر علي
عن «إيكونوميست»
