تعجز الولايات المتحدة عن التقدم فيما يبدو أنها حرب لا يمكن الفوز بها في العراق. فأمامها خيارات أحلاها مر فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي. يقول كبار ضباط الناتو إن الوضع في أفغانستان آخذ في التردي بصورة سريعة. وفي الاتحاد السوفييتي السابق، تمضي جورجيا وروسيا باتجاه المواجهة العسكرية، و يبدو أن الولايات المتحدة عاجزة عن كبح جماح أي منهما.
والآن تحدى النظام الدكتاتوري في كوريا الشمالية المجتمع الدولي من خلال إجراء تجربة نووية- ويبدو أنه ليس لدى الولايات المتحدة إجراءات عسكرية ولا اقتصادية فعالة يمكنها من خلالها الرد عليها. إذا لم يبرهن كل هذا على واقع العجز الأميركي، فما الذي يبرهن عليه إذن؟ إذا تم وضع القوة الأميركية على قاعدة أكثر رسوخاً، فإن ممارستها يجب أن تكون محدودة أكثر. بعض الالتزامات يجب أن يتم تقليصها أو التخلص منها إذا قدر للولايات المتحدة أن تكون قادرة على التركيز على التعامل مع التحديات والأعداء الحقيقيين. إن هذا ليس حجة لصالح النزعة الانعزالية، وإنما هو كذلك لنوع من الاستراتيجيات العالمية الهادئة النابعة من صفاء الذهن التي تم تبنيها في الماضي من قبل القادة الأميركيين من أمثال فرانكلين د. روزفلت، ودوايت إيزنهاور وريتشارد نيكسون: استعداد شجاع أخلاقياً للتعرف على أعظم الأخطار المحدقة بالولايات المتحدة والتعامل مع المخاوف الثانوية وفقاً لذلك.
عندما قام روزفلت بتشكيل حلف مع الاتحاد السوفييتي ضد هتلر، أو عندما ذهب نيكسون إلى الصين ليعقد صفقة مع الزعيم ماو تسي تونغ، ولم يكن ذلك بالتأكيد بسبب إعجابهم بالأنظمة الستالينية أو الماوية أو لأنهم كانوا مستعدين للتضحية بالمصالح الحيوية الأميركية من أجلهم. حدد شارل ديغول طبيعة فن إدارة شؤون الدولة عندما قال: «إن ممارسة السلطة تعني الاختيار- عادةً بين بدائل بغيضة». وهذا أمر تجد الولايات المتحدة صعوبةً متزايدة في القيام به. وذلك بسبب تمزقها بين عدد كبير من اللوبيات المحلية المختلفة ولأنها توجه من قبل إدارة بالغت في تقدير النفوذ الأميركي بشكل كبير. ونتيجة لذلك ورطت نفسها في اشتباكات في أجزاء مختلفة في العالم في وقت واحد وفي بعض الأحيان في قضايا تافهة.
لاحظ- على سبيل المثال- أنه في الوقت الذي تواجه الولايات المتحدة أزمات ذات أهمية حيوية حقيقية في الشرق الأوسط، فإنها تندفع أيضاً باتجاه المواجهة مع روسيا، وهي لاعب رئيسي في الشرق الأوسط- على أوسيتيا الجنوبية.
نتساءل، ما الذي ينتظرنا أيضاً؟ تورط أميركي كبير في الصراع الذي يدور بين تشيلي والأرجنتين على قناة بيغل؟ التزام ضخم بتكريس الطاقة والموارد الأميركية من أجل مساعدة باراغواي لاستعادة غران تشاكو؟
ثمة منطقة واحدة بإمكان الولايات المتحدة الانسحاب منها بل ويتعين عليها ذلك: كوريا. إن قيام كوريا بتجربة نووية يعد بوضوح مشكلة خطيرة جداً تواجه الولايات المتحدة، في ضوء الوجود العسكري المكثف في كوريا الجنوبية. ولكن يتعين على المرء أن يتساءل لماذا بعد خمسين عاماً من الحرب الكورية و15 عاماً من انتهاء الحرب الباردة، لا يزال لدى الولايات المتحدة حوالي 37500 جندي في شبه الجزيرة الكورية.
على المدى الطويل، فإن أسلحة كوريا الشمالية تعد مشكلة عويصة لجيرانها فقط، ويفترض أن يكون من مسؤوليتهم حل هذه المشكلة. وبالطبع، فإنهم، قد يفشلون في ذلك، ولكن السجل الأميركي في المنطقة على امتداد العقد الماضي لم يكن سجلاً ناجحاً.
تقوم الولايات المتحدة بالفعل بتقليص مستوى قواتها في شبه الجزيرة الكورية، ويتوجب عليها تعجيل العملية والمضي قدماً بسرعة باتجاه إنهاء وجودها العسكري. وعلاوة على ذلك، يجب أن تتفاوض من أجل التوصل إلى معاهدة سلام مع كوريا الشمالية.
إن هذا من شأنه إزالة دافع بيونغ يانغ لمهاجمة المصالح الأميركية ويضمن عدم مهاجمة الصين للقوات الأميركية في حرب برية ويتيح للولايات المتحدة التركيز بدلاً من ذلك على الحفاظ على تفوقها الكاسح على الصين في القوة البحرية والجوية.
غير أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن توضح أن هذا الانسحاب سيعني أيضاً التخلي للصين عن الدور المهيمن في احتواء طموحات كوريا الشمالية النووية - إلى جانب اليابان، وكوريا الجنوبية وروسيا- وفي إدارة الانهيار النهائي لدولة كوريا الشمالية وعملية إعادة توحيد الكوريتين الصعبة والمكلفة على نحو مروع.
بالنظر إلى مدى التكلفة والصعوبة الذي ظهر في عملية إعادة توحيد الألمانيتين بعد سقوط جدار برلين،فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تكون سعيدة جداً لإلقاء هذه القنبلة الموقوتة في حضن الصين في الوقت الراهن.
وهذا من شأنه أن يمنح بكين هيبة دولية وحصة إضافية من التأثير الإقليمي في منطقة تعد حيوية بالنسبة لمصالحها، فيما يجنب الولايات المتحدة خسائر ومخاطر كبيرة.
يتعين التعامل مع كوريا الشمالية باعتبارها مشكلة إقليمية تحتاج إلى إدارة من قبل مجموعة قوى إقليمية، على أن تكون الصين في المقدمة. ويجب أن يكون دور الولايات المتحدة في كل ذلك متعاطفاً وبعيداً.
ترجمة: كوثر علي ــ عن «موسكو تايمز»

