يروق للأكراد وصف أنفسهم بأيتام التاريخ والجغرافيا. وفي غمار تقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وجدوا أنفسهم ملتحمين بدولة لم يشعروا فيها بالاطمئنان على الإطلاق، وفي أشد الأحياء قسوة.
كما أن الجيولوجيا لم تكن النعمة كما كان حرياً بها أن تكون. فبدلاً من الاستفادة من النفط الكامن تحت أراضيهم في الشمال العراقي، يذهب الأكراد إلى القول إنهم كانوا ضحيته.
في ظل الحكم البعثي ألفى الأكراد أنفسهم مبعدين عن الوظائف في مجال صناعة النفط، بينما تم إبعاد آلاف العائلات بالقوة عن منازلها وأراضيها حول مدينة كركوك الغنية بالنفط. إن هذا الشعور بالظلم جراء ما اقترفته الحكومة المركزية شكل أخيراً الخلفيةً لتقرير استثنائي حول الآفاق النفطية في المنطقة، قدمه مسؤولون أكراد إلى مجموعة من مديري شركات الطاقة الدولية في لندن.
يُعتقد أن لدى العراق وفرة من النفط لم تكتشف بعد ولكن التحركات المسلحة إلى جانب الشك القانوني جعلا الشركات حذرة من القيام بالتنقيب عنه.
والآن، مع البوادر التي تلوح لظهور قانون جديد للبترول من المقرر أن يتم إقراره في البرلمان الإقليمي الكردي في أربيل في أكتوبر، أخبر أشتي هورامي الوزير الكردي الجديد للموارد الطبيعية الاجتماع بأن الحكومة الإقليمية الكردية تملك الصلاحية لاستغلال أية احتياطيات جديدة للنفط والغاز يتم اكتشافها في المنطقة التي تتمتع بالحكم الذاتي.
وقال إن الأكراد عازمون مع الحكومة المركزية على إدارة أي موارد حالية للطاقة في المناطق التي إما تقع ضمن الحدود الحالية للحكومة الإقليمية في شمال العراق، أو ستصبح كذلك إذا نجح الأكراد في توسيع نطاق منطقتهم الفيدرالية المقترحة في استفتاء مقرر في نهاية 2007.
على الرغم من أن احتياطي النفط في شمال العراق ليس كبيراً بقدر الحقول الجنوبية العملاقة حول البصرة، إلا أن هورامي يقول إن المنطقة تملك «إمكانية جيدة»، وقدّر الاحتياطيات بحوالي 45 مليار برميل من النفط و100 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. كما أنه أشار إلى احتمال إنشاء خط أنابيب ثان لتصدير النفط من كركوك إلى ميناء جيهان التركي، يمر عبر المنطقة التي يحكمها الأكراد، مما يمنحه حماية أكبر من الهجمات التخريبية.
وقد طمأن هورامي جمهوره بأن خططه تتماشى مع الدستور الفيدرالي الجديد للعراق وستكون قابلة للتطبيق قانونياً.وحتى الآن، لم يتمركز في المناطق الكردية سوى عدد صغير من شركات التنقيب المستقلة.
ووقعت حكومة إقليم كردستان عقود إنتاج مشترك مع شركة نفط نرويجية، هي دي إن أو، والتي تقوم بالفعل بالحفر بحثا عن النفط بالقرب من زاخو، ومع شركتي بيت أويل وجينيل انيرجي التركيتين اللتين تجريان عمليات التنقيب في منطقة طقطق.
وقد تم التوقيع على مذكرة تفاهم مع شركات أخرى مستقلة، وقال هورامي إن حكومة إقليم كردستان من المقرر أن توقع المزيد من عقود الإنتاج المشترك في أكتوبر، وتتفاوض مع العديد من شركات النفط الرئيسية. وقال إنه سيتم تقاسم العائدات وفقاً للقانون، مؤكداً تعاونه مع السلطات المركزية.
ليس بهذه السرعة. فلم يكد هورامي يتفوه بما قاله حتى بدا وكأن وزير النفط الفيدرالي حسين الشهرستاني، يسحب البساط من تحت قدميه، عندما قال لجريدة الصباح الحكومية: «إن الوزارة غير ملتزمة بعقود استثمار النفط الموقعة في الماضي من قبل مسؤولي حكومة إقليم كردستان».
يصر الشهرستاني - الذي يتمتع بدعم التحالف الشيعي الحاكم - بأن العقود التي جرى توقيعها من دون موافقة الحكومة المركزية يجب إلغاؤها وأن كل عقود التنقيب، الإنتاج والتصدير للنفط في البلاد يجب أن توضع في أيدي وزارته في بغداد.
وأية عقود جديدة للطاقة يجب أن تنتظر إلى أن يضع العراق قانوناً جديداً للبترول ، والمتوقع أن يتم في وقت ما من العام الجديد. وقد ألمح مسؤولون في وزارة النفط إلى وضع الشركات التي تعمل حالياً في القائمة السوداء.
إن هذا الصراع بين بغداد والأكراد على التحكم بموارد الطاقة الشمالية ينذر أيضاً بالخطر على الأقلية العربية السنية الموجودة في البلد. يعتقد كثير من القادة السنة أن إلغاء المركزية عن نفط العراق- كما كان متصوراً في الدستور- هو المثال الأحدث لمؤامرة تقسيم العراق إلى ثلاثة أقسام:
الشمال الكردي والجنوب الشيعي،- وكلاهما غني بالنفط، والوسط السني الذي يعاني شحاً في الموارد.
وقد تبدت مخاوفهم أخيراً على أرض البرلمان عندما اتهم أعضاء السنة - الجبهة السنية- بعض قادتهم باعتبارهم خونة وذلك بسبب موافقتهم على عقد صفقة لمشروع قانون من اقتراح شيعي للفيدرالية تم إدراجه في الدستور.
ويعتمد الساسة السنة على الإصلاحات التي ستفكك بنود الدستور الفيدرالي. وقد وافقوا على الحكم الذاتي لشمال العراق- على الرغم من أن محاولاتهم بعيدة عن تطوير مواردهم الطبيعية- ولكنهم عارضوا بقوة قيام دولة شيعية قوية في الجنوب. غير أن أية تعديلات في الدستور يجب أن تتم المصادقة عليها في استفتاء من كل العراقيين. ولا يُعرف ما إذا كانت الغالبية الشيعية والكردية ستقول «نعم» لتفكيك الفيدرالية.
ترجمة: كوثر علي
عن «إيكونوميست»