يجد القارئ نفسه عند هذا المنعطف من الكتاب أمام حشد من أكثر أسراره خطورة، حيث يتابع رؤية من داخل المنصة لحادث الرئيس المصري أنور السادات ثم ينتقل إلى بيروت ليرصد كيفية تشكيل شبكة المصادر رفيعة المستوى التي راحت تضخ المعلومات للأميركيين وتفاصيل التنسيق بين المخابرات الأميركية وجهاز الموساد ليصل أخيراً إلى كيفية اختطاف رئيس محطة المخابرات الأميركية بشحمه ولحمه في ضربة أذهلت المسؤولين في واشنطن طويلاً.
كان عمر جيمس شليزنجر ثمانية أوربعين عاماً عندما تولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وقد قال منذ اليوم الأول لاستلامه مقاليد منصبه إنه قد جاء لإحداث تغييرات جوهرية، وخلال مدة قصيرة جداً كان 7% من موظفي الوكالة قد جرى صرفهم من الخدمة أو إرغامهم على تقديم استقالاتهم، وكان قسم كبير من هؤلاء الموظفين يعملون في ميدان النشاطات السرية للوكالة.
وكان بوكلي نفسه ينتظر كل يوم تلقي رسالة تنهي خدماته، لكن تلك الرسالة لم تأت أبداً. وقد سبب ذلك دهشته كثيراً، لاسيما وأن المدير الجديد كان قد أعلن صراحة أن الاستخبارات البشرية مآلها إلى الزوال. إذ أتى دور التجسس بواسطة الطيران والحواسيب الإلكترونية، لقد بقي بوكلي في مكتبه لا يفعل الشيء الكثير سوى الانتظار.
وفي مطلع يوليو 1973، أي بعد خمسة أشهر من عمل شليرنجر على رأس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، عيّنه الرئيس ريتشارد نيكسون وزيراً للدفاع، حيث لم يعد لديه الوقت لطرح الأسئلة حول ماضي تلك الوكالة، وإنما وجد نفسه أمام مجموعات الضغط «اللوبي» القوية في البنتاغون، التي كانت تؤكد أن الاتحاد السوفييتي كان قد شرع من جديد بتصنيع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وإن مدرجات الطيران التابعة للناتو في أوروبا يمكن أن تشكل أهدافاً مختارة للصواريخ الروسية.
الموساد على الخط صدرت آنذاك إشارة إنذار بالخطر عن جهاز الموساد الإسرائيلي جاء فيها أن الدبابات المصرية التي تمّ الاستيلاء عليها في حرب أكتوبر 1973 كانت مزودة بألبسة وأقنعة واقية من السموم والغازات من صنع سوفييتي.
وكان الرد المباشر للبنتاغون هو رصد ملياري دولار تقريباً لتحسين اعتدة الدفاع الكيميائي والبيولوجي، مع اتخاذ اجراءات أخرى من بينها صنع أقراص من اليود مضادة للسموم.
وكان يتم على ساحلي المحيط الأطلسي تصنيع مقرّات قيادة متنقلة وتجريبها ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وأجرى الناتو آنذاك تجارب على مقاومة هجمات وهمية روسية بالسلاحين الكيميائي والبيولوجي. وقد صرح بنتيجتها الكسندر هيغ، وزير الخارجية الأميركية فيما بعد، أمام قادة الجيوش الأميركية قوله: «إن قدرتنا على القيام بحرب كيميائية ضعيفة جداً. ومن الملح إعادة النظر بالوضع». هكذا أصبح هذا الملف مطروحاً من جديد على جدول الأعمال.
تردد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون مدة شهرين قبل أن يعيّن وليام كولبي مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية في الوقت نفسه كانت فضيحة «ووترغيت» تتضخم أكثر فأكثر إلى أن أعلن الرئيس نيكسون عبر التلفزيون عن استقالته ليصبح نائب الرئيس جيرالد فورد رئيساً في اليوم التالي. وذات صباح من ديسمبر 1974 نشرت صحيفة «النيويورك تايمز» تقريراً كاملاً عن النشاطات غير المشروعة التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في ظل إدارتي الرئيسين جونسون وريتشارد نيكسون.
وأشار التقرير إلى أن الفساد يضرب جذوره أبعد من ذلك، فقام الرئيس فورد، بغية كبح موجة الغضب العامة العارمة، بتكليف لجنة برئاسة نائب الرئيس نلسون روكفلر بالتحقيق بذلك، وكان من بين أعضائها رونالد ريغان، حاكم كاليفورنيا آنذاك. وكان من مهامها تفحص الأبحاث الطبية البيولوجية التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية واقتراح حلول لضمان عدم تكرار أي خطأ، حضر ريغان عشر جلسات فقط من أصل ال26 جلسة التي جرى عقدها، إذ كان همه الأكبر مثل عدد كبير من الأميركيين العاديين هو ظاهرة العنف المنتشرة في الولايات المتحدة، وحيث كان عدد الجنح الكبيرة قد بلغ مستوى لا سابق له.
توصلت لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس جيرالد فورد إلى القول في خاتمتها إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نفذت برامج تخالف الأخلاق إلى حد كبير من أجل «دراسة إمكانية السيطرة على سلوك البشر عبر البحث بطريقة غير مسؤولة عن آثار الصدمات الكهربائية والتحليل النفسي وعلم النفس ومختلف أشكال الضغط».
اتخذ ريغان موقفاً مدافعاً بحزم عن الوكالة الاستخباراتية، وأقسم فيما بعد أثناء عشاء مع وليام كيسي انه إذا أصبح ذات يوم رئيساً لأميركا فسوف يجعل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قادرة على محاربة العدو «مهما يكن، ومن يكن وبالوسائل التي تختارها».
بقي وليام كولبي على رأس وكالة الاستخبارات الأميركية حتى تاريخ 30 يناير 1976، وقد خلفه اعتباراً من اليوم التالي 31 يناير، جورج بوش الأب، الذي بقي على رأسها 356 يوماً تركها بعدها كي يخوض معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية إلى جانب رونالد ريغان.
وقد خلفه في إدارة الوكالة الاستخباراتية ستانسفلد تيرنر، الأميرال المتقاعد والذي كان أفضل الاستراتيجيين في سلاح البحرية الأميركية، وقد اعتبر أن مهمته في منصبه الجديد هي «إبعاد الوكالة عن المجالات التي كانت تهدد بتشويش صورتها تماماً على ارث أشكال لا مسؤولة من السلوك منذ الحرب الكورية وصولاً إلى ووترغيت ومروراً بفيتنام.
وفي مذكرة الخدمة الأولى التي وجهها تيرنر إلى إدارة سرية جرى تقليص عدد أعضائها كثيراً قام بالتأكيد على أن الأمر التنفيذي رقم 11905 ساري المفعول بحذافيره، وكان الرئيس جيرالد فورد هو الذي وقّع ذلك القرار في فبراير 1976 ونص على «منع أي موظف في حكومة الولايات المتحدة من التورط، أو التآمر من أجل التورط، في عمليات الاغتيال السياسي».
وكان قد جرى سحب «دليل الاغتيالات» الذي أعدّه الدكتور غوتليف من التداول، لكن ذلك لم يمنع بوكلي، والعديد من العملاء السريين، من أخذ نسخة عنه قبل تسليمه، وكان يبدو أيضاً أن تيرنر لن يبقى طويلاً على رأس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
ساحة الانفجارات
في 3 نوفمبر 1981 اقترح الرئيس الأميركي الجديد رونالد ريغان منصب مدير الوكالة الاستخباراتية على وليام كيسي مدير حملته الانتخابية، وقال له الرئيس انه خياره الأول والوحيد لإدارة الوكالة، وهذا ما وافق عليه الكونغرس في جلسته الأولى بعد تشكيل الحكومة الجديدة، كان من عادة كيسي أن يعقد اجتماعات تبدأ عند الفجر كي تنتهي في الصباح الباكر. وقد أدهش الآخرين بقدرته على الاحتمال وباهتمامه الدقيق بكل التفاصيل.
قرأ كيسي مئات الملفات، لكنه لم يجد ما كان يبحث عنه إلى أن وقع على ملف بوكلي فاستدعاه حالاً وسأله عن خدمته في كوريا وفيتنام ومهماته في أوروبا وإفريقيا. لكن كيسي لم يول أي اهتمام لعمله في برامج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، بل قال له: مثل هذه الأمور ماتت ودفنت وفجأة سأله عن سبب بقائه في الوكالة فقال من دون تردد، كما روى هو نفسه لمؤلف هذا الكتاب، لقد بقيت بأمل ان تتحسن الأمور، وان تعود فترة ألن دالاس من جديد، فأردف كيسي ان الأمر هو فعلا كذلك وانه يريد ان يجعل منه رجل ثقته الذي يخطره عندما تكون النار على أهبه الاندلاع، وليس بعد ان تكون قد اندلعت واتسعت.
كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الجديد يعتقد أن منطقة الشرق الأوسط ستكون مسرحا للانفجارات المقبلة، ولذلك طلب من كولبي ان يركز قدراته في التحليل على هذه المنطقة من العالم وقال له (كن دقيقا ومحددا).
كان كيسي يجد كل صباح على مكتبه تقريرا مقتضبا تحت عنوان «معلومات حساسة» يتضمن توصيفا لدور الاتحاد السوفييتي والصين في المنطقة وعن الاتجاهات التي قد تبرز خلال العقود المقبلة في الشرق الأوسط وكان كولبي قد ارتقب ان تكون أكبر مشكلة هي السيطرة على العديد من المجموعات المتطرفة مع شرح الأسباب التي قد تحثها على استهداف الولايات المتحدة. واعتبر أن التهديد الصادر عن إيران في ظل نظامها الجديد «كبير ومباشر» ويلا يشبه أيا من التهديدات التي يمولها الاتحاد السوفييتي أو الصين أو كوبا.
وكان بوكلي قد ألح في إحدى مذكراته التي وجهها للوكالة على ضرورة أن يكون عملاؤه في المنطقة قادرين على قراءة الصحف باللغة العربية، بينما غالبيتهم لا يعرفون سوى بعض الكلمات بهذه اللغة وشرح في مذكرة أخرى ضرورة القيام بدراسات معمقة لدور رجال الدين وتحديد هوية الأكثر أهمية بينهم وكانت تلك المذكرات لا تتعدى الصفحة الواحدة كحد أقصى وتشتمل على مسلسل من الإنذارات المتماشية تماما مع فلسفة وليام كيسي.
وفي صبيحة يوم من أيام مارس كان وليام كيسي في سيارته الليموزين المدرعة، ذات الزجاج الذي لا يخترقه الرصاص والتي تستطيع متابعة السير لمسافة ثلاثة كيلومترات إذا اطلقت النار على عجلاتها وفي المحصلة كانت هناك سيارة واحدة أخرى في الولايات المتحدة تقدم القدر نفسه من الحماية هي سيارة الرئيس الأميركي نفسه، كانت محفظة وليام كيسي موجودة ذلك اليوم على المقعد الخلفي وفيها مذكرة اعدها بوكلي ووصفها كيسي بأنها «تثير الرعب عند قرائتها» وكان يأمل ان يكون رأي لجنة الأمن في مجلس الشيوخ مثل رأيه إذ كان قد سلم كل واحد من أعضائها نسخة باليد في الليلة السابقة. كانت تلك المذكرة تخص المرحلة المقبلة في لبنان.
مطلب ريغان الغريب
يروي بوكلي ان كيسي قد أخبره بالقصة المدهشة لتحرير الرهائن الأميركيين الذين كانت إيران قد احتجزتهم بعد قيام الثورة الإسلامية وتفيد الرواية ان عملية تحريرهم التي سميت (مفاجأة أكتوبر) قد نسقها كيسي اثناء حفلة عشاء مع عدد من مستشاري الرئيس مستقبلا، وتؤكد الرواية أن ايرل بريان شريك ريغان في الأعمال التجارية، كان هو المكلف بالمفاوضات مع طهران وانه سافر إلى باريس حيث التقى بالعديد من الرسميين الإيرانيين .
حيث تم التوصل إلى اتفاق بعد يومين من المفاوضات وتتم الإشارة هنا إلى ان بوكلي قد تساءل عن السبب الذي دعا كيسي لأن يروي له تلك القصة، والتي ربما كان لعواقبها السياسية ان تؤدي إلى خسارة ريغان في الانتخابات هذا فضلا عن ملاحقة كيسي جميع المتورطين بها قانونياً ثم هل كانت قصة حقيقية؟ أم ان كيسي نفسه قد اخترعها كي يقيس مدى الثقة التي يمكن ان يوليها لمؤتمن اسراره الجديد؟
أمضى كيسي ساعتين مع لجنة أمن الكونغرس ثم خرج حيث كان ينتظره بوكلي ليتوجه الرجلان إلى مقر مجلس الأمن القومي حيث استقبلهما مديره روبرت انمان لقد قادهما إلى مكان وجود بطاريات الحواسيب التي تحلل المعلومات المرسلة بواسطة الأقمار الصناعية وذات الوضوح المثير للدهشة. كانت صور لجسور في روسيا ومنصات لاطلاق الصواريخ. كما شاهدا مباشرة شاحنة في شارع إحدى المدن الروسية وأيضا وجود الجنود وهم يخرجون بسرعة من ثكنة عسكرية لقد أكد رئيس مجلس الأمن القومي على أهمية التجسس الالكتروني مع حرصه على عدم التقليل من أهمية التجسس البشري، اذ هناك مكان لـ «الاثنين» على حد قوله.
على طريق العودة قال كيسي لبوكلي انهما يقومان بسلسلة من الزيارات القصيرة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. جمع بوكلي خلال تلك الزيارات معلومات حول قادة بلدان المنطقة تسمح للوكالة بتلبية أول المطالب التي أكد عليها الرئيس ريغان وهو انه يريد تقديم صورة لاولئك القادة عبر شريط مصور «فيديو كليب» بحيث يمكنه ان يراه، هو والسيدة الأولى، وهما مسترخيان أمام شاشة التلفزيون.
تم تكليف بوكلي بأن يعد أولا شريطا مصوراً عن آية الله الخميني وقد بدأ بالعبارة المعهودة لدى وكالة الاستخبارات المركزية ،أي (معلومات حساسة) ثم ينتقل الشريط إلى عرض صور لإيران حيث كانت لاتزال أحدى الوجهات التي يقصدها المغامرون من الأميركيين يلي ذلك الدخول في المرحلة الراهنة حيث يبدو الإمام الخميني وسط الجماهير الحاشدة في طهران ثم خلال 20 دقيقة تتم محاولة شرح شخصيته بالقول: انه متقدم في السن وخطير، ويبدي بطريقة نموذجية ان التشدد الديني يبرز غالبا من حالة من الحرمان مرتبطة بالتطور الشخصي اثناء فترة الطفولة. وقد صاغ لنفسه صورة مرشد لشعبه وسوف يكون عليه من أجل استدامة هذه الصورة تبني سلوك متزايد الخطورة بالنسبة للولايات المتحدة وللعالم الغربي وتعود الشاشة سوداء بعد ذلك للحظة ثم تظهر فجأة صورة ميكي ماوس.
ذهب وليام بوكلي بعد فترة قصيرة إلى تل أبيب حيث التقى بـ «آري بن ميناش» الذي كان يشغل مركزا مهما في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. إذا كان يتولى إدارة المكتب المكلف بالعلاقات الخارجية مع شبكات الاستخبارات «الصديقة» وقد جرى التباحث في ذلك اللقاء حول تقارير عن عمليات تعذيب طبي في عدد من بلدات المنطقة. كان بن ميناش قد أكد وجودها.
في المنصة
في المرة الثالثة كانت مهمة بوكلي هي التحقق من تدريب الحراس الشخصيين للرئيس المصري أنور السادات الذي كان قد قابله في زيارته السابقة إلى القاهرة برفقة وليام كيسي، كان السادات قد قبل في تلك الزيارة اقتراح مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بأن تقوم وكالته بتدريب حراسه الشخصيين.
وفي يوم السبت 6 أكتوبر 1981 كان بوكلي يجلس على احد المقاعد الخلفية من المنصة الرئاسية في القاهرة من أجل مشاهدة العرض العسكري، كان الرئيس السادات قد اختار التحالف مع أميركا وتسليح جيشه بأسلحة أميركية، وكان يعيش آنذاك عزلة في العالم العربي، فالرئيس السوري حافظ الأسد كان قد «صرح علانية بأنه لو استطاع أن يخنق السادات بيديه لفعل ذلك، لأنه كان قد وعد بأنه لن يترك مصر تحمل السلاح بعد ذلك ضد إسرائيل»، على حد تعبير مؤلف هذا الكتاب. أما الملك حسين فقد أعلم واشنطن بأنه لن يدعم السادات في حالة أي هجوم معاد ضده.
كان ذلك العرض العسكري المناسبة الأولى كي يثبت حرس الرئيس السادات الذين دربتهم وكالة الاستخبارات الأميركية موهبتهم. وفجأة انحرف رتل العربات وراء الدبابات الأخيرة. فما كان من بيركلي إلا أن خف غريزياً لالتقاط مسدسه، وضاعت الأوامر التي كان يصدرها للحراس وسط أصوات الرصاص، وبقي رجال الحرس الرئاسي جامدين ونظراتهم مشتتة بذهول على الرماة الذين مضوا يقتربون، كان بوكلي يصرخ: «أطلقوا النار» و«اختاروا أهدافكم!» ولكن لم يكن هناك من يسمعه.
لم تكن لدى بوكلي أية وسيلة للرد، والرئيس السادات هوى على كرسيه، عندها فقط شكل الحراس حزاماً واقياً ثم أخذوا يطلقون النار على المهاجمين وفي الوقت نفسه ترك عدد من الجنود موكب العرض وشرعوا هم أيضاً بإطلاق النار على الرماة الذين وجدوا أنفسهم بين نارين.
أدرك بوكلي أن ذلك الرد جاء متأخراً جداً، إذ بمجرد أن ألقى نظرة واحدة اقتنع تماماً بأن الرئيس قد انتهى، فالدماء كانت تسيل من فمه وأذنيه وأنفه وصدره. لم يكن عندها أمامه سوى أن يسرع باتجاه السفارة الأميركية في القاهرة، وعندما وصلها سمع أحد الدبلوماسيين يتحدث إلى وزارة الخارجية في واشنطن ليؤكد قوله: «إنه لا يزال حياً، المصريون يقولون إنه لا يزال حياً». تلفظ بوكلي عندها بكلمة واحدة هي «مات». وتكرر الأمر نفسه عندما دخل إلى مكتب الوكالة الاستخباراتية في المبنى الخلفي للسفارة، حيث وجد المسؤول هناك يكرر في الهاتف: «إنه لا يزال حياً»، فصرخ بوكلي «لقد مات».
المهمة القاتلة
لكن من بين جميع المهمات التي قام بها بوكلي في الشرق الأوسط كان توليه لفرع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بيروت، هو الأكثر خطورة، بل انها كنت مهمة قاتلة، فكان وليام كيسي، مدير الوكالة، قد أكد أنه أي بوكلي الرجل المثالي لذلك المنصب في العاصمة اللبنانية نظراً للخبرات التي كدسها على مدى سنوات طويلة.
شرح بوكلي أولاً بإقامة شبكة واسعة من المخبرين «رفيعي المستوى أحياناً» كي يزودونه بالمعلومات عن الشؤون اللبنانية والسورية والفلسطينية والإيرانية، وخاصة إيران إذ نقرأ: «فضلاً عن مراقبة ما كان يجري من أحداث في لبنان، كان بوكلي يراقب إيران بواسطة رجال الأعمال الأجانب الذين كانوا يمرون ببيروت وهم في طريقهم إلى طهران، وكانوا يقدمون المعلومات لبوكلي، ولا يطلبون غالباً مقابل ذلك سوى وجبة طعام شهية».
وفي صباح 16 مارس 1984، بدأ وليام بوكلي يومه الثالث والأربعين بعد الثلاثمئة في بيروت. كان وحده في شقته بالطابق العاشر في بناية المنارة في القسم الغربي من المدينة والتي كانت تطل من جهة على جبل الشوف ومن جهة أخرى على البحر الأبيض المتوسط. كان صباحاً جميلاً ولكن بيروت كانت قد أصبحت احدى أخطر المدن في العالم.
كان بوكلي قد أقام منذ وصوله إلى بيروت علاقات وثيقة مع رئيس عملاء جهاز الموساد في لبنان، كانت العلاقات آنذاك وثيقة جداً بين جهاز الاستخبارات الإسرائيلي ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية رغم الشائعات التي كانت تفيد أن الموساد كان على علم بالهجوم الذي تمثل في تفجير شاحنة يوم 23 أكتوبر 1983 ضد القيادة العامة للكتيبة الثامنة من البحرية الأميركية التي كانت ترابط بالقرب من مطار بيروت كما يشير مؤلف هذا الكتاب لكن الموساد نفى أنه كان له أي علم بذلك الهجوم الذي أدى إلى مقتل 285 من عناصر المارينز.
وقبل عدة أيام من ذلك الصباح 16 مارس 1984 كان بوكلي قد التقى مع مسؤول الموساد في مقهى جورج واشنطن للبحث في الخطة التي كان يجري إعدادها من أجل تخليص الرهائن الغربيين في لبنان، وكانت تلك الخطة تقضي بحشد قوات خاصة أميركية مع قوات خاصة إسرائيلية على زوارق حربية تقوم بإنزالهم مقابل بيروت، وكان على تلك الزوارق الانتظار في عرض البحر بينما يختبئ الفريق الهجومي في الهضاب بانتظار إشارة البدء بالعملية.
وكان متفقاً على أن تعطى هذه الإشارة عندما يكون عملاء آخرون للموساد قد تسللوا إلى المدينة لوضع قنابل أمام منزل الشيخ فضل الله ومنازل عدد آخر من مساعديه الرئيسيين. وتكون حالة الهلع التي تلي الانفجارات بمثابة المؤشر لتدخل القوات الموجودة في الهضاب المجاورة. وكان الاتفاق هو أن تتقدم في المدينة إلى حين ملاقاة وليام بوكلي الذي يقودها بدوره إلى دكتور يدعى عزيز العبود كان قد جرى رصده سابقاً على أساس أنه يعرف مكان وجود الرهائن، ثم يجبرونه على مرافقتهم إلى مخابئ أولئك الرهائن، وعندها تقترب الزوارق من الشاطئ وتقوم بالتغطية حتى وصول الرهائن المحررين إليها، أما الدكتور العبود فقد كان مقرراً اقتياده إلى الولايات المتحدة من أجل محاكمته.
كانت خطوة جسورة وخطيرة، لكن بوكلي كان على اقتناع بنجاحها بالاعتماد على عنصر المفاجأة، ثم انه كن قد قاد عمليات شبيهة في فيتنام من أجل تخليص سجناء من يد الفييتكونغ بكل الأحوال حظيت تلك الخطة بموافقة وليم كيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك، عشية 15 مارس 1984.
هكذا اختفى بوكلي
لكن جرى ما لم يكن بالحسبان صبيحة اليوم التالي 16 مارس، لقد خرج وليام بوكلي من شقته ذلك الصباح وأغلقها بالمفتاح، كان مفتاح آخر في السفارة الأميركية لدى السفير نفسه ثم استقل المصعد، وفي الطابق الأسفل بعد طابقه استقله رجل آخر حسن المظهر والهندام وبيده محفظة جلدية، ثم استقلت المصعد نفسه بعد عدة طوابق سيدة ألقت التحية على بوكلي، الجار الأميركي، وبعد أن نزلت في الطابق الأرضي أكمل الرجلان معاً إلى القبو، حيث يوجد مرآب السيارات.
نقرأ: «اختطف وليام بوكلي بعد الساعة الثامنة بقليل، بتوقيت بيروت، لقد مضت عدة ساعات قبل أن تكتشف السفارة الأميركية اختفاءه وأمضى كبار موظفي السفارة ساعة إضافية كي يتوصلوا إلى نتيجة مفادها أنه قد اختطف وأن خاطفيه يعرفون هويته وأين يسكن ويعرفون بشكل دقيق تحركاته، كان ذلك يعني اما أن بوكلي قد ارتكب حماقة الإهمال الكبير او ان خاطفيه قد استفادوا من تواطؤ احد العاملين المحليين في السفارة.
كان للخبر وقع الصاعقة في الخارجية الأميركية وإدارة وكالة الاستخبارات المركزية حيث ردد كيسي القول: «جدوه أريد ان تجدوه بأي ثمن؟ أريد العثور عليه» لقد سافر مباشرة إلى بيروت «كليرجورج» نائب مدير الوكالة وطلب الأميركيون مساعدة الاستخبارات الإسرائيلية والألمانية والفرنسية والبريطانية، وتلقت جميع فروع الوكالة الاستخباراتية الأميركية في الشرق الأوسط الأوامر بإعطاء الأولوية المطلقة للبحث عن بوكلي.
برزت لدى المسؤولين الاميركيين فكرة مآلها ان بوكلي يعرف الكثير ويمكن ان يدمر الكثير من البشر اذ ارغموه على الكلام لذلك شرعت إدارات مختصة مختلفة أميركية وغير أميركية، بدراسة قدراته النفسية على المقاومة في روف اعتقاله كانت الصورة التي رسمها أطباء الوكالة الاستخباراتية الأميركية هي صورة «رجل يركع على ركبتيه يأساً بعد ان شاخ فجأة وخارت قواه البدنية والعقلية».
وفي 7 مايو 1984 تلقت السفارة الأميركية في اثينا طرداً بريدياً موجهاً للسفير وكان يحتوي على شريط مصور ليتم ارساله مباشرة بعد ذلك إلى واشنطن مع احد الدبلوماسيين لتجنب أي تفتيش بدأ كيسى ومساعدوه المقربون مشاهدته فرأوا كولبي امامهم في حالة يرثى لها، وقد زاد غياب الصوت من الصدمة كان عاريا تماما مع لافتة صغيرة امام وسط جسده مكتوب عليها «سري للغاية» لقد فهموا جميعاً ان نظام الاحتراق الذاتي لحقيبته لم يعمل وينقل مؤلف هذا الكتاب ان وليام كيزي قال له فيما بعد: «كنت على حافة الدموع عندما رأيت بيل كدت ان لا اعرف الرجل الذي عرفته منذ سنوات طويلة».
وبعد 23 يوما من الشريط المصور الأول وصل شريط آخر إلى السفارة في روما هذه المرة ليعرف طريقه مباشرة إلى واشنطن كان هناك صوت لكنه بدا غير قادر على لفظ الكلمات تقريباً وكانت يداه ترتجفان واقدامه تضرب الأرض بشكل عصبي وهو يتوسل كي تتم مبادلته مقابل ضمانات ان تسحب أميركا «كل اشكال نفوذها» من لبنان وتقنع إسرائيل ان تفعل الشيء نفسه.
ثم جاء شريط مسجل بتاريخ 26 مايو 1984، أي بعد 224 يوما من اختطاف بوكلي، وكانت توسلاته أشد من المرة السابقة وكان يرز امام «الكاميرا» بين حين وآخر وثائق من حقيبته الخاصة «ذات الاحتراق الذاتي».
انقطعت اخبار بوكلي بعد الشريط المصور الثالث، اذ كان قد مات، وهذا ما تم الإعلان عنه في أكتوبر 1985 من قبل حزب الله مع نشر صور لجثته ولوثائق «كانت سرية قبل فترة» من حقيبته الخاصة وبتاريخ 6 مايو 1987 توفي وليام كيسي نتيجة ورم في الدماغ.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف