في سبتمبر عام 2002، عندما قامت كوندوليزا رايس التي كانت تشغل في حينه منصب مستشارة الأمن القومي بالترويج لسياسة الحرب لدى بوش عن طريق بيع الوهم القائل إن التحذير من الأسلحة النووية العراقية قد يتحول إلى سحابة نووية في سماء أميركا، كان رئيسها يتعرض للانتقاد بصورة كبيرة بشأن وقوفه مكتوف اليدين أمام التحذيرات من الإرهاب قبل الحادي عشر من سبتمبر.
وكان العراق يمثل تحويلاً مناسباً للأنظار.تبخرت الأوهام ـ بالطبع ـ وتحول العراق إلى كابوس حقيقي، ولكن الخداع لا يزال مستمراً.
وفقاً لما قالته رايس أخيراً، فإن خط السحابة الزائف كان مجرد تحذير عام من احتمال وصول الإرهابيين إلى أسلحة الدمار الشامل. ثم، وفي سياق فيلم قناة إي بي سي التلفزيونية الذي عرض الشهر الماضي تحت عنوان «الطريق إلى الحادي عشر من سبتمبر» انفجرت رايس مجدداً.
وعندما أخبر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون برنامج «فوكس نيوز صنداي» في 24 سبتمبر أنه حاول على الأقل القبض على أسامة بن لادن وأن من جاءوا بعده لم يحاولوا حتى، ردت رايس على ذلك بعنف:ما قمنا به في الأشهر الثمانية (خلال تولي بوش مقاليد السلطة قبل الحادي عشر من سبتمبر) كان لا يقل عما قامت به إدارة كلينتون. والآن أعلنت وزيرة خارجية الرئيس بوش كوندوليزا رايس أن الفكرة القائلة إن إدارة بوش «جلست هناك» ولم تحرك ساكناً هي «خطأ تماماً».
هل الأمر كذلك؟ هناك شقان للجواب. يتعلق الأول بالسياسة. فالرئيس الأميركي جورج بوش تبنى إستراتيجية واسعة مضادة للإرهاب وبدأ بالتحرك ضد أسامة بن لادن. تزعم رايس أن إدارة كلينتون لم تترك وراءها أي «إستراتيجية شاملة لقتال القاعدة».
ذلك، في الواقع، هو الخطأ التام. فقد تم رفع قيود السرية عن وثيقة الإستراتيجية «الشاملة» في إبريل 2004 إلى جانب مذكرتها التمهيدية.
وهي مؤرخة بعد أربعة أيام بالضبط من تولي بوش الرئاسة وشغل رايس منصب مستشارة الأمن القومي ( وقد أدرجت كلتا الوثيقتين على الموقع الخاص بأرشيف الأمن القومي). وخلافاً لتأكيد رايس على أن «هناك جوانب كبيرة غائبة في إطار التعامل مع باكستان» فإن الجزء في اقتراح الإستراتيجية المتعلق بباكستان يقع في ثلاث صفحات.
بالتأكيد مزاعم رايس لا تقترب من الحقيقة ولو قليلاً، بما أن كل إدارة جديدة تعيد دائماً وضع الخيارات المقترحة من قبل الرؤساء السابقين، كما تعلم رايس، وهي من قدامى العاملين في البيت الأبيض. وهذا ما فعلته إدارة بوش تماماً.
إن السجلات تدل على أن منصب قيصر مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض ، الذي كان يشغله آنذاك ريتشارد كلارك، قد تم التقليل من شأنه من خلال استبعاد هذا المسؤول من لجنة المندوبين في مجلس الأمن القومي، خلافاً لتأكيد رايس على أنه لم يتم تخفيض مرتبة كلارك.
حتى موضوع الإرهاب تم إنزال درجته ـ من لجنة مديري مجلس الأمن القومي إلى لجنة المندوبين. إن كلارك هو من ضغط من أجل وضع خيار استراتيجي، ورايس هي من أبعدت الخيار.
فقد أودعت هذه المبادرة إلى عالم العجائب البيروقراطي المتعلق بعمليات المراجعة السياسية، ومن ثم أضعفتها عن طريق تقسيم الاقتراحات ضمن عمليات مراجعة مختلفة، لم تعد شاملة بأي معنى من المعاني. انتظرت لجنة المندوبين ثلاثة أشهر قبل مناقشة تقرير مراجعة الإرهاب ومن ثم حاول مسؤولو البنتاغون، وبصفة خاصة بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي، تحويل مركز الاهتمام إلى العراق.
ونُسب التأجيل لمشكلات تتعلق بتحديد الجداول الزمنية. وعندما تم الانتهاء من عمليات المراجعة خلال صيف 2001 تدخلت عملية وضع الجداول الزمنية مجدداً حيث كانت الإجازات الصيفية للمسؤولين أكثر أهمية من إيصال سياسة لمواجهة الإرهاب إلى الرئيس.عليك أخذ ذلك بعين الاعتبار.
وكانت النتيجة النهائية لذلك هي أن اقتراح هذه السياسة لم يصل إلى المديرين في مجلس الأمن القومي إلا قبل الحادي عشر من سبتمبر بأيام. والتوجيه النهائي وصل إلى مكتب جورج بوش قبل الهجمات بأربع وعشرين ساعة فحسب.
في ذلك اليوم نفسه، قام المدعي العام جون أشكروفت بشطب الاقتراحات المتعلقة بزيادة ميزانية الأف بي آي المخصصة لمواجهة الإرهاب. وبدا جلياً أن الإرهاب لا يندرج ضمن الأولويات.
ويتعلق الجزء الآخر من اللغز بالتحذيرات من وقوع هجمات إرهابية. وقد أخبر كلارك اللجنة العامة التي تقوم بالتحقيق حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر بأن جورج تينيت مدير الاستخبارات المركزية الأميركية بذل جهدا كبيرا محاولا التحذير من عملية للقاعدة.
كتب ريتشارد كلارك في مذكراته يقول «بحلول أواخر يونيو 2001، كنا أنا وتينيت مقتنعين أن سلسلة كبيرة من الهجمات كانت على وشك الحدوث». يتذكر كلارك قيامه بجمع المسؤولين الكبار في مكافحة الإرهاب في مجموعة من الوكالات في مستهل يوليو وطلب منهم أن يعتبروا أنفسهم في حالة تأهب.
وفي مؤتمر صحافي لشهر مايو 2002 أكدت رايس تلك النقطة التفصيلية وأضافت أنها وبطلب من بوش التقت أندرو كارد رئيس طاقم الموظفين بالبيت الأبيض وكلارك في مساء 5 يوليو 2001.
واجتمع كلارك مع المجموعة التابعة له في اليوم التالي. وقد أخبرت لجنة التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر في إبريل 2004 بأن كلارك كان يرد عليها عن طريق البريد الالكتروني وأحياناً يلتقيها شخصياً، وأنها كانت تتواصل مع تينيت عدة مرات في اليوم. كانت الثرثرة تزداد، بينما أجراس الإنذار تقرع.
يكشف الصحافي بوب وودوارد في كتابه بعنوان «حالة إنكار» أنه في العاشر من يوليو 2001،أظهر تينيت مدى إلحاح الموضوع، فقد أحضر كبير المسؤولين لديه عن مكافحة الإرهاب إلى البيت الأبيض لإطلاع رايس على الوضع.
وفي شهادته أمام لجنة الحادي عشر من سبتمبر (يناير 2004) قال تينيت إنه حذر رايس من مؤشرات على قرب محاولات القاعدة لتنفيذ هجمات متزامنة مضاعفة على أهداف ومنشآت ومصالح أميركية بهدف التسبب بخسائر كبيرة في الأرواح. ووفقاً لوود وارد، فإن تينيت شعر أنه تم التخلص منه في الاجتماع الذي عقد في العاشر من يوليو، ولكنه نفذ تعليمات رايس بنقل المعلومة ذاتها إلى رامسفيلد وأشكروفت.
وعندما طُلب منها الرد، تحدثت رايس عن بيان موجز «مفترض» إلى أن أظهرت السجلات أن حدوث ذلك أمر لا يعتريه الشك. قالت رايس إنه «من غير المفهوم» أن تكون قد تجاهلت معلومات استخبارية تتعلق بالتهديد بهجمات في الولايات المتحدة.
ولم يستطع المتحدثون باسم وزارة الخارجية تفسير السبب الذي دفع رايس إلى إصدار أوامرها بتقديم التقرير لمسؤولين آخرين إذا كان الأمر مجرد إفراغ لمعلومات استخبارية سابقة في قالب جديد. على الأرجح أن نظرة رايس للإرهاب قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت مصطبغة بمصالحها المتعلقة بالسياسة التي تركز على أوروبا.
إن إبعاد الولايات المتحدة عن اتفاقية كيوتو حول الاحتباس الحراري، وإبطال المعاهدة المضادة للصواريخ البالستية، كانت أكثر أهمية بالنسبة إليها من أسامة بن لادن. وبينما يعكس ذلك تحليلا معينا، فإن فشل رايس في تقدير الخطر الوشيك يبرهن أيضاً على فشل في الرؤية والتخيل يشاركها فيه رامسفيلد، هادلي، أشكروفت- ناهيك عن جورج بوش وريتشارد تشيني.
- وهي نفس الرؤية المشوهة التي أحلت الحسابات قصيرة الأجل حول العراق محل أي سياسة متماسكة. وفي غضون ذلك، فإن رفض رايس الاعتراف بعد ظهور الحقيقة يشير إلى وجود استعداد لممارسة الحياة السياسية مع السياسة الخارجية وهو أمر غير مرغوب في وزير الخارجية.
والأمر غير المفهوم هو أن جورج بوش بإمكانه التصديق أن وجود رايس باعتبارها وجه أميركا أمام العالم من شأنه أن يصبح مصدر إلهام لثقة العالم في هذا البلد.
ترجمة: كوثر علي
عن «توم بين»