إذا كانت منطقة الشرق الأوسط قد قفزت في السنوات الأخيرة إلى أولويات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فإن ملفاً مهماً آخر كان قد عاد إلى جدول أعمالها من جديد، وهو ملف الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
كان الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون قد كبح جماح النشاط في هذا الميدان، لكن الأبحاث في ميدان التسليح الكيماوي والبيولوجي استؤنفت عملياً في الولايات المتحدة اعتباراً من مطلع عقد الثمانينات الماضي.
ولكن بأكبر قدر ممكن من السرية ليصبح السباق محموماً مرة أخرى في مطلع القرن الجديد للوصول إلى أسلحة غير معروفة من قبل وأكثر فتكاً مما مضى، لقد عادت طموحات الدكتور سيدني «غوتليب»، الأب الأكثر شهرة لمشروع الأسلحة البيولوجية والكيميائية الأميركية، للبروز من جديد، لكن من دون صاحبها، الذي كان قد انزوى في مزرعة له كي يعتني بمواشيه.
ويحكي مؤلف هذا الكتاب كيف أنه كان بصدد تصفح الرسائل الإلكترونية والفاكسات التي وصلته في ليلة الخامس من سبتمبر 2001 والتي كان مصدرها كلها معارف يعملون في مختلف الأجهزة الاستخباراتية وكانت تحتوي على تصويبات خاصة بمعلومات سابقة وتحديثها. كان هؤلاء الأصدقاء هم الذين زودوه منذ ربع قرن ولا يزالون يزودونه، بـ «المادة» من دون ذكر المصادر التي تسمح له بإجراء تحقيقاته وإعداد كتبه.
أسرار المعسكر 12
كان مصدر إحدى الرسائل الإلكترونية في ذلك واشنطن وجاء فيها: «قامت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون ببناء مصنع للأسلحة البيولوجية سراً يمكنه أن ينتج ما يكفي من العناصر القاتلة لإبادة ملايين من البشر». ثم يضيف كاتبها بشيء من المزاح الأسود كعادته ـ مثلما يشير المؤلف ـ قائلا:
إن الأسلحة البيولوجية فظيعة إلى درجة أنها تجعلك تنظر إلى الأسلحة النووية بشيء من التعاطف. فهذه الأخيرة لا تفعل سوى أنها تشويك مرة واحدة. أما الأسلحة البيولوجية، فإن المرء لا يشك بأي شيء حتى اللحظة التي تدخل فيها بعض الجزيئات المتناهية في الصغر إلى الرئة، بعد ذلك يكون الخيار الوحيد هو طريقة موتك اختناقاً أو نزيفاً دموياً أو موتاً بطيئاً على مدى عدة أيام أو ربما عدة أسابيع.
ثم يقوم المصدر نفسه بذكر أسماء بعض الأسلحة البيولوجية المكدسة في ذلك المصنع السري مثل الجمرة الخبيثة والحمى المالطية والطاعون والجدري والكوليرا.. الخ. وبالطبع فإنها كلها أسلحة محرمة دولياً. لكن كان هناك ما هو أسوأ من ذلك أنه في نهاية فترة الحرب الباردة توصل الروس إلى المزاوجة بين فيروس الجدري مع فيروس آخر اسمه ايبولا الذي ظهر في افريقيا، لذلك بذل الأميركيون جهوداً لمعرفة كيف فعل الروس ذلك.
وعلى قاعدة «المعرفة بأي ثمن» قال المسؤولون في المعهد ـ المصنع ـ انه من الممكن التوصل إلى اختراع جراثيم اصطناعية انطلاقاً من مكونين طبيعيين بفضل التقدم المحقق في ميدان علم الوراثة.
وتابع المصدر القول: تتابع البحوث أيضاً على عناصر معاملة وراثياً بحيث يمكنها مقاومة أي دواء مضاد. ولا تنسوا أن القنابل البيولوجية أقل كلفة بكثير من صناعة قنبلة نووية، التقنيات متوفرة بغزارة، ويمكنها أن تختبئ وراء الغطاء القديم الجيد للبحث في ميدان الأدوية، ان زمن نهاية العالم بيولوجيا قد اقترب.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن مصدره هذا يعمل في عالم الاستخبارات في الولايات المتحدة ويصفه بأنه شخص «متوازن» وينتبه جيداً إلى ما يقول. وهو يكشف في الرسالة الإلكترونية المعنية أن البنتاغون قد بنى مصنعاً سرياً على القاعدة التابعة للقوات الجوية الأميركية في نيلليس الموجودة نفسها في منطقة تحظى بأقصى درجة من الحماية الأمنية وسط نيفادا. والمصنع نفسه في أكثر الزوايا عزلة وهو يحمل تسمية «المعسكر 12».
يقول المصدر: إن مجرد الاقتراب منه يتطلب المرور برقابات أمنية أكثر مما هو مطلوب للدخول إلى البنتاغون وإلى البيت الأبيض. ان جنوداً مسلحين بأقصى ما يمكن يقومون بدوريات مستمرة حول المعسكر 12 مع أن القسم الأكبر من المصنع موجود تحت الأرض.
كان المصنع قد بدأ عمله في ظل إدارة الرئيس بيل كلينتون عام 1997. ثم توسع كثيراً في ظل إدارة جورج دبليو بوش الحالية.
يكتب المصدر أيضاً: ان وجود المعسكر 12 يفسر في النهاية السبب الذي دعا بوش إلى رفض التوقيع على الاتفاق الرامي إلى تعزيز المعاهدة الخاصة بالأسلحة البيولوجية التي تعود إلى تسع وعشرين سنة خلت.
صدقت على هذه الاتفاقية مئة وأربعون دولة، وهذه الدول كلها تسعى إلى تعزيز الاتفاقية، لكن بوش يعرف أن الولايات المتحدة ستكون مرغمة على الكشف عما يجري في المعسكر 12.
ان اتفاقية 1972 حول الأسلحة البيولوجية تمنع بشكل قاطع على الدول الموقعة إنتاج أسلحة قد تنشر الأمراض، أو الحصول على هذه الأسلحة. ومع ذلك يؤكد المصدر أن الباحثين في المعسكر 12 يستعدون لتصنيع نموذج قوي جداً من جراثيم الجمرة الخبيثة، بالإضافة إلى جرائم أخرى.
وربما أنهم يستخدمون للوصول إلى ذلك عناصر بيولوجية معدة وراثياً ومحسنة إلى المستوى المطلوب في التسليح. لكن الاتفاقية الخاصة بالأسلحة البيولوجية، وعلى عكس الاتفاقية الخاصة بالأسلحة الكيميائية، لا تنص على أي رقابة. ثم ان كل العناصر المستخدمة في الأسلحة البيولوجية نجدها في صناعات الأدوية وفي حقل الزراعة.
وهذا ما يسمى بـ «مشكلة الاستخدام المزدوج» ثم ان التجهيزات التي تخدم في إنتاج تغذية الدجاج يمكنها، مع قليل من التعديل، أن تدخل في عملية تصنيع عنصر بيولوجي.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تقوم بتمويل أحد مشروعات مصنع المعسكر 12، وهو مشروع يتعلق بإعادة إنتاج قنبلة بيولوجية من صنع روسي وكانت الوكالة هي التي أعدت الخطط لعملية إعادة الإنتاج المطلوبة.
ويبرهن المصدر على أن المعسكر 12 يخضع لإدارة وحدة سرية في البنتاغون تدعى «وكالة تقليص أهداف الدفاع» هنا يتساءل المؤلف عن السبب الذي دعا الرئيس بوش إلى أن يخاطر بإثارة الغضب الشديد لدى حلفائه الغربيين ـ خاصة فرنسا وألمانيا ـ بترك المعسكر 12 يتابع عمله السري وذي الخطر القاتل الكبير؟
وكان بوش قد هدد بالانسحاب من المعاهدة المضادة للصواريخ لصالح فكرته بإقامة درع مضاد للصواريخ، ثم هل من الممكن السماح بمتابعة العمليات الخاصة في المصنع الذي يعد الأكبر في العالم، لإنتاج الأسلحة البيولوجية في قلب الولايات المتحدة نفسها؟
في محاولة للإجابة على مثل هذه التساؤلات اتصل مؤلف هذا الكتاب بمكتب دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، وقد أجابه أحد العاملين فيه بالقول:
إن كل عمل يتم القيام به من قبل الولايات المتحدة في هذا الميدان هو ذو طبيعة دفاعية بحتة. فهل كانت هي تلك أيضاً وجهة نظر الرئيس؟ اتصل المؤلف بالبيت الأبيض فقال له آري فليشر، الناطق باسم الحكومة: نفذت الولايات المتحدة أثناء فترة ما برنامجاً مكرساً لحماية عسكريينا من أخطار الحرب الكيميائية أو البيولوجية.
ما بعد سبتمبر
ثم كانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي كانت بمثابة منعطف «غير العالم بالنسبة للجميع». واعتباراً من تلك اللحظات أصبحت الأسلحة البيولوجية بيد «المتطرفين» شبحاً مخيفاً، فإذا كان العالم يعرف الكثير عن الدمار الذي تسببه القنابل النووية منذ هيروشيما ونغازاكي عام 1945، فإنه لا يعرف حتى الآن أثر الأسلحة البيولوجية. وهو لا يزال يجهل أنه من بين جميع الأسلحة المتوفرة فإن تلك النوعية هي التي تقترف أكبر الجرائم ضد الإنسانية.
إن هذه الأسلحة البيولوجية قد تغلفت في الوعي الجماعي بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وذلك عندما شاع الإعلان عن وجود خطر التسمم بالجمرة الخبيثة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة التي كانت قبل نصف قرن قد قامت بتجارب على الأسلحة البيولوجية أولاً عقب الحرب العالمية الثانية ثم أثناء الحرب الكورية.
نقرأ: مثلما كانت الحكومات المتعاقبة قد كذبت على الكونغرس حول برنامج ام كي ـ الترا، وعلى الشعب الأميركي وفيما هو أبعد على أمم العالم كله، فإنها قد كذبت أيضاً حول استخدام الأسلحة البيولوجية زد على ذلك أن إدارة بوش، في القرن الحادي والعشرين، تتمسك بأكذوبة بالية تقول إن كل برنامج للحرب البيولوجية قد انخرطت فيه الولايات المتحدة إنما كان دفاعياً صرفاً باستمرار، كما قال وزير الدفاع عام 2001.
لقد نفذت الولايات المتحدة برامج كبيرة في ميدان الأسلحة البيولوجية بوجود رجال من امثال سيدني غوتليب وكانت بريطانيا قد قدمت مساعداتها في هذا الميدان، ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول إن أولئك الذين قالوا، من أمثال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، ان المقصود هو محاربة الإرهاب أو إنقاذ حياة الأميركيين، يبحثون عن إيجاد تبريرات ترمي إلى تجنب أو الرد على مسائل أخلاقية يثيرها استخدام الأسلحة البيولوجية أو الكيميائية.
وأثناء الفترة المشوشة التي عرفتها الولايات المتحدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر بسبب تزايد حالات الإصابة بالجمرة الخبيثة، برزت بعض الوقائع المزعجة بذلك الخصوص، لقد تبين أنه في بعض الحالات القاتلة كانت الجراثيم المستخدمة من فصيلة جرى إرسالها من انجلترا إلى المعسكر 12 ضمن إطار التعاون الوثيق والمستمر بين البلدين على الأسلحة البيولوجية والكيميائية.
هكذا تغير الحديث الرسمي إذ بدلاً من تحميل المسؤولية لتنظيم القاعدة تحدث آري فليشر الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض عن عالم مجنون، وقال: ربما يكون مصدر الجمرة الخبيثة هو طبيب يعمل في حقل الميكروبيولوجيا ويمتلك مختبراً جيد التجهيز في الولايات المتحدة.
كانت أزمة الجمرة الخبيثة قد أثارت النقاش حول معرفة مدى حقيقة التهديد البيوكيميائي، كانت الفكرة السائدة هي أن إدارة الرئيس بيل كلينتون كانت قد ضخمت كثيراً من ذلك التهديد، رأى بعض الباحثين العلميين في هذا الميدان أن المقصود بذلك التضخيم الإعلامي هو تحضير الشعب الأميركي لعودة الاهتمام بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ثم ان كلينتون نفسه هو الذي أيد إنشاء مصنع لها (المعسكر 12) في قاعدة ميلليس الجوية.
وكانت تقارير قد أكدت أن الصين وإيران والعراق وكوريا الشمالية وروسيا كنت قد شرعت ببرامج سرية جديدة للحرب البيولوجية. وبالتالي لماذا لا تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه للتحضير لهجوم مضاد والدفاع عن نفسها؟.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن أطباء لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانوا قد كتبوا مذكرات اقترحوا فيها إمكانية إنتاج لقاحات مضادة للفيروسات تعطى لجميع أفراد القوات المسلحة، لكن الكلفة كانت أكبر مما يمكن احتماله.
وقال آخرون إن اللجوء إلى الأسلحة الكيميائية والبيولوجية نادر جداً في الحروب الحديثة، مع أنه كانت هناك مشروعات كثيرة سابقة.
البرنامج «كوست»
في عام 2001 نشر مركز منع انتشار تلك الأسلحة في قاعدة القوات الجوية الأميركية في ماكسويل بولاية الاباما تقريراً أكد أن نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا كان قد نفذ برنامجا يحمل اسم «كوست». وكان أحد أهدافه هو اختراع «قنبلة اثنية» قادرة على مهاجمة بل قتل سكان البلاد من السود من دون أن تسبب أي أذى للبيض. واجه رجال العلم ذلك المشروع بالشك في إمكانية التوصل إلى اختراع أسلحة بيولوجية ذات أهداف محددة وراثياً.
لكن في عام 2003 أعلنت مجموعة أميركية ـ ألمانية للبحث العلمي مختصة بتحليل دور علم المورثات في تصنيع نماذج جديدة من الأسلحة البيولوجية ذات الهدف المحدد اثنيا امر ممكن التحقيق بواسطة تقنيات جديدة تسمح بتحويل المتتاليات الوراثية إلى صواعق لكل أنواع النشاطات البيولوجية وقد أكدت التحليلات المقدمة ان «الأسلحة المحددة الأهداف اثنيا» قد لا ترمي إلى القتل .
وإنما قد تؤدي إلى اعراض مختلفة مثل العقم أو التعب المستمر أو أية حالة أخرى غير قاضية وإنما مرغوبة من وجهة نظر المعتدي، ويمكن استخدامها خلال حرب مفتوحة في ساحة المعركة أو ضد السكان المدنيين، كما يمكن استخدامها أيضا في عمليات سرية أو في حالات النزاع من اجل زعزعة استقرار مجتمع أو ضربه اقتصادياً أو اضعافه.
لقد استطاع مدير مشروع «سنشين» الذي تقوم به المجموعة الأميركية ان يسترعي انتباه الباحثين في ميدان علم المورثات بتحليله الرائع الذي اختتمه بالقول: «الأمر المقلق هو ان هذه الاكتشافات أصبحت قابلة للاستغلال في اطار التسليح العسكري».
وإذا كان نظام جنوب افريقيا العنصري قد حاول في سنوات الثمانينات اختراع قنبلة تقتل «السود» فقط، فإن مختبرات كوريا الشمالية قد شهدت في عام 2003 أبحاثاً مستمرة من اجل اختراع «قنبلة اثنية» أيضا وإنما تستهدف هذه المرة ابناء العالم من العرق الأبيض.
في يونيو من عام 2004 كان الدكتور ري شي ـ ويعمل في مختبره الموجود تحت الأرض والمراقب بشكل دقيق بحيث لا يدخل إليه إي عنصر خارجي أو أي فيروس. وبالطبع كان هو نفسه قد اتخذ جميع إجراءات التعقيم المفروضة قبل الدخول والشروع في العمل على القنبلة «المكرسة لقتل البيض».
لقد كان يقوم بذلك منذ أكثر من ألف يوم لكنه كان في ذلك اليوم بصدد وضع حد لذلك «الروتين» والبدء في مشروع آخر كان أي خطأ فيه أكثر خطورة من الخطأ في التعامل مع الفيروسات والجراثيم اذ في حالة مثل هذا الخطأ قد يمكن أخذ دواء مضاد وأمل الاستمرار في العيش.. اما في مشروعه الجديد فقد كان مجرد الكشف عنه يعني التعذيب والموت.
كان الدكتور ري يتقن اللغات الصينية واليابانية والانكليزية، إلى جانب اللغة الكورية، بالطبع، لغة الأم. وهو أحد العلماء الكوريين الشماليين العاملين في المشروع الأكثر سرية في بلاده إلى درجة ان السرية أصبحت جزءا من حياته إذ تعلم ان يخفي عاداته ومسؤولياته وطبيعة عمله حتى عن أسرته نفسها لقد كان في الواقع احد افراد فريق من علماء البيولوجيا والمورثات وانقسام الجينات كان وراء اكتشاف آلية الانقسام باحثان في ميدان الكيمياء الحيوية هما «ستانلي كوهن» من المدرسة الطبية في ستامفورد و«هربرت بواير» من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو.
لقد وحد هذان الباحثان جهودهما من أجل اكتشاف إذا كان نقل الحمض النووي من «جسد» إلى آخر لا علاقة له به يمكن ان يؤدي إلى شكل جديد من الحياة وقد اكتشف انه يمكن تجاوز الحواجز بين الأنواع وبمقدار شيوع خبر نجاحهما في الأوساط العلمية تنامى أيضا الخوف من ان يتم استخدام ذلك الاكتشاف من اجل اختراع أسلحة بيولوجية عبر التوصل «بواسطة التلاعب بالمورثات» إلى انتاج جراثيم، لا تستطيع اللقاحات والأدوية المضادة ان تقوم إلا بدور دفاعي «متواضع» وربما لن يكون لها أي دور ابداً.
كان عمل الدكتور ري يندرج في اطار البحوث الرامية إلى اختراع مثل تلك الجراثيم، بالاعتماد على ترسانة السموم المسببة للأمراض والسموم البيولوجية التي كانت كوريا الشمالية تمتلكها، وكانت كوريا الشمالية قد قامت بتصنيع كميات كبيرة من الجراثيم في مراكز أخرى من بينها جراثيم الطاعون والحمى الصفراء والجدري والتيفوس والفيروسات القاتلة جداً للحمى الكورية النازفة.
وكان كيم ايل سونغ قد وصف الحرب البيولوجية قبل موته بالقول انها «سلاح معادل كبير قد يؤمن الرد القاتل إذا حاولت كوريا الجنوبية ان تطلق ضد أسلحتها الذكية التي زودتها الولايات المتحدة الأميركية بها».
مغامرة دكتور ري
تتم الإشارة في هذا السياق إلى ان عملاء «سريين للغاية» يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد اكتشفوا انه جرى تجريب جراثيم الجمرة الخبيثة للمرة الأولى في كوريا الشمالية خلال مايو 1998 على بعض السجناء في معتقل عسكري بالقرب من العاصمة بيونغيانغ.
وكان قد جرى وضعهم في قفص واسع ورشوا عليهم جراثيم الجمرة الخبيثة لقد ماتوا جميعهم ثم كلفوا سجناء آخرين بنقل الجثث بعد ساعات إلى المعهد الذي كان الدكتور ري يعمل به كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها امام عينيه مدى الرعب الذي تحدثه الحرب البيولوجية.
وفي أوساط عقد التسعينات الماضي كانت كوريا الشمالية قد كدست ترسانة كبيرة من الأسلحة الكيميائية، وكانت هناك في نهاية عام 2000 اثنتا عشرة منشأة، جرى تمويهها على أنها مصانع تجارية تعمل على انتاج أنظمة لنشر الجراثيم تتضمن رؤوسا صاروخية وطائرات رش زراعي ورشاشا محمولا مصمما لوضعه على ظهر شخص انتحاري. ويتم التأكيد في هذا الإطار ان حوالي ثلاثين ألفا من الباحثين البيولوجيين قد قدموا من بلدان الكتلة السوفييتية بعد انهيارها للعمل سراً في البرنامج البيولوجي لكوريا الشمالية.
وفي نهاية عام 1999 كان الدكتور ري قد التقى بباحثة في ميدان المورثات هي ياي يونغ سو التي كانت تعمل في إدارة أكاديمية العلوم الكورية الشمالية والمقربة من «كيم يونغ ايل» الذي خلف والده على الحكم عام 1994. وقد أعلنت للدكتور ري في ذلك اللقاء انه قد جرى تعيينه مديراً لمشروع جديد هو تصميم سلاح يستهدف حصراً «العرق الأبيض من سكان العالم».
بعد أربع سنوات كان الدكتور ري قد صمم على الانتقال إلى معسكر العدو وان يحمل معه البراهين الداعمة لما سيكشف عنه من الاعمال التي تقوم بها كوريا الشمالية في ميدان الأسلحة البيولوجية، لكنه لم يتحدث حتى يونيو 2003 لأي إنسان عن سر قراره الهرب إلى الولايات المتحدة سوى لشخص واحد، هو زوجته شينغ لي، بينما لم يتم اطلاع ولديهما المراهقين على ما كان يتم إعداده إلا في اللحظات الأخيرة.
ولم يطلع الدكتور «ري» وزوجته على الوثائق التي جلب صور منها من مخبره والتي كانت تبلغ حوالي سبعمئة صفحة من الأبحاث. وقد كان بعض تلك الوثائق يخص البرنامج الذي كان يربط بين كوريا الشمالية وجنوب افريقيا.
كان مدير ذلك البرنامج هو ووتر باسون، رجل العلم الموهوب قاسي القلب الذي لا يولي الأخلاق أي اهتمام، حيث كانت قدرته على انتاج الأسلحة البيولوجية قد جعلت منه «تلميذا» للشيطان يعمل على الجانب الأكثر شراً في التمييز العنصر الابرتهايد، حسب تعبير الكاردنيال توتو، الافريقي الجنوبي وصاحب الشهرة العالمية، وكان ذلك البرنامج الذي يحمل تسمية «كوست» يختبيء خلف شركات ـ واجهات تزعم أنها كانت تقوم بأبحاث مشرفة يبحث عن اصطياد الأخبار العلمية في جميع ارجاء العالم.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى ان الدكتور ري كان على علم بالعروض التي قدمتها جنوب افريقيا لبعض الباحثين السوفييت للالتحاق بمشروع «كوست» لكن ليس هناك ما يشير إلى أنهم قد قبلوا ذلك العرض.
بالمقابل كانت هناك شخصية مرموقة تستعد للتعاون مع جنوب افريقيا وكوريا الشمالية تتمثل في الدكتور «لاري فورد» عضو الهيئة العلمية في جامعة كاليفورنيا بلوس انجلوس ولم يكن هناك في سلوكه المدروس مع مرضاه او في زيه ما يمكن ان يوحي بأنه كان في الواقع «رجلاً شريراً يستحق ان يكون احدى شخصيات الروايات البوليسية التي تقطع الأنفاس الموجودة في غرفة الانتظار» لقد كانت له علاقات وطيدة مع ووتر باسون الذي ربطه بصلات مع باحثين كوريين شماليين وإذا كان يعمل لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كما قيل فيما بعد، فإن جميع البراهين على ذلك قد جرى اتلافها بعناية.
بالتأكيد لم يكن أي من المرضى الذين عالجهم الدكتور فورد قد شك للحظة واحدة انه كان ينقل بين أمتعته اثناء أسفاره إلى جنوب افريقيا سموماً قاتلة، ثم كيف كان يحصل عليها؟ ومن الذي كان يسمح بإخراجها من الولايات المتحدة الأميركية؟ ثم من كان يستخدمها في نهاية المطاف؟
إنها مجموعة من الأسئلة التي يصيغها مؤلف هذا الكتاب كي يشير بعد ذلك إلى ان الدكتور قد أخذ جميع هذه الإسرار إلى القبر». إذ كان قد انتحر في ربيع عام 2000، وعندما اهتم المحققون في كاليفورنيا بمسألة انتحاره وجدوا في براده «عددا من القوارير التي تحتوي على كميات من السموم» تكفي لتسميم الولاية كلها تقريبا. وعندها عرفنا ان الأمر لم يكن يتعلق بحادث انتحار عادي» كما ينقل المؤلف عن أحد رجال الشرطة كانت تلك القوارير تحتوي على «مزارع» لجراثيم الكوليرا والتيفوس.
كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالاشتراك مع جهاز الاستخبارات البريطاني «ام ـ 16» قد قاما بعروض حذرة عبر مؤسسات جرى استخدامها كواجهات، من اجل اتهام الدكتور ري انه سيتم استقباله بترحيب كبير إذا انتقل إلى الغرب مثل هذه العروض الحذرة تسمى في عالم الاستخبارات «الاتصالات بواسطة الأوهام او ضربات المرفق» وكانت جزءا من خطة تستهدف الوصول إلى الدكتور ري عند نقطة معينة.
وقد انقضى عامان قبل ان تأتي إشارة ايجابية من الدكتور ري الذي لم تكن قد بقيت عنده أية أوهام عما هو مطلوب منه عمله، كما ينقل المؤلف عن مصدر في الاستخبارات السرية الأميركية. أصبح المطلوب بعد ذلك إعداد الخطة من أجل إخراج الدكتور ري وبالطبع لم يكن مطروحاً الذهاب إلى كوريا الشمالية لجلبه.
ذلك ان المخاطر كانت أكبر من ان تحتمل حتى بالنسبة لـ «غنيمة». بتلك القيمة اقتضت الخطة سفر عالم الإحياء إلى جنوب الصين كي يتم نقله بعد ذلك إلى الغرب.. وكان الأمر أكثر تعقيداً بعد حرصه على استقدام أسرته معه، وفي ذلك اليوم من يونيو الذي بدأ فيه الدكتور ري وأسرته مغامرة هربهم وصل فريق مختلط من الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات البريطاني بزي رجال اعمال، إلى مدينة غوانغ شو في مقاطعة كانتون الصينية.
لقد اجتاز الدكتور ري وأسرته جميع مراحل الرحلة وحتى مدخل فندق غوانغ دونغ الدولي في مدينة غوانغ تسو حيث كان موعد اللقاء مع الفريق الاستخباراتي الأميركي الانجليزي المكلف بترحيله مع أسرته إلى الغرب. وعندما دخل إلى المبنى «للشروع بآخر مرحلة لخروجه سراً من البلاد، وجد نفسه امام عناصر من الأمن العام الصيني الذين كبلوا يديه بالقيود قبل ان يصطحبوه معهم».
وينقل المؤلف في المقطع الأخير من هذا الكتاب عن ضابط استخبارات يعمل في لندن، وكان احد المشاركين في عملية نقل الدكتور ري الفاشلة قوله له في شهر يناير 2006 ان زوجته وولديه أعيدا إلى كوريا ليلقيا مصيرهما المعروف اما الدكتور ري نفسه فإن هناك مؤشرات عديدة ذات مصداقية تدل على انه لا يزال على قيد الحياة، ويعمل في برنامج للسلاح النووي في الصين.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف
