تنفتح أمام القارئ في هذا المنعطف من الكتاب آفاق مذهلة يطل عبرها على ذلك النطاق الهائل من البرامج والمشروعات والاهتمام والميادين التي تصدت لها أجهزة المخابرات الأميركية في غمار سعيها لتطوير الأسلحة غير التقليدية والاستخدام الفعلي له، حيث تم تطوير «العنصر البرتقالي» الذي جرى استخدامه في حرب فيتنام عبر تجريب 26 ألف مادة أخرى مدمرة للغابات، ووصل مخزون أميركا من الأسلحة الكيمائية والجرثومي إلى ما يكفي لإزالة مدينة كبرى من الخارطة.
ذات صباح من فبراير 1966 وجد بيل بوكلي عند وصوله إلى مكتبه في مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قرارا بنقله إلى قاعدة للوكالة في ألمانيا الغربية، كان القرار يحمل توقيع الدكتور «غويكب بصفته الرئيس الأعلى في القسم الذي كان يعمل فيه. كان مهمة بوكلي في المانيا تتضمن زيارة إلى المواقع السرية، التي كانت الوكالة المركزية قد أقامتها، والتي كان يعمل فيها عدد كبير من بنات الهوى، وكان عليه أن يحلل التقارير الصادرة منهن حول زبائنهن، وكان رئيس الدكتور غويكب يطلب منه باستمرار رؤية ما إذا كان يمكن استغلال بعض المعلومات لأغراض محدودة، فالروس كانوا يستخدمون الجنس على صعيد واسع كسلام سري وينبغي ان نفعل مثلهم كما كان يردد له. كان من بين مخبري بوكلي استاذ جامعي ألماني هو البروفسور أدولف هيننغ فروشت، الذي كان يعمل في معهد الفيزيولوجيا الصناعية بيرلين الشرقية، وكان اختصاصه هو تطوير طرق جديدة للكشف عن السموم في الجو،
ولقد قابله بوكلي على اساس انه صحافي علمي، ثم وبعد عدة لقاءات «ودية» قام بتجنيده كعمل لوكالة الاستخبارات المركزية الألمانية. وينقل المؤلف عن بوكلي قوله: كي أكون أمينا، لم أكن مضطراً لدفعه كثيرا نحو ذلك؟ إذ كان على اقتناع بأن الاتحاد السوفييتي سوف يشن حربا عالمية جديدة، وان ألمانيا ستكون على الخط الأول.أظهر فروشت بسرعة أنه عظم الفائدة إذ توصل إلى ان يجلب تفاصيل دقيقة عن العمل الذي كانت تقم به دول حلف وارسو حول الأسلحة البيولوجية والكيمائية. وكان أحد تلك الأسلحة يخص عنصرا ساما للجهاز العصبي يمكنه ان يحافظ على قوته حتى في برودة تقل عن درجة الصفر، وعندما وصلت هذه المعلومات إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أثارت القدر نفسه من الحماس والوجوم في الوقت ذاته، ذلك ان خبراء الوكالة وصلوا إلى نتيجة مفادها ان ذلك السلاح، كان مصمما للاستخدام في الهجوم على قواعد الإنذار الأميركية في منطقة ألاسكا.
وبعد ان قدم «فروشت» كما هائلا من المعلومات المهمة عن تصنيع عناصر قاتلة، مثل جراثيم حمى النيل والكلب والحمى الصفراء، والحمى الخبيثة توقف فجأة سيل تلك المعلومات «الثمينة» واكتشف بوكلي ان مخبره قد اعتقله جهاز الاستخبارات الألمانية الشرقية الشهير انذاك «ستازي» وكان كل ما قاله عن ذلك فيما بعد «هذه إمكانية قائمة دائما. انه قانون هذه المهنة.
فتش عن المرأة
فجأة جرى استدعاء بوكلي للقدوم إلى واشنطن للاستفادة من تجربته في برلين في عملية جديدة ترمي إلى نسف نظام احمد سوكارنو رئيس اندونيسيا آنذاك والذي كان قد عزز علاقاته مع موسكو واكتشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ان عملية سوفييتية قد توصلت إلى اقامة علاقات وثيقة معه. من هنا جاء اقتناع الدكتور غويكب بأن أفضل طريقة للاطاحة بسوكارنو هي إظهار ضعفه أمام امرأة، لذلك كان ينبغي تقديم البراهين التي تثبت ضعفه.
لقد ذهب بوكلي إلى لوس انجلوس كي يبحث في خزائن واراشيف صناعة الافلام الجنسية عن شخص شبيه بالرئيس الاندونيسي عثر على فيلم بالأبيض والأسود ولكن غويكب اعتبر ان الرجل لا يشبه كثيرا اسوكارنو ثم امضى بوكلي اسبوعا من الزمن وهو يتجول في المطاعم الاندونيسية في واشنطن ونيويورك، ولكنه لم يجد بغيته، واتصل بالهاتف مع عملائه الآسيويين فلم يجدوا من يناسب هدفهم، هكذا تم التخلي أخيرا عن المشروع.
رحل في تلك الاثناء ألن دالاس عن إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وحل مكانه جون اليكس مككون الذي عينه الرئيس جون كندي مديرا لتلك الوكالة وقد استطاع الدكتور غويكب اقناع المدير الجديد باستمرار تمويل مراكز الباحثين بواسطة جمعية البحث في ميدان البيئة الإنسانية التي كانت بمثابة الغطاء لوكالة الاستخبارات المركزية في نيويورك.
كانت ميادين البحث التي جرى رصد الأموال لها متنوعة مثل التنويم المغناطيسي أو تحليل القدرات الخارقة للسحرة الأفارقة. وكان أكثر المستفيدين من تلك الأموال هو الدكتور ايوين كاليبرن الذي كان قد جعل من فيهم آليات مقاومة «العقل البشري» مركز اهتمام أبحاثه مع الاقتناع بأنه «ينبغي ان تكون هناك نقطة يمكن عندها تحطيم أقوى ارادة بشرية في العالم» وكان كامبرون قد كتب في احدى رسائله إلى غويكب ان ما كان يبحث عنه هو «نقطة حساسة، عنصر قد يمكن وصفه بأنه يخلخل الحياة في ذهن المريض الذي يصبح عصبيا أكثر فأكثر ويفقد بعض ذاكرته للوكالة.
وكان قد أوكل إلى بيل بوكلي مهمة غريبة أثناء وجوده في مقر إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لقد طلب منه الدكتو غويكب الذهاب إلى نيويورك لمقابلة اختصاصي بالتتويم المغناطيسي كانت الوكالة قد تعاقدت معه منذ فترة وجيزة كي يعلمه تقنيات مهنته.
وفي غضون أسبوع واحد فقط أظهر بوكلي انه تلميذ نجيب، واستطاع في نهاية اقامته عند المعلم ان يتوصل إلى تنويم زوجته مغناطيسيا وعندما عاد إلى مقر إدارة الوكالة طلب منه غويكب ان يقوم بتنويم اثنتين من العاملات في سكرتارية قسم العمليات السرية.. وتحت انظاره قام بوكلي بذلك،
وطلب منهما ان تقوما بسرقة ملفات تحمل خاتم «سرية للغاية» ولقد نفذنا ذلك، ووضعتا الملفات المطلوبة في احد الأروقة حيث كان يمكن للجميع رؤيتها، ثم طلب من احداهن سرقة كل ما هو موجود في ملف زميلتها ففعلت وقام عندها بوكلي بـ «ايقاظ» السيدتين اللتين أكدتا انهما لا تتذكران شيئا مما جرى معهما.
في اليوم التالي، طلب غويكب من بوكلي ان يقوم بتنويم سكرتيرتين آخريتين مغناطيسيا فأغرقهما سريعا في سبات عميق، وقال لأحداهن ان صديقتها كانت جاسوسة روسية، وينبغي عليها ان تقتلها بالمسدس الموضوع على الطاولة، ومن دون قرار أخذته السيدة ووجهته إلى زميلتها ثم شدت على الزناد. ومرة أخرى لم تتذكر شيئاً مما حدث بل ان تلك التي «أطلقت» النار جفلت وتراجعت إلى الوراء عندما رأت المسدس، وأكدت لبوكلي رعبها من الأسلحة النارية.
كان سرور الدكتور غويكب كبيرا، إذا كان على اقتناع بأنه قد حققت «تقدما باهراً كما قال لبوكي،في ميدانا استخدام التنويم المغناطيسي في السيطرة الذهنية على الآخرين ثم أضاف بأن بوكلي سيذهب الى فيتنام من اجل اختيار بعض الثوار الشيوعيين من الفييتكونغ لاجراء تجارب عليهم.
استهداف كاسترو
وفي الوقت الذي كان الدكتور غويكب منهمكا في التخطيط لاغتيال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، لاسيما وانه كان قد تلقى تقريراً يقول ان خبراء بيولوجيين تابعين للاستخبارات السوفييتية قد وصلوا إلى كوبا وانهم قد انشأوا معهد للابحاث.. وبالتالي قد يقوم الكوبيون بهجوم بيولوجي على كوبا، في ذلك الوقت وصل بيل بوكلي إلى مسايغون حيث كان خبراء علميون تابعون لوكالة الاستخبارات المركزية قد شرعوا بتجريب عنصر بيولوجي جديد من أجل صد الفييت كونغ.
وكان ذلك العنصر المعروف باسم «مرض الدماغ الفنزويلي» شديد العدوى وكان يؤدي إلى الغثيان مع ظهور جميع اعراض النزلة الوافدة «الزكام» وكان قد جرى تصميم ذلك السلاح كي يجعل العدو غير قادر على القتال عندما يستنشق جنوده الجراثيم. لكن كان المسلب الكبير لذلك السلاح أنه كان سيصيب أيضا القوات الأميركية والفيتنامية الجنوبية وبعد القيام بعدة محاولات جرى توقيف استخدامه.
اثناء ذلك تم اللجوء إلى برنامج آخر عمدته وكالة الاستخبارات المركزية باسم السحر الأسود «بلاك ماجيك» وقد واقف عليه الجنرال وسيت مورلاند قائد القوات الأميركية في الفيتنام آنذاك وتمثل في رش غار سي.اس على مساحات شاسعة من الغابات التي كان الفييت كونغ يوجودن فيها، حسبما كان يظن وكانت هناك عامة قرى عانى سكانها من الآثار المؤذية
لذلك الغاز وكان الانجليز هم أول من أعده للاستخدام من قبل القوات البريطانية في ماليزيا لكن الأميركيين «حسنوا» منه للاستخدام في فيتنام، وكان ثوار الفيتكونغ يصابون يحرقون جلدية عند التعرض له وهم في مخابئهم التي كانوا يضطرون للخروج منها، حيث كانت تنتظرهم القنابل العنقودية، ثم كان الجنود الأميركيون المجهزون بأقنعة واقية يتوجهون لإتمام العمل وقتل الأحياء من الفيتناميين الشماليين.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى ان بوكلي كان يعرف أيضا انه كان هناك برنامج يتم العمل به بشكل ملح في الولايات المتحدة الأميركية من أجل تصنيع مجموعة من الغازات السامة القاتلة والتي كانت جاهزة للاستخدام على صعيد لم تكن قد عرفته أية حرب قبل ذلك.
وقد كانت هناك 20 جامعة أميركية على الأقل تعمل في ميدان الاسلحة الكيميائية أو الجرثومية وكانت هناك مخزونات هائلة موجودة في مختلف ارجاء الولايات المتحدة وجاهزة للإرسال إلى فيتنام.
وكانت ترسانة «روكي ماوتشين» في كولورادو، تضم عشرات الألوف من القنابل العنقودية المحشوة بغاز الخردل وغاز الفوسيجين العناصر السامة للأعصاب. وكان يوجد في مدينة تول» مستودع يحتوي على ملايين اللترات من الاسلحة الشبيهة موضوعة في صفائح معدنية، وقد دلت عملية حسابية على أن تلك الكمية كانت كافية وحدها لإبادة مدينة أميركية كبيرة عن الخارطة.
العنصر البرتقالي
لكن كان أفضل منتوج لترسانة الأسلحة البيولوجية الأميركية في فيتنام هو مادة كيمائية جرى تصميمها كي تؤدي إلى سقوط أوراق الاشجار في الغابات الفيتنامية وبالطبع إصابة أي شخص يتعرض لها وشل فاعليته. وسميت تلك المادة بـ «العنصر البرتقالي» وذلك بسبب لون الصفائح التي وصلت فيها إلى فيتنام، وكانت عملية تصنيع تلك المادة قد تطلبت من خبراء «قلعة ديتريك»
أي القسم المختص في ذلك القطاع لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تجريب عدد مذهل من المنتوجات الكيميائية وصل إلى 26ألف منتج قبل التوصل إلى الخليط المطلوب وكانت طائرات ناقلة من طراز «سي 123» البطيئة تطير على ارتفاع منخفض لتقوم بتعرية أشجار الريف الفيتنامي من أوراقها.وكان الخلط بين مادتين كيميائيتين إحداهما تسمى «245 ـ تي» والأخرى ديوكسين، قد جعل من «العنصر البرتقالي» السلاح الأكثر فظاعة من دون شك، الذي جرى استخدامه في فيتنام.
لقد كان يؤدي إلى تفجير الأشجار تخريب المزروعات خلال عدة ثوان فقط، هكذا «تعرت» غابات كاملة من ثوبها الأخضر حيث كان الفيتناميون يطلقون على المساحات المخربة تسمية «أرض الأموات» لكن النتيجة كانت قاسية أيضاً على ساكني المناطق التي وصلت إليها آثار العنصر البرتقالي إذ ظهرت على أعداد كبيرة منهم أعراض مرض السرطان وكان سبب ذلك وجود «الديوكسين» الذي ثبت أنه مادة مسرطنة، ويتم التأكيد في هذا السياق إلى أن وضع عدة غرامات فقط في خزانات المياه كانت كفيلة لتسميم سكان مدينة نيويورك كلها.
وكان قد جرى إلقاء 250ليبرة (الليبرة تعادل 500 غرام) على فيتنام، وتدل مؤشرات على أن مادة الديوكسين السامة هذه كانت وراء تشوهات عديدة للمواليد في فيتنام بعد عام من استخدامها، بل زاد كثيراً نسبة الوفيات بين المواليد، ودلت عمليات تشريحهم على وجود الديوكسين في دمهم، ومع ذلك استمرت عملية رش تلك المادة، لكن لم يقتصر أذاها على الفيتناميين بل ان ما لا يقل عن 40 قاعدة أميركية قد تعرضت لهذا الخطأ.
وكان العسكريون يأتون إلى المراكز الطبية وهم يعانون من أشكال خطيرة من الطفح الجلدي وسقوط الشعر وعانى بعضهم بعد ذلك من سرطان الجلد ومن أورام أخرى.وما أكده بيل بوكلي رغم ما كان قد عرفه أثناء الحرب الكورية ومن رؤيته للتجارب التي أجريت على البشر، هو «أن ما جرى في فيتنام كان فيلماً مرعباً من الدرجة الأولى،
لكن كان عليه أن يُسكن شكوكه حيال تورط أميركا في حرب لا يمكنها الانتصار فيها، ومنذ ذلك اليوم الذي شاهد فيه راهباً بوذياً يصب كمية من البترول على رأسه ثم يشعل النار بنفسه في شارع مزدحم بالسكان في سايغون، بينما كان رهبان بوذيون آخرون يتحلقون حوله لحمايته من التدخل لإطفائه فهم بوكلي أنها ستكون حرباً من نوع جديد بالنسبة لي وبالنسبة لأميركا وبالنسبة للعالم كله، حسب تعبيره.
لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون مجموعة من الفيتناميين، أبناء البلاد الأصليين للقيام بعمليات سرية، وقد دربهم بالاعتماد على دليل «طرق الاغتيال» الذي أعده الدكتور ستالي غويكب المسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على القتل بمختلف الطرق، وكان هو نفسه يتقدمهم
ولا يتراجع أمام جميع التحديات وينقل المؤلف عن «إليوت ريتاردسون» رئيس قاعدة وكالة الاستخبارات المركزية في سايغون أنه وصف «بوكلي» في تقرير أرسله إلى ريتشارد هولمز الذي أصبح بعد فترة وجيزة مدير العمليات السرية في الوكالة بواشنطن بأنه «رجل مؤهل لتحليل أي وضع ثم القتل من دون تردد».
وينقل عن «بوكلي» نفسه قوله: «كنت أشجع رجالي على ألا ينسوا أبداً حساب عدد الذين يقتلونهم، فرأس أحد الفييتكونغ أو أذنه أو حتى بطاقة هويته كانت كافية للحصول على جائزة قد تصل إلى عشرة آلاف بياسترز لاشك أننا لم نقتل أحياناً المطلوب قتلهم، لكننا قمنا بإبادة الكثير من الأشرار».
وستبقى محفورة في ذاكرة بيل بوكلي كل تفاصيل صبيحة الرابع من أكتوبر 1963 التي كانت قد شهدت علمية كبيرة. كانت الخطة مصممة من أجل إبادة جميع رؤساء حرب العصابات من الفيتيكونغ في هجوم واحد كبير عبر سايغون وضواحيها، وكان من المطلوب أن لا تفلت أية مدينة أو قرية أو ضيعة صغيرة من فرق القتلة التي كانت قد جرى تشكيلها، وكانت الأوامر التي صدرت لهؤلاء هي : اقتلوا. اقتلوا المتمردين، اقتلوا من ينجدونهم.
كانت عدة مئات من الوحدات بدأت عملها منذ منتصف الليلة السابقة، ودلت التقارير الأولى على أنها كانت على وشك ان تنقد السيطرة مدفوعة بتعطشها إلى الدماء وكان بوكلي يخشى كثيراً الأثر السلبي عندما تصل أخبار ما كان يجري إلى الولايات المتحدة، والذي كان يصل بسرعة، ذلك أن الحرب الفيتنامية كانت قد أصبحت الحرب التي تحظى بأكبر قدر من تغطية وسائل الإعلام لها في التاريخ ولم يكن القتل هو وحده المهم وإنما كان من الهام أيضا الحصول على أكبر قدر ممكن من الأسرى من أجل «استجوابهم».
ومن اجل مثل هذا «الاستجواب» وصل إلى سايغون الدكتور غويكب برفقة حفنة من الرجال كان قد جرى وصفهم في برقية «سرية للغاية» بأنهم مجرد عاملين في عدة اختصاصات طبية. لكن هذه المجموعة وخاصة رئيسها كانت قد قدمت إلى فييتنام لجعل الحرب بمثابة حقل تجارب لمشروع «ام.كا ـ الترا» الذي كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بصدد تطويره في ميدان الحرب الكيميائية والبيولوجية وآليات السيطرة الذهنية على الآخرين، وكانت تعرف أنها ستجد ما يكفي من «السجناء» لإجراء التجارب عليهم.
تشريح الأحياء
اختار بويكي سجن «بيان هوا» الواقع على تخوم سايغون كي يمارس فيه الدكتور غويكب وجماعته تجاربهم، وكانت زنزانات ذلك السجن مكتظة بالسجناء وزادت اكتظاظا بعد العملية الأخيرة الكبيرة بدأت المجموعة عملها دون تأخير ليلة وصولها إلى سايغون كان حراس السجن يجلبون احد السجناء إلى غرفة التخدير وبعد «تنويمه» يحمله الحراس إلى «غرفة العمليات» واثناء ذلك يكون قد تم جلب سجين آخر للتخدير ليتم نقله بدوره إلى احدى طاولات الجراحة..
وهكذا دواليك كان احد الجراحين يفتح جمجمة السجين وعندما يصبح الدماغ باديا كان احد الجراحين العصبيين يزرع «مولدات موجات كهربائية» في انحاء مختلفة منه. وفي الوقت الذي كان يقوم فيه جراح بإعادة إغلاق الجمجمة كان سجين آخر يعرف المصير نفسه، وبعد فترة قصيرة كانت الطاولات كلها مشغولة وقد وصف بوكلي ذلك المشهد بالقول: «كان غويكب ينتقل من طاولة إلى أخرى ليقوم ببعض التعليقات او يهز رأسه مستحسنا لم تكن هناك أية إضاءة خاصة من اجل عمل الجراحين وكان عليهم ان يتدبروا أمرهم على ضوء المصابيح المعلقة في السقف ولم تكن هناك أية محاولة لإجراء التعقيم.
كان الجراحون يرتدون سترات وأقنعة لكنهم لم يفعلوا ذلك في واقع الأمر إلا من أجل حماية ثيابهم من التلوث بالدماء كانت هناك دماء كثيرة في كل مكان وكانت غرفة العمليات شبيهة بمسلخ. وعندما كان يعاد إغلاق جمجمة احد السجناء كان الحراس يأخذونه من جديد.
ويتابع مؤلف هذا الكتاب وصف ما كان يجري بعد ذلك اذ كان يتم نقل كل سجين بعد الانتهاء من «العمل الجراحي» إلى غرفة فارغة بجانب غرفة العمليات حيث يتم وضعه على الأرض لتركه «يستفيق» من التخدير. هكذا وعند منتصف الليل كانت أرض تلك الغرفة مكتظة بالمساجين الذين استعادوا وعيهم بدرجات متفاوتة.
وكان الدكتور غويكب قد تجول بينهم ووضع الى جانب كل منهم حربة. ثم عاد إلى غرفة أخرى وبدأ بتشغيل الفواصل الكهربائية الموجودة على «علبة سوداء» من أجل «نقل اشارات» كهربائية إلى «المولدات» التي كان قد جرى زرعها في أدمغة السجناء. وقد شرح لبوكلي المنذهل بأنه يريد ان تثير مولدات الموجات الكهربائية تلك غضب المساجين بحيث يلتقطون الحراب الموضوعة بجانبهم ويقتلون بعضهم بعضاً. وأضاف انه اذا نجح في ذلك يكون قد أوجد قتلة يقومون بعمليات القتل المطلوبة عندما تصدر لهم الأوامر «الكهربائية» بذلك.
ويروي بوكلي قائلا: «كان ـ أي غويكب ـ يرقص من النشوة تقريباً وكان يقول انه من الممكن تحسين عمل العلبة السوداء بحيث يصل تأثير الاشارات الكهربائية التي تصدرها إلى 5 ,1 كيلومتر.. ويمكن من مسافة كهذه ادخال قاتل إلى جوار هدف مطلوب دون اثارة شكوكه وعندها يتم تنشيط الاشارات الكهربائية لقتله. لكن حماس غويكب كان قصير الأمد جداً. فالسجناء لم يفعلوا سوى انهم تلمسوا جراح رؤوسهم دون ان تصدر عنهم أية اشارة توحي بالعنف فطلب من الحراس أخذهم ثم جرى قتل اولئك الذين خضعوا للتجربة ـ الكوباي ـ رميا بالرصاص وأحرقت جثثهم».
كان عدد السجناء الذين أجريت عليهم تلك التجارب 24في اليوم الأول من دون ان يصدر عن أي منهم أي عنف رغم كل محاولات الدكتور غويكب الرامية إلى تفعيل العلبة السوداء وأعيدت التجربة على ستين آخرين في اليومين التاليين والنتيجة نفسها والجميع جرى قتلهم غادر غويكب سايغون إلى الولايات المتحدة على عجل وعندما روى بوكلي لزميله وليام كولبي المسؤول الكبير آنذاك في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الفيتنام، اكتفى بالقول له: «انك لم تر شيئا».
العملية كليماكس
بعد عودة الدكتور «غويكب» من فيتنام جالت في رأسه فكرة ان بنات الليل في سايغون أظهرت قدرة كبيرة في استغلال العسكريين الأميركيين وتساءل كم منهن يعملن لصالح الفييتكونغ وانطلاقا من هذا اعد عملية جديدة لاستخدام الجنس في العمليات السرية.. واختار مدينة سان فرانسيسكو مجالاً ذلك. هكذا تم رصد أكثر من ربع مليون دولار للعملية التي أعطيت تسمية «كليماكس» لقد جرى تجنيد عدد من الفتيات من «الحي الساخن» في المدينة وكان يدفع لهن مبلغ يتراوح بين 200 و250 دولارا اسبوعيا تبعا لساعات العمل.
وكان اطباء نفسانيون تابعون لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية قد قاموا بعملية استجوابهن عن اسباب قيامهن بتلك المهنة «بيع الجسد» وعن الاحاديث المتبادلة مع زبائنهن. وفكر اولئك الخبراء النفسانيون بإمكانية تدريب المومسات كي يصبحن حقيقة «ضباط استخبارات».
وضمن اطار عملية «كليماكس» جرب خبراء الوكالة الاستخباراتية نظرية اخرى من نظرياتهم وهي امكانية التسلل الى اجتماع عام مثل حفل استقبال ورش المدعوين بعقار «ال اس دي» المخدر المهلوس من دون علمهم من اجل نوع من الهلوسة الجماعية وكان الدكتور غويكب قد دعم الفكرة بقوة واعطى الاوامر للتقنيين العالميين معه لتعبئة رشاشات بمادة ال اس دي وان يكتبوا عليها عبارات مثل «مبيد للحشرات» او «مزيل للروائح» او «عطور متنوعة» واثناء ذلك كان عملاء للوكالة يجوبون منذ اسبوع حانات وسط المدينة حيث وزعوا دعوات لحضور حفل افتتاح «ناد جديد».
وفي يوم الافتتاح الموعود تزينت الفتيات بأجمل ما عندهن وحضرن اجود انواع الحلويات والمكسرات لم يكن المدعوون يعرفون بعضهم البعض ولم يكونوا يعرفون من دعاهم وقد حرص عناصر وكالة الاستخبارات المركزية على بقاء النوافذ مغلقة كي يكون مفعول الـ «ال اس دي» كبيرا لكن المدعوين ومع زيادة حرارة اجواء القاعة خفوا لفتح تلك النوافد كي يدخل هواء المساء المنعش
كان العناصر المكلفون بالرش قد شرعوا في عملم متنقلين بين مكان وآخر وهم يوضحون انهم يريدون «تريب الاجواء» و«قتل الصراصير» لكن القسم الاكبر من الـ «ال اس دي» تسرب عبر النوافذ وبدى ان مثل تلك العملية لا يمكن ضبطها وانها غير مضمونة النتائج وبالتالي بدأ افق عملية «كليماكس» مسدودا فيما يخص استخدامها في الفيتنام.
كان بوكلي قد جاب ارجاء فيتنام حيث زادت شكوكه في امكانية انتصار الولايات المتحدة في تلك الحرب وكان الفرنسيون قد فشلوا في الاحتفاظ بفيتنام بعد احتلالها لمدة قرن من الزمن وكان الصينيون قبلهم الذين احتلوا البلاد طيلة الف سنة قد اضطروا الى مغادرتها فكيف كان يمكن للولايات المتحدة ان تتأمل النجاح في الوقت الذي كانت التقارير تؤكد قيام الجنود الاميركيين بعمليات اغتصاب ونهب؟!
كان الاميركيون يستخدمون المواد الكيميائية اكثر فأكثر من اجل نزع اوراق الاشجار وحرمان اعدائهم من اية تغطية وكان تعذيب السجناء ممارسة مألوفة.وقد كتب بولكي فيما بعد يقول: كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقها في الطائرات القاذفة المقاتلة وفي النابالم والصواريخ.. لكن ثوار حرب العصابات كانوا يمتلكون من التفوق في ارض المعركة.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف


