بدايةً فإن أجمل نكتة قيلت في بلفاست منذ أعوام ـ هي لزميلي القديم ديفيد مكيتريك ـ الذي عمل في صحيفة «آيريش تايمز» في أيرلندا الشمالية عندما كنت مراسلاً لصحيفة «التايمز» اللندنية هناك وكان والده يعمل في يوم من الأيام في شركة هارلاند آند وولف، حوض السفن الذي بنى التايتانيك قال ديفيد: «كان عليك تسليمها إلى شركة هارلاند آند وولوف، فلولاهم، لما كانت التايتانيك موجودة حيث هي الآن».

ربما كان ذلك تأثير لعبة القناني والنبيذ في فندق مالميسون بديكوراته الكئيبة، ولكن النكتة التي ألقاها ديفيد تمثل بطريقة ما بلفاست جديدة. كان أبناء أيرلندا الشمالية يسخرون من أنفسهم دائماً، ولكن ذلك كان ينم عن قلة الوعي خلال أعوام العنف، وحتى قبل ذلك.

عندما تم إنتاج فيلم تايتانيك الأول الضخم عام 1957 ـ الفيلم الذي لعب فيه كينيث مور دور الضابط لايتولر ـ كانت شركة هارلاند آند وولف ـ وهي حصن بروتستانتي - لا تزال يتملكها شعور بالخجل من أكثر سفنها شهرة وترفض تقديم أي مساعدة لمنتجي الفيلم، كما أنها رفضت السماح لهم بالوصول إلى مخطط بناء السفينة.

واليوم، تقوم بلفاست بالإعلان عن التايتانيك للسياح وتعترف شركة هارلاند وولف بكل فخر بإنجازها الاستثنائي وإن كان قد انتهى نهاية مشؤومة. بلفاست مدينة يرتبطا باسم السفينة تايتانيك والنصب الذي أقيم تكريماً لموتى الحادثة، والذي تم تنظيفه أخيراً، ينتصب أمام قاعة المدينة ومقابل مقر بنك آلستر( حيث لا بد وأن حسابي المصرفي في بعض الأحيان يثير قدراً من القلق مماثلاً للقلق الذي أثاره اقتراب جبل الجليد عام 1912).

أثناء إلقائي لمحاضرة في بلفاست أخيراً لفت انتباهي بصفة خاصة القدر الهائل من المعلومات الذي يحظى به أبناء إيرلندا الشمالية فيما يتعلق بالشرق الأوسط. ذلك أن المجتمعات المقسمة تجذب بعضها بعضاً. إن لجنة يوم الأحد الدامي في مدينة داري، التي تحتفل بذكرى الكاثوليك ال14 الذين قتلوا على يد القوات البريطانية المجوقلة عام 1972،

أرادت التوصل إلى تحقيق توأمة بين المدينة وبين مدينة الفلوجة العراقية عام 2003 بعد ان لقي 14 عراقياً مدنياً مصرعهم هناك على يد الفرقة الأميركية ال82 المجوقلة، في الحادثة التي فجرت المقاومة المسلحة التي حولت العراق بأسره إلى نسخة عملاقة من المنطقة المحظور دخولها على الأجانب.

في عام 2000، كتب جون هيوم مقالاً لصحيفة «جيروزاليم بوست» ذكر فيه إن اتفاقية الجمعة الحزينة قد يتم تطبيقها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولم أتفق معه. فمعاهدات السلام للشعوب الأخرى لا تنتقل بشكل جيد. الضفة الغربية بمستوطناتها اليهودية الكبيرة تشبه إلى حد كبير ايرلندا في القرن السابع عشر بعد طرد الكاثوليك، وهي نقطة أوضحتها لجمهور بجانب نهر لاجان.

وإليكم بعض من أسئلة الجمهور.هل يمكن إرغام إسرائيل على الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي 242؟ الجواب: لا. هل لبنان الآن في خطر أكبر مما كان عليه قبل الحرب الأخيرة؟ الجواب: نعم. هل بلير هو كلب بوش المدلل حقاً فيما يتعلق بالشرق الأوسط؟ الجواب: نعم.

كيف يمكن ل«الإيمان» أن يساعد في تحقيق السلام بين شعوب الشرق الأوسط من «نسل إبراهيم»(مبادرة جون بول الثاني)؟ وبالطبع ما هو التأثير الحقيقي لاقتباسات البابا بنديكت عن أحد أباطرة القسطنطينية من القرون الوسطى؟ الجواب: إن البابا بنديكت ـ وهو ليس المفضل لدي ـ ذكي إلى حد بعيد كي لا يلاحظ تأثير هذه التصريحات البغيضة ـ وبعبارات هذا العصر ـ الاستفزازية بشأن العنف والنبي محمد.

كل ذلك ـ علي أن أضيف ـ جاء قبل أيام من قرار بنديكت إخلاء الأعراف وإرسال مقيميها إلى سكن أكثر رحابة في الجنة لأن الانهيار البطيء للكنيسة المسيحية في الغرب يعني أن عليها هي الأخرى الانتقال إلى حالة من النسيان.وتم عرض قضية «الإيمان» في اجتماع كبير ـ يتألف من الشباب بصورة رئيسية ـ في دير كلونارد في فولز،

والتي من الواضح أن تدينها يثير ذعر «شخص علماني» مثلي. كنت أتحدث عن شرور الحرب ولاأخلاقية «التدخل الإنساني المسلح» وجاء السؤال من الأب جيري رينولدز، وهو يشكل بنفسه مؤسسة في بلفاست. لقد تذكرت أن والدي ـ عندما كان يشارف على الموت ـ أخبرني بأنه لا يخشى «الرحيل»، ولكنني أنا أخشاه «لأنك تفتقر إلى الإيمان»، ولكني أخبرت الجمهور بأننا كغربيين (باستثناء الأب رينولدز) فقدنا إيماننا بشكل كبير ، بينما لم يفقد العالم الإسلامي إيمانه.

السؤال الذي كان يتكرر في بلفاست هو:هل بإمكاننا إرغام قادتنا على وقف الحروب؟ لا أعرف الجواب، ولكن أعجبتني الملاحظة التي أبدتها الكاتبة الكندية مارغريت أتوود في روايتها الأخيرة الفوضى الأخلاقية: «ليس بإمكانك تولي دفة القيادة، إن لم يكن هناك من يتبعك». هل تلك هي طريقة التعامل مع زعيم كوت العمارة وأصدقائه؟

بالفعل، لو أن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو قال في وقت أبكر بقليل أنه يرغب في أن تنزع النساء الحجاب في «حجرة عملياته الجراحية» البرلمانية، لكنت قد طعنته بسكين الإيمان في الدير. الله وحده يعلم بما سيطالب في جراحته المقبلة. نزع غطاء الرأس عن جميع الراهبات الكاثوليكيات؟ أو الشعر المستعار الذي تضعه النساء اليهوديات الأرثوذكسيات؟ لا أستطيع أن أنفك عن هذا التفكير، على الرغم من ذلك، لو لم يكن الأمر يتعلق بجاك سترو، لما وصل إرهاب الإسلام إلى ما هو عليه الآن.

روبرت فيسك

ترجمة: كوثر علي

عن «إندبندنت»