أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية حوارا مطولا مع بوب وودوارد مساعد مدير تحرير صحيفة «واشنطن بوست» حول أصداء كتابه «حالة إنكار» الصادر مؤخرا والذي تركز حول سياسات إدارة بوش في أعقاب غزو العراق.
حيث أوضح أن كتابه استغرق عامين ونصف العام من الجهود المكثفة في إجراء المقابلات مع كبار المسؤولين الأميركيين والأبحاث والدراسات حول الوضع في العراق الذي يحمل النذر المثير للانزعاج مع اقترابه من الوضع في فيتنام قبل الهزيمة الأميركية هناك، وشدد على أن الصورة التي سيظهر بها الرئيس الأميركي جورج بوش في التاريخ ستكون أبعد ما تكون عن صورة القائد الكبير الذي كان على مستوى المواقف التاريخية الكبرى. وفيما يلي نص المقابلة:
* كم من الوقت استغرق إكمال الأبحاث التي اقتضاها كتابك « حالة إنكار»؟
ـ استغرق ذلك عامين ونصف العام. وقد قمت بإجراء مقابلات مع عدة مئات من المسؤولين، بمن في ذلك شخصيات قيادية في البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية الأميركية ووكالات المخابرات المختلفة.
وقد أجريت مقابلات مع الكثيرين منهم مرات عدة، حيث أجريت مقابلات مسجلة مع دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ومع الكثير من المسؤولين البارزين حول الخلفية العامة للأحداث. وأقر أندي كارد كبير موظفي البيت الأبيض السابق باجراء مقابلات مكثفة معه.
* الصورة التي رسمتها للرئيس بوش في هذا الكتاب تختلف عن تلك التي رسمتها في كتبك السابقة من حيث أنها أقل إشادة به من الكتب السابقة.
ـ الأمر ليس كذلك بالفعل، فلو أنك رجعت إلى تلك الكتب وقرأتها لوجدت أن هناك مشاهد لا يريد فيها سماع الشكوك التي كانت تساور الناس. ولكن كتابي «بوش محاربا» و«خطة الهجوم» يغطيان ظروفا مختلفة تماما. فحتى جون كيري الذي خاض الانتخابات ضد بوش في السباق الرئاسي يقر بأن بوش أدى عمله بصورة جيدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
* ولكن الفارق في التوجه العام واضح للغاية في كتابك الصادر حديثا.
ـ هناك ثلاث قضايا متمايزة إحداها عن الأخرى وإن كانت مترابطة للغاية في الكتب الثلاثة. القضية الأولى التي تدور حول القرار الخاص بما يتعين القيام به في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والثانية تصف قرار خوض الحرب في العراق. أما كتاب «حالة إنكار» فإنه يغطي الأعوام الثلاثة ونصف العام في أعقاب الغزو. وأنا أحاول الكتابة بصورة دقيقة حول موضوعة التاريخ هذا وما حدث في الحكومة على وجه الدقة في هذا الصدد.
* كتاب «حالة إنكار» هو اتهام قوي. هل ينكر الرئيس بوش الواقع حقا؟
ـ نعم. إنه عنوان قوي، وقد كان المحررون في دار سيمون وشوستر وفي «واشنطن بوست» يشعرون بقلق حياله، ثم قرأوا الكتاب وقالوا إنه يبرهن على ما يجري في الواقع. وسأضرب مثلا محددا في هذا الصدد، فلقد كان جاي غارنر أول مسؤول مدني أميركي في العراق بعد الحرب. وفي يونيو 2003، أبلغ دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي بأن هناك ثلاثة قرارات مأساوية قد اتخذت وأنها، في رأيه، كان من الممكن التراجع عنها في ذلك الوقت.
وهي حل الجيش العراقي وتجاهل الطبقة القيادية العراقية والحظر واسع النطاق الذي فرض على الأعضاء السابقين في حزب البعث والذي يحول بينهم وبين المساهمة في الجهود المبذولة لإعادة بناء العراق. وقد نحى رامسفيلد هذا التحذير جانبا، وأبلغ غارنر بأن الأمور أصبحت ما هي عليه ولا مجال لتغييرها.
وعندما سألت وزير الدفاع الأميركي عن هذا منذ شهور عدة أشاد بغارنر، ولكنه قال إنه لا يمكنه أن يتذكر هذا التحذير إلا بصورة ضبابية وغامضة.
* هكذا فإن رامسفيلد والمسؤولين الآخرين ينكرون الحقيقة بصورة منتظمة.
ـ إنها حالة إنكار منهاجية. والتقدير الوارد في تقارير المخابرات السرية هو أن العنف والهجمات في العراق في سبيلها إلى التفاقم في 2007، في حين يخرج الرئيس الأميركي ليقول علنا ان الهجمات المسلحة تتراجع، وهو نقيض ما تفيده التقارير حقا.
وإذا عدت إلى الكتاب فإنك سترى حادثة إثر الأخرى تجسد هذا الاتجاه. وفي نهاية عام 2003 كان المسؤولون في المخابرات ـ باستخدام التعريف المستخدم في البنتاغون ـ يقولون بالفعل ان هناك حرب أنصار في العراق. وقد أنكر رامسفيلد والرئيس بوش ذلك، معربين عن قلقهما من أن هذا التحليل يمكن أن يشق طريقه إلى صفحات جريدة «نيويورك تايمز».
* يبرز منتقدوك الآن ويقولون إنك كان يمكن أن تكشف كل هذه المعلومات في وقت أكثر تبكيرا بكثير من هذا.
ـ لا. المشكلة هي أنه في حالة كتاب كهذا فإنك تضطر إلى الحصول على المعلومات ومراكمتها من المصادر ثم انك تريد الحصول على ردود أفعال حيالها. وأنا لم أعلم بالمادة التي أوردتها حول جاي غارنر إلا بعد أن اتخذ قراره في العام الماضي بعدم تأليف كتاب خاص به. وقد أردت الحصول على تعقيب رامسفيلد على ما قاله غارنر، ولكن المقابلة مع وزير الدفاع الأميركي لم يتم إجراؤها إلا في يوليو الماضي. فأنت ترغب في أن تكون الصورة كاملة بقدر الإمكان.
* إذن فقد عمد البيت الأبيض إلى التزام الصمت؟
ـ نعم، لقد قدمت إلى المسؤولين فيه ملاحظات عن اجتماعات عقدتها سرا وقلت : «هل هذا صحيح؟ هل تريدون إضافة أي شيء؟ هل هناك ما هو خطأ في هذا؟». واكتفوا بإبداء عدم رغبتهم في الرد.
* لا بد أن هذا أمر مألوف لك، فالمعلومات لا تقول الحقيقة في الكثير من الأحيان للصحافيين.
ـ ليس هذا أمرا متعلقا بفضيحة صغيرة، وإنما نحن نتحدث عن حرب حيث يوجد هنا 147 ألف جندي على خط النار. وقد صدمت ودهشت حيال التضارب الواضح والمتكرر بين ما تفيده التقارير السرية وبين ما يقوله المسؤولون الأميركيون في العلن.
* هل يمكن للمرء أن يقارن الموقف في العراق اليوم بحرب فيتنام؟
ـ هناك الكثير من أوجه الشبه التي تدعو للانزعاج. ويتعين علينا الانتظار لرؤية ما سيكون عليه الوضع. إن ما لا يفعله الكتاب هو التنبؤ بنتيجة ما. وأنا أكثر تفاؤلا من معظم الناس . وآمل حقا أننا سنجد مخرجا للعودة بهذا الموقف والتراجع عن وضعية الخطوات.
* ما الذي يمكن للرئيس بوش وينبغي عليه القيام به؟
ـ لست أدري. هذا أمر يتعين أن يناقشه ويعالجه أحد غيري.
* في وقت سابق اعتبرت أن هناك إمكانية لأن يصبح بوش رئيسا عظيما وأن يعترف التاريخ بمنجزاته. كيف تنظر إلى ذلك اليوم؟
ـ القدر الكاسح من المعلومات المتوافر لنا حتى الآن لا يشير إلى ذلك. ولكن الأمور يمكن النظر إليها من خلال عدسات التاريخ بصورة مختلفة تماما. ومن هنا فإنني لن أقوم بطرح تنبؤات بهذا الصدد. وخلال مقابلتنا الأخيرة التي أجريت من أجل كتاب «خطة هجوم» سألت بوش: كيف تعتقد أن التاريخ سيحكم عليك؟ وقد قال إننا لن نعرف ذلك، فبحلول وقت معرفتنا لذلك سنكون قد أصبحنا في عداد الموتى.
* هل لا يزال من الممكن بالنسبة للأميركيين أن يثقوا بهذا الرئيس؟
ـ لسوف يتعين عليهم أن يحكموا على ذلك بأنفسهم. ولكن السؤال الأكثر بروزا الذي لن أجيب عنه هو (هل لا يزال الرئيس بوش يحظى بالسلطة الأخلاقية؟) .
