ما أشبه اليوم بالأمس! إنها عبارة تنطبق بالفعل على ما ذهب إليه الريس في هذه الحلقة من سرد وتحليل لعناصر التشابه والاختلاف بين العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر في عام 1956 والعدوان الأميركي ـ البريطاني على العراق في عام 2003. فهاتان الحربان تم شنهما بذرائع مختلقة وتبريرات ملفقة بهدف إقناع الرأي العام بمشروعيتهما، وكلتاهما عملتا على إحداث شرخ في الأمم المتحدة بين الدول المعارضة والمؤيدة.
غير أن عنصر الاختلاف الأبرز بينهما قد يكون في أن حرب السويس كانت قصيرة وانتهت لأول مرة بانتصار للعرب بعد سلسلة من الهزائم بينما الحرب الجارية في العراق لا أحد يمكنه معرفة متى تنتهي ولا كيف ستنتهي، ومن هو الطرف الذي سيخرج منها منتصراً.
بعد نصف قرن ما زال المصريون والعرب يتذكرون «العدوان الثلاثي» على قناة السويس، الذي قامت به القوتان الاستعماريتان في ذلك العصر: بريطانيا وفرنسا، بالتحالف مع إسرائيل وبتحريض منها، وكان ثاني أقصر نزاع عسكري في تاريخ الشرق الأوسط الحديث (كان النزاع الأقصر حرب يونيو 1967 فيما بعد).
ومع أنه ترك أبشع طعم بالمرارة في ذاكرته، فقد ترك لمصر في الوقت نفسه، أمجاداً وطنية وبطولات رائعة أعادت لذلك الشعب الكثير من الكرامة التي كان قد فقدها في سنوات سابقة من الحكم الملكي والوصاية الاستعمارية البريطانية. كان ذلك نتيجة لمؤامرة حرب فاشلة، وكانت بداية أفول الكولونيالية القديمة.
غزت بريطانيا دولة عربية كان يحكمها رجل وصفه رئيس وزرائها بأنه ديكتاتور يشبه هتلر. هذا الرجل كان يدعم الإرهاب، بقدر ما كان يهدد المصالح الحيوية الغربية في الشرق الأوسط. كان ذلك قبل نصف قرن تماماً، عندما قام أنتوني إيدن بالرد على قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.
هذا العمل يشبه تماماً ما فعله خليفته توني بلير، بعد خمسين سنة، بغزوه دولة عربية أخرى، هي العراق بتهم مماثلة. في مصر عبد الناصر قامت بريطانيا بغزو مصر من دون علم ودعم أميركا. في عراق صدام حسين قامت بريطانيا بغزو العراق تحت جناح أميركا وبموافقتها. وكانت الحجج الاتهامية للغزو مماثلة لكلا البلدين: الديكتاتورية، تهديد المصالح الغربية، الإرهاب.
يا لها من مفارقة! كان إيدن، الذي خدم في حكومة ونستون تشرشل وزيراً لخارجية بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، يشبّه عبد الناصر دائماً بهتلر.
كما كان يفعل غيره من زعماء بريطانيا (هيو غيتسكيل زعيم حزب العمال مثلاً). كان إيدن ورفاقه من الجيل الذي عرف وعانى من هتلر في ألمانيا النازية وموسوليني في إيطاليا الفاشية. إلا أن بلير الذي ينتمي إلى حقبة أخرى من التاريخ، استعار بعد نحو خمسة عقود، هتلر من خزانة الأشباح في متحف إيدن ليقارنه بصدام حسين عندما غزا العراق.
عار ميونيخ
كان إيدن يصف للرئيس الأميركي أيزنهاور الوضع في البلاد عند بدء أزمة السويس، بأنه مقلق وأنه «أشد خطراً على البلاد منذ العام 1940». كان إيدن لا يطيق أن يتذكر «عار ميونيخ»، عندما هادنت حكومة بريطانيا بزعامة نيفيل تشامبرلين، النازيين، في لقاء مع هتلر في ميونيخ في منتصف الثلاثينات. مما اضطر إيدن للاستقالة منها في العام 1938. وأدّت هذه المهادنة إلى توسع هتلر في شرق أوروبا، وإلى الحرب العالمية الثانية، التي تلت ذلك.
وإذا ببلير، بعد نحو خمسين سنة، يستعير من خزانة إيدن مجدداً شبح «عار ميونيخ»، ليقول قبل أيام من غزو العراق إن بريطانيا ستواجه «كابوساً مرعباً» لا تستطيع تحمله إذا هادنت صدام حسين. يا للتشابه!
وخضع بلير، كما خضع إيدن من قبله، إلى قراءة مغلوطة للتاريخ، عادة ما تصيب القادة السياسيين في أوقات الأزمات.
ونتيجة لهذه القراءة المغلوطة أصرّا على الاستمرار بمغامراتهما العسكرية، فقد أخفى كل من إيدن وبلير عن زملائهما في الحكومة، حقيقة ما كان يعد له ويجري في كل من مصر والعراق. إيدن أخفى عن وزرائه تواطؤه مع فرنسا وإسرائيل في العمليات العسكرية ضد مصر لإسقاط نظام عبد الناصر.
وبلير أخفى عن وزرائه وعن نواب حزبه ما كان قد اتفق عليه مسبقاً بصفته الشخصية مع الرئيس الأميركي جورج بوش، بأنه سيشارك مع القوات الأميركية في غزو العراق، من قبل أن يستشير زملاءه ومضللاً مجلس العموم. وإيدن وبلير، أقنعا نفسيهما بالاعتماد على معلومات استخبارية «ملعوب فيها» غير موثقة وغير مقنعة.
كانت الآراء في أوساط الحكومة البريطانية في «الوايتهول» أن غزو مصر كان خطأ، لا مبرر قانونياً له. يضاف إلى ذلك خديعة التواطؤ التي لم تكن معروفة عند الغزو في حينه. وهذا ما سبب مزيداً من القلق والتجاذب في تلك الأوساط، إضافة إلى التعتيم الذي كان قد فرضه إيدن على السياسيين وكبار المسؤولين الحكوميين.
إلى درجة أن وزارة الخارجية البريطانية كانت شبه معطلة في أحرج الأوقات. وكان هارولد بيلي، كبير الدبلوماسيين في وزارة الخارجية وأول سفير لبريطانيا في مصر بعد عودة العلاقات عند انتهاء أزمة السويس، يقول: «إن مجرد الفكرة باتخاذ قرار بهذه الخطورة والأهمية (أي غزو مصر) من دون الاستعانة بآراء محامين في القانون الدولي، وخبراء في شؤون الشرق الأوسط، كان أمراً فظيعاً وغير عادي».
اجتماعات سيفر
ويقول دونالد لوغان، سكرتير سلوين لويد الذي حضر اجتماعات «سيفر» السرية، إن إيدن كان يعقد الاجتماعات مع مجموعة صغيرة محيطة به من دون تسجيل أي محاضر. وكانت هذه المجموعة المحيطة بإيدن كلها تؤمن بأن عبد الناصر هو هتلر آخر يجب إيقافه. وسيقت اتهامات مماثلة ضد بلير في بدء الحرب على العراق من قبل اللورد بتلر، المسؤول الحكومي الذي كُلّف التحقيق في صحة تقارير المخابرات البريطانية عن العراق، التي كانت تقدم لبلير.
وللمقارنة مجدداً، اصطدمت حكومة بلير بهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي.) في العام 2003، كما اصطدمت بها حكومة إيدن في العام 1956. وفي كلتا الحالتين حاولت الحكومة الضغط على الإذاعة البريطانية لوقف تغطية الأخبار والتعليقات والأحاديث المنتقدة لسياسة الحكومة.
وحاولت إصدار قانون يعطل استقلالية الإذاعة، لكنها فشلت كسابقتها من قبل. وكان اللورد مونتباتن، أمير البحر وقائد البحرية البريطانية السابق، وابن عم إليزابيت، ملكة بريطانيا (الذي اغتاله جيش التحرير الإيرلندني في السبعينات) يقول تعليقاً على حرب السويس في العام 1956 «لا يمكنك محاربة الأفكار بواسطة الجيوش والسلاح».
كذلك كان اللورد بويس، رئيس هيئة أركان الحرب البريطانية يبدي قلقه معلناً في معرض تعليقه على حرب العراق في العام 2003، لعدم شرعية الغزو البريطاني للعراق والفشل التام في الاستعداد لما ستؤدي إليه نتائج هذه الحرب. وإذا كانت كل من حرب السويس وحرب العراق قد أدتا إلى إشكالات ضخمة في الرأي العام المحلي والعالمي، فقد أدّتا أيضاً إلى انقلاب خطير في عالم المخابرات وجمع المعلومات.
فالمخابرات البريطانية (إم آي 6) اصطدمت بشخص مديرها عندما طلب إيدن منه السعي إلى إسقاط عبد الناصر ونظامه. وكذلك اصطدم بلير بعد نصف قرن بالمخابرات البريطانية ذاتها عندما طلب منها تأكيد وجود أسلحة دمار شامل في العراق. ونتيجة للأزمتين، ازداد التواصل والتقارب والتنسيق مع المخابرات الأميركية.
قبل خمسين سنة كانت واشنطن تعارض التدخل العسكري، وهذا ما علّم الحكومة البريطانية درساً. وعندما خلف هارولد مكميلان أنتوني إيدن في رئاسة الوزراء، قاد بريطانيا إلى علاقات ثنائية خاصة مع أميركا وحلف دفاعي واضح مشترك. وعندما جاء توني بلير إلى الحكم، وأزف موعد حرب العراق، استغل بلير هذه العلاقة من دون أي تساؤل أو تردد، للدخول على حصان أبيض مع واشنطن إلى بغداد.
يا للمفارقة!
كيف كان المشهد السياسي قبل أزمة السويس وخلالها وبعدها؟
في مصر ، كان البريطانيون قد أصبحوا مكروهين إلى درجة كبيرة بسبب تصرفاتهم العنصرية الرعناء، حتى إن ونستون تشرشل، الاستعماري الأول ورجل الإمبراطورية (الذي استقال في العام 1951 وسلّم الحكومة إلى أنتوني إيدن) أخذ يشعر في العام 1951 بأنه لم يعد من الممكن مقاومة المدّ الوطني المعادي للاستعمار، عندما تكوّنت مقاومة مصرية مسلحة أخذت تهاجم القوات البريطانية ومعسكراتها في منطقة قناة السويس.
وما إن مرّت أربع سنوات على قيام الثورة المصرية، حتى كانت القوات البريطانية قد جلت عن منطقة القناة وعموم مصر في يونيو 1956. وعلى الرغم من ذلك لم تتحسن العلاقات المصرية ـ البريطانية.
من جهة ثانية، كان جمال عبد الناصر مهموماً بتدبير تمويل بناء السد العالي بعدما سحبت الولايات المتحدة يدها منه. وبينما كان موضوع السد أساسياً في مشروعات عبد الناصر لتحديث مصر، كان رأي جون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأميركي، أن مشروع السد سيشكل عبئاً مالياً كبيراً على اقتصاد مصر لا تستطيع تحمله.
كانت هذه صورة الأوضاع قبل الحرب، أما بعدها فتغيّرت الصورة كلياً. خرج عبد الناصر من أزمة السويس منتصراً. قبل الحرب كان نظامه يواجه معارضة عنيفة داخل مصر، من الأخوان المسلمين ومن الشيوعيين إلى جانب الطبقة السياسية الحاكمة في العهد الملكي، وغيرها من التنظيمات الصغيرة المعارضة الأخرى.
بعد الحرب سقطت هذه المعارضات كلها لأنه أصبح البطل الوطني الذي استطاع «أن يشد الأسد البريطاني من ذيله». واتسعت شعبيته في العالم العربي كله. وأصبح رائد القومية العربية وأسد العروبة وبطل حركات التحرر في العالم الثالث.
ودفع انتصار السويس عبد الناصر إلى خوض مغامرات عدة، بدءاً بالوحدة بين مصر وسوريا وإرسال قوات عسكرية مصرية إلى اليمن لدعم ثورة الجمهوريين هناك ضد الملكيين، وإرسال قوات إلى الكويت للتصدي لتهديدات عبد الكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق، وقوات أخرى إلى الكونغو لدعم ثورة لومومبا. وساقه نجاح تأميم القناة إلى تأميم الصناعة في مصر والاستيلاء على الشركات الكبرى.
وألهمت سياسات ومواقف عبد الناصر هذه العديد من الزعماء العرب الذين قاموا بتقليد زعامته ومؤسسات حكمه، من التأميم إلى المخابرات. ولم يوقف صعود عبد الناصر ونجاحاته إلا هزيمة حرب 1967 أمام إسرائيل. فانقلبت الأوضاع، وخفّ وهج الناصرية، إنما بقي هو في الذاكرة العربية إلى اليوم.
لكن النصر الذي حققه عبد الناصر في السويس لم يكن وليد عبقرية رجل عربي فذ، بقدر ما كان أيضاً «سوء إدارة» تدخّل قوى أوروبية كبرى هرمت ولم تعرف كيف تقرأ متغيرات التاريخ في الشرق الأوسط.
في بريطانيا ، كان المجتمع إبان أزمة السويس منقسماً على نفسه في العام 1956 انقساماً لم يشهده من قبل في قضية تتعلق بالسياسة الخارجية. وعاد هذا الانقسام وتكرر في العام 2003 في قضية غزو العراق. كان العالم في العام 1956، يختلف كلياً، بل جذرياً، عما صار عليه بعد خمسين سنة.
كانت ذكريات الحرب العالمية الثانية ما زالت ماثلة للأذهان، والمستعمرات البريطانية العديدة لم تنتفض كلها بعد، وحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا ما زالت طرية العود، ما عدا الهند، التي لم يكن بعد قد مرّ على استقلالها عشر سنوات. كان هناك شعور «رباني» لدى معظم البريطانيين بأن لبريطانيا حقاً في خيرات مستعمراتها.
كان البريطانيون لا يثقون بعبد الناصر. لذلك سحبت بريطانيا عرضها المشاركة في تمويل السد العالي، بتشجيع من دالاس الذي اقترح أن يموله الروس الذين كانوا ينتظرون هذه الفرصة إذا انسحب الغرب. إلا أن بريطانيا لم تحسب حساب رد فعل عبد الناصر الفوري، وهو تأميم قناة السويس، لاستخدام مداخيل القناة في بناء السد، واستبدال هذه المداخيل عوضاً عن القرض الأميركي - البريطاني الموعود.
وأدركت بريطانيا بعد الحرب أنه لا يمكنها أن تقوم بعد الآن بأي عمل حربي من دون دعم أميركا وموافقتها. وكانت حرب جزر الفوكلاند ضد الأرجنتين التي شنتها مارغريت تاتشر رئيسة الحكومة البريطانية في العام 1982، بدعم من الرئيس الأميركي رونالد ريغان، نوعاً من الانتقام لحرب السويس قبل 26 سنة. وعندما أزف موعد غزو العراق، لم يكن أمام توني بلير إلا اللحاق بجورج بوش. وسيبقى كل سياسي بريطاني بعده لاعباً ثانوياً يلهث وراء اللاعب الأميركي.
في فرنسا كان المشهد مختلفاً. فردود الفعل الفرنسية كانت عنيفة أيضاً، إنما لأسباب مختلفة. أولها أن لفرنسا حصة أساسية في شركة قناة السويس التي كان مركزها الرئيسي باريس، ويديرها فرنسيون من الإسماعيلية. ثانيها، أن فرنسا كانت تخوض حرباً استعمارية صعبة في الجزائر، بعد استعمار دام 130 سنة، وأن حكومة جي موليه الاشتراكية كانت مصممة على القضاء على الثورة الجزائرية هناك، بزعامة جبهة التحرير الوطنية الجزائرية بكل ما تملك الجمهورية الرابعة من قوة.
وبلغ عدد القوات الفرنسية التي كانت تحارب في الجزائر في صيف 1956، 400 ألف عسكري. وكان عبد الناصر يدعم ثورة الجزائر بالمال والسلاح والخبرات. لذلك كان الفرنسيون، كالبريطانيين، راغبين بالتخلص من عبد الناصر. ومن هنا بدأ التنسيق العسكري بين بريطانيا وفرنسا لإعداد خطة لغزو مصر عن طريق القناة.
عندما توقف القتال، استنتجت فرنسا دروساً واضحة، أهمها أنها لا يمكنها الاعتماد على بريطانيا أبداً لأن بريطانيا «جحودة»، على الرغم من كونها أكبر قوة أوروبية في حينه. كما أدركت فرنسا أيضاً أن بريطانيا تضع «العلاقات الخاصة» التي تربطها بأميركا، فوق كل المصالح الأوروبية. أما أميركا بالنسبة إلى فرنسا، فهي بلد مزعج بضخامته وغير جدير بالثقة. لذلك كان على فرنسا أن تتطلع إلى أمكنة أخرى بحثاً عن حلفاء موثوقين.
وهذا النوع من الحلفاء لا يتوفر بسهولة. لذلك أبعدت فرنسا بريطانيا التي كانت تصفها بأنها «حصان طروادة الأميركي» عن «معاهدة روما» التي وقعت في العام 1957، بعد عام واحد من أزمة السويس. وبقيت لندن معزولة عن أوروبا حتى العام 1973، عندما وضعت قدمها داخل الاتحاد الأوروبي.
ولم يكن مستغرباً عندما جاء العام 2003، أن تؤدي فرنسا في حرب العراق دور أميركا في حرب السويس عام 1956 ، وإن لم يكن جاك شيراك في قوة دوايت أيزنهاور في إيقاف الحرب بالضربة القاضية.
في الولايات المتحدة، كان للمشهد منحى آخر. فقد قابلت إدارة أيزنهاور الاستعدادات البريطانية - الفرنسية بشيء من الاستخفاف والتردد، وخاصة أن أميركا كانت منذ بدء أزمة السويس تعارض استعمال القوة العسكرية لحلفائها ضد مصر. وكان محط اهتمام أيزنهاور انتخابات الرئاسة في نوفمبر 1956، إذ كان مرشحاً لها لدورة ثانية.
وكان يطمح إلى الفوز فيها كـ «رئيس سلام». وكان أيزنهاور يعلم علم اليقين أن الناخبين الأميركيين لن يصوتوا له إذا أخذهم إلى مغامرة حرب خارجية لا مصلحة أميركية فيها، وحيث يمكن أن يقتل فيها جنود أميركيون.
وكان أيزنهاور أيضاً من رعيل الجيل الأميركي الذي نشأ بحكم تربيته في أجواء معادية للاستعمار التي كانت منتشرة في ثقافة أميركا في مطلع القرن العشرين، ومعادية لمؤسسات الاستعمار بعدما تحررت هي في حرب استقلالها من الاستعمار البريطاني.
ومن الأسباب الأخرى لموقف أيزنهاور، خوفه من انتشار الحرب الباردة الجديدة في بلدان العالم العربي وآسيا وأفريقيا إذا استمرت بريطانيا وفرنسا بتهديد مصر، وبالتالي دفعهم نحو المعسكر الشيوعي. لذلك، عمد أيزنهاور ودالاس إلى إلهاء الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا وفرنسا بالطبع، بدعوتها إلى عدد من المؤتمرات حول أزمة السويس التي لا طائل تحتها، وتحت مسميات عديدة، في محاولة لإضاعة الوقت وسحب البساط من تحت بريطانيا وفرنسا لتأخير القيام بعمل عسكري.
وعطلت مناورات الديبلوماسية الأميركية من اندفاع الحرب عند وقوعها. وكان أيزنهاور قد صُدم عندما بلغه أن إيدن لا يريد فقط أن يستعيد القناة ويلغي حالة التأميم، بل يريد أيضاً القضاء على عبد الناصر وإسقاط نظامه. وطرحت في الذهن الأميركي - ربما للمرة الأولى- فكرة تغيير الأنظمة في العالم الثالث.
ضربة أيزنهاور
عندما وقعت الحرب كان أيزنهاور آخر من يعلم بتواطؤ بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل. وشعر بأن هناك مَنْ خانه بين حلفائه. وعلّق أمام مساعديه بقوله: «إنني لم أرَ قوى عظمى تفشل بهذا الشكل في أمر كهذا».
وقرر أيزنهاور أن يضع حداً لهذا العمل. وضربت أميركا ضربتها موجهة إياها إلى اقتصاد بريطانيا الضعيف وعملتها المهزوزة في حينه، عندما منعت واشنطن صندوق النقد الدولي من إعطاء قرض مستعجل إلى بريطانيا، ما لم توقف الأخيرة التدخل العسكري فوراً ضد مصر وتستدعِي قواتها من السويس.
فما كان من بريطانيا، وهي تواجه إفلاس خزانتها وانهيار عملتها، إلا أن قبلت فوراً بوقف الحرب. وفي 7 نوفمبر استسلم إيدن لمطالب أميركا تاركاً قواته معلقة في منتصف الطريق بين سيناء والقناة. وغضب الفرنسيون لهذا القرار، واحتجّوا، إلا أنهم عادوا واستسلموا لأن القيادة العسكرية للعمليات كانت لبريطانيا.
ربح أيزنهاور انتخابات الرئاسة. وأكدت أزمة السويس حجم أميركا كقوة عظمى لا تجارى، لا ينافسها في حينه إلا الاتحاد السوفييتي. وكانت السويس أيضاً آخر أزمة حرب أو سياسة تقف فيها الولايات المتحدة ضد إسرائيل وتتخذ موقفاً شبه عدائي منها، على طول امتداد أزمات الشرق الأوسط، كبيرها وصغيرها.
عند هذا المفترق أصبحت الولايات المتحدة هي القوة الفاعلة المسيطرة في الشرق الأوسط، معززة علاقاتها مع إسرائيل وإيران والسعودية. وفي يناير من العام 1957 أعلن عن «مبدأ أيزنهاور» الذي أفصح عن استعداد أميركا لمساعدة أي بلد يواجه اعتداء أو خطراً شيوعياً. وفي العام 1958 طبق مبدأ أيزنهاور عندما تمَّ إنزال قوات أميركية في لبنان في عهد الرئيس كميل شمعون، لحماية الدولة اللبنانية الموالية للغرب.
في إسرائيل كانت هناك عدة مشاهد، أولها أن إسرائيل حققت أهدافها رغم إرغامها على الانسحاب من سيناء في العام 1957. فبعد حرب السويس، ونتيجة لها، جرى وضع قوات دولية على الحدود في سيناء بين إسرائيل ومصر، التي شكلت نوعاً من الحماية لحدود إسرائيل وتعريفاً لها، وظلت هذه القوات الأممية هناك حتى ارتكب عبد الناصر غلطته التاريخية الفادحة عندما طلب سحبها في العام 1967، مما أدى إلى هزيمته في الحرب التي تبعتها.
واستفادت إسرائيل من فترة السنوات العشر التي مرت بين 1957 و1967، فعملت على استيعاب مليون مهاجر يهودي جديد. وبنت قواتها المسلحة بما في ذلك سلاحها النووي، واستبدلت حليفتها فرنسا، بحليف أهم وأقوى وأبقى هو الولايات المتحدة. وأصبح هناك أمر واقع جديد شرحه مؤرخ آخر بقوله، إنه «وضع غير مستقر في حالة سريعة الاشتعال إلى درجة أن أي «عود كبريت» قد يفجرها».
هكذا كانت الأوضاع نتيجة للعدوان الثلاثي والتواطؤ المشترك بين الدول الثلاث، التي جعلت من إسرائيل أداة للاستعمار ووسيلة للاعتداء وجسراً لخدمة المصالح السياسية الأجنبية في الشرق الأوسط.
وظلت عملية التواطؤ الثلاثي على مصر في حرب السويس تعيش في الذاكرة العربية، فحتى عندما وقعت حرب 1967، الأقصر زمناً من حرب السويس، سارعت الدول العربية إلى اتهام كل من بريطانيا وفرنسا بأنها تحارب مع القوات الإسرائيلية. وعندما نفت الدول المعنية هذا الأمر بشكل قاطع، لم يصدقها أحد من العرب. فقد كانت «الكذبة الكبرى» التي جرى استخدامها في حرب السويس، ما زالت ماثلة في الذاكرة العربية - وستبقى إلى أمد طويل.
أما المشهد في الأمم المتحدة، فكان مختلفاً جداً عما سبقه وما تلاه في الخمسين سنة الأخيرة. ولعبت أميركا في هذا المشهد دوراً أساسياً في تاريخ الأمم المتحدة، عندما تقدمت بقرار إلى الجمعية العامة في الثاني من نوفمبر 1956 يدعو إلى وقف إطلاق النار وفاز بأغلبية 64 صوتاً مقابل اعتراض خمسة أصوات. وصوّت الاتحاد السوفييتي إلى جانب أميركا في هذا القرار.
وللتحايل على «الفيتو» الذي تملكه كل من بريطانيا وفرنسا داخل مجلس الأمن، دعت أميركا الجمعية العامة، لأول مرة في تاريخها، إلى اجتماع طارئ بدلاً من مجلس الأمن (حيث لا تملك أي دولة حق الفيتو في الجمعية العامة) لبحث اقتراح كندي يدعو إلى جمع قوات طوارئ وإرسالها إلى القناة لوقف إطلاق النار. وكانت هذه أول فرقة «قبعات زرق» للطوارئ تنفّذ مهمات حفظ السلام في مسيرة الأمم المتحدة.
تشير أزمة السويس، بعد نصف قرن من حدوثها، إلى نقص في تفسير التاريخ، قوامه أن الذين لا يستطيعون تذكر الماضي، محكومون بإعادته دائماً. وقد يكون هذا صحيحاً، لكن الأصح أن الذين يسيئون تفسير الماضي محكومون بعدم إتقان التعامل مع الحاضر.
