يروي لنا الريس في هذه الحلقة كيف اجتمعت أقطاب المؤامرة على مصر عبد الناصر بعد إعلانه تأميم قناة السويس، وهي كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ووقعت على اتفاق حمل اسم »سيفر« بهدف شن هجوم ثلاثي تبدأه إسرائيل على مصر، ثم يكشف لنا بعد ذلك أن الرئيس الأميركي آيزنهاور لم يكن راضياً عن الحرب بل إن موقفه بعدم منح قروض لبريطانيا قد ساهم في وقفها.

ولكن المهم هنا هو ما أسفرت عنه الحرب من شعور مصري وعربي بالانتصار واندحار للامبراطورية البريطانية وبروز شعور قومي عربي من المحيط إلى الخليج ينظر إلى عبد الناصر كبطل وزعيم قومي وحدوي.

تفترض بعض المصادر البريطانية والفرنسية وسواها، وخصوصاً وزارة الخارجية البريطانية التي فتحت معظم ما في خزائنها وأرشيفها من وثائق أمام الباحثين (بموجب القانون الذي يتيح الاطلاع على أوراق الدولة بعد 30 أو 50 سنة على تاريخ إيداعها)، أن سلوين لويد، وزير الخارجية البريطاني كان متضايقاً من تكليفه بمهمة تنظيم حملة اتصالات دبلوماسية مع الرئيس جمال عبد الناصر منذ تأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو لمنع تهديد مكانة بريطانيا ومصالحها في المنطقة، وعلى رأسها إمدادات النفط إلى أوروبا.

كل هذا في الوقت الذي كان فيه إيدن قد شن هجوما على عبد الناصر، فساعة يقارنه بهتلر وساعة أخرى يشبّهه بموسوليني.

كان مبعث الخوف لدى الغرب من الاستيلاء على قناة السويس هو أن تكون بداية حملة لطرد النفوذ الغربي كلياً والمصالح الغربية نهائياً من البلاد العربية. كما كان الخوف المعلن في الولايات المتحدة في سبتمبر، هو أن يؤدي نجاح تأميم القناة إلى قيام وحدة عربية بزعامة مصرية ورعاية سوفييتية. وكان هذا هو رأي الرئيس الأميركي الجمهوري دوايت أيزنهاور الذي كان يصرّح به. إلا أن الجنرال الأميركي وبطل الحرب العالمية الثانية، كان يريد تطويق هذه المخاوف الغربية بوسائل سياسية وبحلول سلمية لا بواسطة عمل عسكري.

الدعوة لحرب وقائية

في أواسط أكتوبر بدت الحرب وكأنها أمر لا مفر منه، بالدرجة الأولى بسبب التعنت الذي كان يمارسه التحالف بين فرنسا وإسرائيل، اللتين كانتا تدعوان إلى حرب وقائية على مصر، وخاصة إسرائيل التي تعرضت لسلسلة من المناوشات على الحدود المصرية ـ الإسرائيلية في الأشهر التي سبقت تأميم القناة.

أما غي موليه، رئيس وزراء فرنسا الاشتراكي، فقد كان مستقتلاً لإيقاف مصر عن دعم ومساعدة الثورة ضد فرنسا في الجزائر. وكانت الاتصالات الفرنسية ـ الإسرائيلية تتمّ عبر قنوات خلفية في باريس وتل أبيب، بواسطة وزير الدفاع الفرنسي موريس بورغيس ـ مونوري، أحد أبطال المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا، ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو، الذي سجن خلال الحرب العالمية الثانية في أحد المعتقلات النازية في بوشنوالد، وبحكم هذه الخلفية السياسية المعادية للنازية لكل من الرجلين، كان هذا التعاطف الفرنسي مع إسرائيل في حرب السويس.

أما بريطانيا، ولم يكن قد مرّ على انسحابها من فلسطين إلا ثماني سنوات، فكانت بالمقابل ترتاب كثيراً من أية علاقة بـإسرائيل، إلى درجة أنها كانت تعدّ لخطة هجومية على إسرائيل إذا شنّت هذه حرباً على الأردن.

وسط هذا التناقض في المواقف من إسرائيل بين الحميمية الفرنسية من جهة والبرود الإنجليزي من جهة ثانية، جاءت فرنسا لتقوم بدور »الخاطبة« التي قربت بين لندن وتل أبيب، لتربطهما في مصلحة واحدة ضد مصر عبر اتفاق »سيفر«.

وكان إيدن قد عقد اجتماعاً سرياً في 14 أكتوبر مع مبعوثين فرنسيين، شطبا اسميهما من دفتر الزوار في مقره الريفي في تشيكرز بأمر منه. ونبّه إيدن سكرتيره الخاص، غاي ميلارد، الذي حضر اللقاء، من تدوين ما دار في الاجتماع، محذراً بأن »لا داعي لذلك« ـ كما جاء في مذكراته.

وبعد ثمانية أيام من هذا اللقاء، وصل سلوين لويد إلى منزل في شارع »إمانويل جيرو« في باريس، كان يستعمل بيتاً سرياً في الحرب العالمية الثانية لإخفاء رجال المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، ليجد أن اجتماعاً قد بدأ بحضور ديفيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل وموشي ديان وزير الدفاع، اللذين كانا كلاهما يشككان بنوايا بريطانيا وسياستها.

ولفت نظر لويد أن ديان أخذ يرسم على ظهر علبة سجائر خطة غزو القناة. ويقول مورداخاي بار ـ أون، مساعد ديان، وأحد الباقين على قيد الحياة منذ ذلك الاجتماع، إن الوجوم قد خيّم على وجه لويد، وكأنه شعر بمغص حاد معتبراً أن المشهد كله كان بشعاً.

في 24 أكتوبر، عاد وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو إلى باريس من زيارة لإيدن في لندن، حيث وضع الفرقاء الثلاثة بروتوكولاً بالفرنسية طبع على الآلة الكاتبة في مطبخ البيت إياه.

وتتعهد إسرائيل بموجب هذا البروتوكول بالهجوم على مصر، وأن تتخذ بريطانيا وفرنسا هذا الهجوم ذريعة لغزو مصر تحت ستار فصل المتحاربين لحماية قناة السويس. وكان فصل المتحاربين يعني في هذا البروتوكول إسناداً ودعماً جوياً وبحرياً للقوات الإسرائيلية من بريطانيا وفرنسا أثناء هجوم إسرائيل على مصر.

وكان من المفترض أن تبقى وثيقة هذا الاتفاق »سرّية للغاية«، وقد وقّعها عن الجانب البريطاني باتريك دين، كبير موظفي الخارجية البريطانية في حينه، الذي وجد أن جو الاجتماع لم يكن ودياً بما فيه الكفاية. وما إن غادر الجانب البريطاني الاجتماع، حتى بدأت محادثات بين فرنسا وإسرائيل في البيت نفسه حول التعاون النووي بين البلدين.

عند عودة الوزير البريطاني إلى لندن، أمر إيدن بـإتلاف البروتوكول المكتوب، قبل أن يجف حبر التواقيع عليه، وأحرق نورمان بروك أمين عام الحكومة، النسخة البريطانية من الاتفاق، مع أوراق أخرى لها علاقة بالتآمر الثلاثي كيلا يبقى شيء يدين بريطانيا.

أحرق نورمان بروك هذه الأوراق في مدفأة »10 داونينغ ستريت« مقر رئاسة الوزارة البريطانية. وفي الوقت نفسه، أمر إيدن عضو الوفد البريطاني الذي جاء بنسخة البروتوكول الإنجليزية، بالعودة فوراً إلى باريس لإقناع الجانب الفرنسي بحرق النسخة العائدة لهم. لكن الفرنسيين تركوا الوفد البريطاني ينتظر لساعات طوال في غرفة الانتظار في »الكي دورسيه«، قبل أن يقابله بينو. واعتذر وزير الخارجية الفرنسي للبريطانيين عن إحراق نسخة بلاده من البروتوكول.

أما الجانب الإسرائيلي فكان قد غادر باريس عائداً إلى بلاده حاملاً نسخته من الاتفاق قبل وصول الدبلوماسيين البريطانيين. وعاد الوفد إلى لندن بخفّي حنين.

ولم يعد من الممكن الحفاظ على سرّ إيدن، فمنذ أن بدأت إسرائيل بالهجوم على صحراء سيناء في 29 أكتوبر حسب الجدول المتفق عليه، اعتبرت كل الأوساط السياسية المراقبة في العالم أن هذا الهجوم معدّ سلفاً، وأن التواطؤ بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل واضح جداً في العمليات العسكرية. حتى إن دبلوماسياً في السفارة البريطانية في واشنطن اتصل بلويد عشية بدء الهجوم، ليقول له إن »السي.آي.إي.« لديها معلومات مؤكدة عن هذا التواطؤ، وأنه، أي الدبلوماسي البريطاني، يحتاج إلى معلومات من وزيره لدحض تهمة التواطؤ لدى إدارة أيزنهاور الأميركية.

حتى إن أيزنهاور قال لوزير خارجيته جون فوستر دالاس، إن بريطانيا قد »خدعته«. في الوقت نفسه، حافظ لويد على موقفه في نفي تهمة التواطؤ عن رئيسه وحكومته في مجلس العموم. وكرر إيدن نفيه كاذباً في مجلس العموم، ليؤكد أن ليس هناك أي اتفاق مسبق مع فرنسا وإسرائيل للهجوم على مصر. وكان ذلك في 20 ديسمبر، آخر مرة يقف فيها إيدن في مجلس العموم، قبل أن يقدم استقالته.

اتفاق سيفر

ويقول بار ـ أون، مساعد ديان، الذي احتفظ بمذكرة تفصيلية عن اجتماعات »سيفر« والتي بقيت سرية لمدة 35 عاماً، احتراماً لموقف وذكرى إيدن، إن بن غوريون خصوصاً وإسرائيل عموماً، لا سبب لديهما للحفاظ على سرّية هذا الاتفاق. وكان بن غوريون يقول إن من مصلحة إسرائيل أن تعلن عن اتفاق سيفر وتنشر تفاصيل البروتوكول حتى لا تبدو وكأنها هي وحدها التي قامت بهذا الاعتداء.

إلا أن لوغان، سكرتير لويد إبّان الأزمة، حصل بعد سنوات عديدة على نسخة من إسرائيل عن بروتوكول »سيفر« وأودعه في الأرشيف الوطني البريطاني في منطقة »كيو« في لندن. وبذلك اكتملت وثائق مرحلة حرب السويس. وقد وصف أحد المؤرخين هذا الاتفاق بأنه »صورة عن انتهازية فرنسا، وتحايل بريطانيا، وهلع إسرائيل«.

ويروي أحد مؤرخي تلك الفترة، في إشارة إلى اختلاف السياسات والنتائج بين كل من بريطانيا وفرنسا، أنه في مصادفة عجيبة كان كونراد أديناور مستشار ألمانيا الغربية، في زيارة لباريس في 6 نوفمبر 1956، للتفاوض بشأن »معاهدة روما« التي أوجدت السوق الأوروبية المشتركة وأسست فيما بعد للاتحاد الأوروبي.

وبينما كان أديناور جالساً عند غي موليه، رئيس الحكومة الفرنسية، اتصل أنطوني إيدن رئيس الحكومة البريطانية هاتفياً بنظيره الفرنسي، ليبلغه أنه قرر التراجع عن استمرار الحرب في السويس وأنه وافق على وقف لإطلاق النار بناء على ضغط أميركي لم يستطع مقاومته، أدى إلى انهيار الجنيه الاسترليني، بعدما رفضت واشنطن إقراضه من صندوق النقد الدولي.

وصرخ أديناور عندما أبلغه موليه بما قاله إيدن: »لا وقت لنضيّعه. الآن هو وقت بناء أوروبا«. »أوروبا ستنتقم لكم«. وكانت لحظة تاريخية لا مثيل لها.

يقول كيث كايل، أحد أهم مؤرخي أزمة السويس، إن المشكلة في اجتماعات »سيفر« ليست في أنها كانت سرّية، والسرّية جزء من العمل الدبلوماسي، ولا لأنها كانت مع إسرائيل، ولإسرائيل قبول واسع في أوساط المعارضة الرسمية واليسار في العام 1956، ولا لأن الموقف السياسي الذي اتخذته قد فشل. بل المشكلة في سقوط الاتفاق وفشله يعود إلى سببين. الأول أن بريطانيا كانت العنصر الأساسي في الاعتداء بصفتها الأكبر والأهم.

والثاني أن الحكومة البريطانية كذبت على شعبها ونوابه وأحزابه ونقاباته إذ نفت التواطؤ، وزعمت أن دعوة القوات البريطانية إلى إعلان الحرب كانت دفاعاً عن مصالح بريطانيا، وقد تمَّ ذلك بالخديعة والمواربة والكذب حتى النهاية.

وضعت أزمة السويس قبل خمسين سنة، حدّاً فاصلاً بين عهدين. عهد انتهى وعهد بدأ لكل من بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. أما ما حدث نتيجة لذلك في العالم العربي فكان البركان الذي فجّر الانقلابات والثورات على الأنظمة الحاكمة وغيّر ما غيّر من تحالفات العرب مع دول العالم، أكثر مما غيّر من حكّامه. كانت أزمة السويس بداية نصف قرن من صراعات وحروب وغزوات واغتيالات أدت إلى الصورة التي نحن عليها اليوم.

خطاب عبد الناصر

حكمت بريطانيا مصر من العام 1882 إلى العام 1922، عندما مُنحت استقلالاً صورياً، استمرت بريطانيا من خلاله في حكم مصر وتقرير سياستها والحفاظ على قوات عسكرية في أراضيها، وخاصة في منطقة القناة، ودعم النظام الملكي، حتى قيام جمال عبد الناصر بثورته في 23 يوليو 1952.

ومَنْ يقرأ اليوم خطاب عبد الناصر في الإسكندرية الذي ألقاه يوم تأميم القناة في 26 يوليو 1956، يجد فيه وبعد كل هذه السنين، مطالعة تاريخية لماضي مصر ودور الاستعمار الأوروبي في ما آلت إليه أوضاعها من سوء عبر حكاية القناة، مردداً اسم المهندس الفرنسي فيرديناند ديلاسبس ثلاث عشرة مرة في خطابه، لا تذكيراً بأمجاده أو تكريماً له، بل كنوع من الإشارة المرمّزة إلى مَنْ كلفهم القيام بعمليات التأميم والسيطرة على منشآت القناة. وكان هذا اليوم التاريخي بداية النهاية المذلة لأكبر قوتين استعماريتين أوروبيتين هما بريطانيا وفرنسا.

وأخذت حجارة الإمبراطورية تنهار، حيث فقد أنطوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني مركزه واستقال. تفككت الجمهورية الرابعة في فرنسا وعبر منها الجنرال شارل ديغول إلى الجمهورية الخامسة.

كانت إشارات الانهيار واضحة حتى لغلاة الاستعماريين، عندما أضحت أميركا هي القوة العظمى المسيطرة على التحالف الغربي. وبدأ السعي عند العديد من الأوروبيين نحو إيجاد قوى أوروبية بديلة أصبحت فيما بعد كيان الاتحاد الأوروبي، كما نعرفه اليوم.

في الجانب الآخر، دفعت أزمة السويس بفكرة القومية العربية إلى الانتشار، وحوّلت القضية الفلسطينية إلى صراع عربي ـ إسرائيلي. إنما الأخطر أن أزمة السويس قد ألهت العالم عما كان يجري داخل دول أوروبا الشرقية التابعة للاتحاد السوفييتي، مفسحة المجال لموسكو لإخماد ثورة المجر وقمع شعبها في الوقت ذاته من العام 1956، حيث كانت أنظار العالم موجّهة نحو الشرق الأوسط.

من سخرية التاريخ، أن إيدن عرف بقرار تأميم عبد الناصر لقناة السويس ليلة 26 يوليو 1956 بالذات خلال عشاء كان يقيمه في »10 داونينغ ستريت«، على شرف الملك فيصل الثاني ملك العراق، الذي كان في زيارة رسمية لبريطانيا.

كان ذلك عندما دخل عليه سكرتيره الخاص عند الساعة العاشرة ليلاً، ليخبره بما قاله عبد الناصر في خطابه بالإسكندرية. ونهض الجميع من العشاء ليتفرقوا في الغرف الجانبية لمقر رئيس الوزراء البريطاني، يتبادلون الآراء في هذا الحدث الخطير.

وكان من بين المدعوين إلى العشاء، إلى جانب ملك العراق الشاب، الوصي على العرش الهاشمي السابق وولي العهد في حينه، خال الملك الأمير عبد الإله، ورئيس الوزراء العراقي نوري السعيد. كذلك كان هناك أربعة وزراء أعضاء في حكومة إيدن، بينهم سلوين لويد وزير الخارجية وأيضاً زعيم حزب العمال المعارض هيو غيتسكيل، بصفته زعيم المعارضة الرسمية، وعدد من كبار شخصيات المؤسسات البريطانية الحاكمة.

وما إن انتهى العشاء حتى طلب إيدن استدعاء عدد من الوزراء من غير المدعوين ورئيس أركان القوات المسلحة وبعض كبار العسكريين، الذين كانوا موجودين ذلك المساء في مناسبات اجتماعية أخرى في أنحاء متفرقة من العاصمة البريطانية، للتداول في قرار التأميم. وكان جو الاستشارات بعد ذلك العشاء، حامياً إن لم يكن حماسياً، وكان هناك شبه إجماع على ضرورة التصدي لخطوة تأميم القناة.

كان الشعور السائد في تلك الاجتماعات، أن عبد الناصر بعمله هذا قد وضع يده على »زلعوم« بريطانيا ولن يتردد في خنق مصالحها في الشرق الأوسط. حتى إن زعيم المعارضة هيو غيتسكيل قال في مداولات ذلك المساء، إن الرأي العام البريطاني سيؤيد أي عمل قوي وسريع ضد عبد الناصر.

الثعلب السياسي

وشارك نوري السعيد، رئيس الحكومة العراقية، غيتسكيل الرأي، وقال لإيدن وهو يغادر »10 داونينغ ستريت« في الهزيع الأخير من تلك الليلة، بأن عليه أن يضربه (أي عبد الناصر) بقوة. ولم ينس ذلك الثعلب السياسي العتيق، أن يحذر إيدن من أن تقوم بريطانيا بأي عمل عسكري ضد مصر بالتواطؤ مع إسرائيل.

لكن ما كان من أنطوني ناتينغ، وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية (الذي استقال فيما بعد احتجاجاً على سياسة إيدن وأصبح من كبار أصدقاء عبد الناصر وكتب كتاباً مهماً عنه) إلا أن قال، موجهاً كلامه إلى نوري السعيد: »إن هذا جنون«.

وكان نوري السعيد أخلص أصدقاء بريطانيا في الشرق الأوسط. ومرت سنتان على حرب السويس قبل أن يقتل الملك والوصي ونوري السعيد سحلاً في شوارع بغداد عند قيام الثورة العراقية في 14 يوليو 1958، ومن قبل أن يصل البعث إلى السلطة في العام 1963 .

كثيرون من أفراد الشعب البريطاني كانوا يشاركون، ولو بغصة أو على مضض، هذه المقولة. وكما عبّر أنطوني ناتينغ، وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية بقوله: »لقد جعلنا في أزمة السويس من عبد الناصر شهيداً وبطلاً، ورفعناه إلى سدة المجد وجعلنا له مكانة وقوة ما كانت لأحد في العالم العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر«.

حساب الخسائر

بوصول عبد الناصر إلى قمة سلطاته واتساع نفوذه، بدأت الحكومة البريطانية، عبر سفاراتها في الخارج، تعدّ الخسائر التي منيت بها مصالحها وسياستها وتحسب حساب المزيد من الأضرار التي ستلحق بها، وقد أخذ اسم عبد الناصر يهدر عبر المنطقة، من تونس إلى الدار البيضاء، ومن بغداد إلى عمّان والقدس، ومن دمشق إلى عدن والبحرين وسائر بلدان الخليج. وخرجت الجماهير العربية في كل مكان فيه وجود بريطاني على أرض عربية تندد بالمجازر التي ارتكبتها القوات البريطانية في بورسعيد.

وازداد خوف بريطانيا بازدياد حجم عبد الناصر، حتى إن أحد الدبلوماسيين البريطانيين كتب يقول: »إن عبد الناصر جعل صوت نبضات قلب القاهرة يُسمع في كل عاصمة عربية، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي«. حتى إن ملك الأردن، الملك حسين، الذي كانت الخزانة البريطانية تمول مملكته في ذلك الوقت، شبّه ما حدث في المنطقة بعد السويس بــ »صاعق كهربائي قوي مسّ البلاد«.

حتى إن المخابرات البريطانية اتهمت بعد مرور وقت طويل على انسحاب بريطانيا وفرنسا من منطقة قناة السويس، عبد الناصر بأنه كان يدفع بواسطة عملائه مبالغ مالية نقداً وبــ »الشنط« إلى سياسيين عرب لزعزعة أنظمة الحكم في بلادهم.

وبدأ تراكم الخسائر البريطانية. في فبراير 1958 أعلن عبد الناصر الوحدة بين مصر وسورية تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة. وبعد أشهر، في يوليو 1958 قامت الثورة العراقية في بغداد التي قضت، في حمام دم، على الأسرة الهاشمية المالكة، معلنة قيام الجمهورية على غرار الطراز المصري، قبل أن يسرق حزب البعث تلك الثورة ويورثها لنظام صدام حسين.

سجّل الانسحاب المذلّ لكل من بريطانيا وفرنسا من غزو قناة السويس بالتواطؤ مع إسرائيل، قبل نصف قرن نقطة مفصلية في تراجع بريطانيا السياسي وبداية تفكك إمبراطوريتها المترامية الأطراف. فكانت النتيجة أن ألزمت بريطانيا نفسها عدم القيام بأي عمل عسكري خارجي من دون إذن الولايات المتحدة، كذلك موافقة الأمم المتحدة إن أمكن.

وكان الانقسام الحاد الذي أحدثته حرب السويس في المجتمع البريطاني، بين »الاستعماريين القدامى« الذين يؤمنون باستعمال القوة لحماية ما يعتقدون أنه لمصلحة بلادهم وبين »المتحررين الجدد« الذين يرفضون استعمال القوة ويدعون إلى التخلي عن المستعمرات وتحرير شعوبها.

(مع العلم أن ذكريات الإمبراطورية ومستعمراتها كانت لا تزال طرية في العام 1956، وأنه لم يكن قد مضى على استقلال الهند ـ جوهرة التاج البريطاني ـ في العام 1947، أكثر من عقد واحد من الزمان). وقد تكرر هذا الانقسام، بأطياف مختلفة في العام 2003 عند الغزو الأميركي للعراق. فمن كان معادياً للاستعمار في العام 1956، وسُرّ لهزيمة بريطانيا في السويس، لاعتقاده أن الإمبراطورية كانت ظالمة ومستغلة لشعوبها، كان معارضاً أيضاً للغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق.

إضاءة

وضعت أزمة السويس قبل خمسين سنة، حدّاً فاصلاً بين عهدين. عهد انتهى وعهد بدأ لكل من بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. أما ما حدث نتيجة لذلك في العالم العربي فكان البركان الذي فجّر الانقلابات والثورات على الأنظمة الحاكمة وغيّر ما غيّر من تحالفات العرب مع دول العالم، أكثر مما غيّر من حكّامه. كانت أزمة السويس بداية نصف قرن من صراعات وحروب وغزوات واغتيالات أدت إلى الصورة التي نحن عليها اليوم.