إن الانغماس في المفاوضات أفضل من الانغماس في الحروب.هذه مقولة اقتبست طويلاً من أقوال ونستون تشرشل. غير أن هذه الكلمات قالها عام 1954- بعد مضي عقود على فترة كان فيها صوته أكثر الأصوات المولعة بالقتال والداعية إلى الحرب في 1914 و1939، وهما الحربان اللتان سحقتا إمبراطوريته الأثيرة لديه وأغرقتاها في الدماء.

ومع ذلك، فإن مقولة تشرشل تصوغ جيداً السؤال الرئيسي الذي كان يدور في واشنطن العاصمة: هل سيحبط الرئيس الأميركي جورج بوش الطموحات النووية لإيران قبل أن يترك منصبه، أم أنه استبعد خيار الحرب بالفعل؟

تؤكد إحدى المدارس الفكرية أن البيت الأبيض تردد لدى بروز احتمال الحرب مع إيران، ومن ثم تراجع. فالتكاليف والعواقب المحتملة - وهي موت الآلاف من الإيرانيين، تمرد يفجره الشيعة ضدنا في العراق بانضمام «متطوعين» إيرانيين ، زرع الألغام في مضيق هرمز.

وارتفاع أسعار البترول لتصبح 200 دولار للبرميل، الهجمات التي سيشنها حزب الله على الأميركيين في لبنان، الهجمات الإرهابية على حلفائنا في الخليج وعلى الأميركيين في الولايات المتحدة- ستكون ثمناً باهظاً جداً يدفع من أجل تأخير البرنامج النووي الإيراني عشر سنوات.

وتقول مدرسة أخرى بالتالي: إذا صمدت إيران خلال عهد بوش من دون تفكيك برنامجها النووي، فإن بوش سيصبح رئيساً فاشلاً. فقد أعلن في خطاب حالة الاتحاد 2002 أنه لن يتم السماح لأية دولة في محور الشر بامتلاك أسوأ الأسلحة في العالم. ستكون إيران وكوريا الشمالية قد تحدتا مذهب بوش. وستصبح تركته عندئذ العجز في إيران وكوريا الشمالية، وحربين فاشلتين، في العراق وأفغانستان- اللذين سيدخلان عاميهما السادس والثامن على التوالي.

إن أولئك الذين يعرفونه جيداً يقولون إن جورج بوش ليس الرجل الذي سيترك منصبه بتركة كهذه. فهو سيخوض الحرب أولاً، حتى وإن لم يرافقه أحد.

ولكن قبل أن تواجه أميركا هذا السؤال، فإن ثمة سؤالين أيضاً يتعين الإجابة عنهما. هل إيران على وشك أن تصنع سلاحاً نووياً لدرجة أنه إن لم نتحرك الآن، فإن الأوان سيكون قد فات؟ أم أنه أمامنا ربما عقد قبل أن تمتلك إيران القدرة على صنع أسلحة نووية؟

في وقت مبكر من هذا العام، كانت إسرائيل تحذر من أنه إذا لم يتم إيقاف إيران بحلول مارس 2006، فإن الأوان سيكون قد فات.فربما تكون إيران في ذلك الوقت قد اكتسبت المعرفة والخبرة اللازمة لصنع أسلحة نووية.

وقد كان المحافظون الجدد أيضاً يطالبون «بالتحرك اليوم!» وأدهشهم تصريح بوش في الأمم المتحدة القائل إن أميركا لا تعارض امتلاك إيران قوة نووية سلمية.

ويذهب الجانب الآخر إلى القول إن إيران ربما لن تكون قادرة على إنتاج مواد انشطارية تكفي لقنبلة واحدة إلا بعد عشر سنوات، وأن أجهزة الطرد المركزية البالغ عددها 164 التي تملكها طهران بدائية للغاية ومحدودة في عددها بحيث أن الوضع سيحتاج لسنوات عديدة حتى من أجل إنتاج وقود لمحطات الطاقة النووية.

وفيما لم تعط الوكالة الدولية للطاقة الذرية شهادة صحة وسلامة لإيران، إلا إنها لم تستنتج على الإطلاق بأنها تعمل على صنع قنبلة.

أين يترك هذا الأمر أميركا؟ مع وجود أسئلة خطيرة على المحك، فإن الإجابات عنها يجب أن لا تأتي من جورج بوش فقط، وإنما من الشعب الأميركي من خلال ممثليه في الكونغرس.

دعونا لا ننسى أن الرئيس بوش ليس هو من يتخذ القرار حول الحرب أو السلام. فالكونغرس هو الموكل له هذه الصلاحية في هذا الدستور. فقد أراد الآباء المؤسسون فصلاً واضحاً بين القائد الأعلى الذي سيخوض الحرب والمشرعين الذين سيعلنونها. فقد أخذوا كفايتهم من الحروب الملكية.

يتعين على الكونغرس - عندما تنتهي هذه الانتخابات - العودة إلى واشنطن لإدارة جلسات استماع حول مدى قرب إيران من امتلاك القدرة النووية، ويضع تلك المعلومة في متناول الدولة. لم نعد بحاجة إلى استخبارات تأخذنا إلى الحرب. ولكن السؤال الحرج الذي يجب أن يطرح في نقاش عام وداخل الكونغرس هو:

حتى وإن كانت طهران تسعى لامتلاك قدرة نووية، أيتعين على الولايات المتحدة أن تشن حرباً لإيقافها؟ هل إيران مزودة بأسلحة نووية تشكل تهديداً أكبر لا يمكن التسامح معه من تهديد ستالين أو ماو اللذين كانا يمتلكان أسلحة نووية أيضاً، واللذين تغلبت عليهما أميركا من دون حرب؟

اليوم، يتنافس الجمهوريون والديمقراطيون في وصف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بهتلر الذي سيكمل المحرقة، وبالإرهابي الذي لا يمكننا التعامل معه. ولكن إيران التي يقودها نجاد لم تشن حرباً منذ انتصار ثورتها قبل 27 عاماً، وتعلم أنها إن هاجمت أميركا فإن هذا الأمر سيستدعي إزالتها كدولة.

لقد وصف بسمارك الحرب الاستباقية بالإقدام على الانتحار انطلاقاً من الخوف من الموت- وهو وصف ليس سيئاً لما قمنا به عندما غزونا العراق. اليوم، لا يملك بوش سلطة دستورية لشن حرب استباقية.

ويتعين على الكونغرس تذكيره بذلك، ومطالبته باللجوء إليه لطرح القضية والحصول على إعلان حرب، قبل أن يتعهد بحرب أخرى، على إيران. وقبل أن تشن أية هجمات جوية على منشآت إيران النووية، يتعين على كل قائد أميركي أن يتخذ موقفاً علنياً مع أو ضد الحرب. وما من داع بعد الآن لمبررات من نوع «لو أنني كنت أعلم فقط» و«تعرضنا للتضليل».

ترجمة: كوثر علي