استعرضنا في الحلقة السابقة جوانب من طبيعة العلاقات التي ربطت بين طالبان وباكستان على النحو الذي قدمه الرئيس الباكستاني مشرف وكيف انتهت هذه العلاقة إلى الصدام رغم الدور الذي لعبته إسلام آباد في صعود تلك الحركة، وتطرقنا إلى طبيعة شخصية الملا عمر وتمسكه بعدم تسليم بن لادن.
وفي هذه الحلقة نستكمل جوانب من رواية مشرف للأحداث في إطار انغماس بلاده في الحرب على الإرهاب والجهود التي بذلت من أجل اعتقال بن لادن. ويؤكد مشرف أنه سيتم القبض على بن لادن عاجلاً أم آجلاً مرجحا تحركه في منطقة ما على الحدود الأفغانية الباكستانية. كما يعرض لنا خبايا وأسرار الإعداد لهجمات سبتمبر من قبل تنظيم القاعدة.
يعرض مشرف لتطورات الحرب على الإرهاب قائلا إن الولايات المتحدة لم تكن هي الخاسر الوحيد من هجمات سبتمبر فقد ألحقت الهجمات ضررا كبيرا بباكستان كذلك. وهنا وفيما يبدو كموقف دفاعي منه عن الحال التي وجدت بلاده نفسها فيه، فيذكر أنه لا يوجد قطر واجه تهديدات على جبهات عدة مثلما واجهت بلاده، وهو الأمر الذي نجم بالطبع عن وقوف بلاده إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب، وإن كان يحاول الإشارة إلى أن ذلك لن يثني باكستان عن الوقوف إلى جانب العالم كله ضد الإرهاب.
من هذه النقطة يبدأ مشرف في تقديم ما يمكن اعتباره قائمة بالخسائر التي لحقت بلاده بجراء موقفها فيشير إلى أن باكستان تحملت مشكلة اللاجئين الأفغان حتى أنها استقبلت أكبر عدد من اللاجئين على مستوى العالم بما كان يعنيه ذلك من تكلفة عالية على باكستان. من ناحية ثانية فقد كانت هناك جبهة أخرى هي جبهة الرأي العام الداخلي،
فرغم أن معظم الباكستانيين أدانوا الهجمات، فقد كان هناك كذلك شعور قوي مناهض للولايات المتحدة الأمر الذي كان يلقى التشجيع، حسبما يذكر مشرف، من قبل اللوبي الديني وبشكل خاص من قبل تلك الجماعات التي كان لها موقف فيما قبل أحداث سبتمبر تجاه الولايات المتحدة جراء تخليها عن باكستان إثر الانسحاب السوفييتي من أفغانستان.
غزو أفغانستان
يرى مشرف أنه كان من الطبيعي بالنسبة للباكستانيين منذ واحد وعشرين سنة أن يلتحقوا بالجهاد ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان نظرا لعدم الرغبة في أن يعزز السوفييت موقعهم ويحولوا اهتمامهم إلى مياهنا الدافئة. وفي 2001 كان من الطبيعي أيضا أن يلتحق الباكستانيون بالحرب على الإرهاب نظرا لأن باكستان كانت ضحية الإرهاب الطائفي والخارجي لعدة أعوام ولعدم الرغبة في أن تتحول إلى طالبان أخرى.
وفي كلا الحالتين فقد تحركت باكستان بناء على مصلحتها القومية. وعلى ذلك وفي تشبيه لتجربة الاحتلال السوفييتي بالإرهاب، رغم أنه شتان ما بينهما، يقرر مشرف، أنه كما لم تكن باكستان تستطيع أن تتساهل تجاه مساعي الهيمنة السوفييتية،
فإنها تجد من الصعب أن تتساهل كذلك مع التطرف الديني الذي يقدم صورة متشددة عن الإسلام، وهو ربط يبدو تعسفيا فشتان ما بين الأمرين الخطر الروسي الماثل في احتلال أرض دولة معينة، والخطر الديني المتشدد في التزام نهج محدد من قبل جماعات داخلية في إطار الوطن الواحد.
هنا يشير مشرف إلى أنه من الأمور المثيرة للسخرية أنه ما ان بدأت بلاده معركة الحرب على الإرهاب حتى فتحت لها جبهة أخرى جديدة تمثلت فيما ذهبت إليه عدة منظمات متشددة حول العالم من المطالبة برأس مشرف، وأطلقت إرهابيين أجانب في باكستان من أجل تحقيق هذا الهدف.
وهنا قد يرد تحفظ على ما يذكره الرئيس الباكستاني حيث إن معركته الأساسية إنما تتركز مع تنظيمات الداخل حيث من المعروف أن الحركات الدينية تتمتع بوضع مزدهر داخل باكستان ويكاد أن تكون هناك توأمة في مواقفها مع مواقف طالبان، إلى الحد الذي يجعل البعض يصف أو يعتبر هذه الأخيرة نتاجا طبيعيا للحركات الباكستانية. ما نود الإشارة إليه هو أن تنظيمات الداخل لم يكن ينقصها من يقوم على مهمة تدبير وتنفيذ محاولات اغتيال مشرف،
ولعل تعرض مشرف لعدة محاولات اغتيال يؤكد ذلك، الأمر الذي سنتعرض له في الحلقة المقبلة. غير أننا نبقى مع ما يشير إليه المؤلف وإشارته إلى أن تلك الجبهة الجديدة ظهرت في عدد من العمليات الإرهابية التي وقعت ضد أهداف غربية ومسيحية في إطار باكستان، الأمر الذي نجحت إسلام آباد في مقابله في لعب دور كبير في الإيقاع بعناصر التنظيم إلى الحد الذي حد من تأثيره ونطاق فاعليته.
تقويض القاعدة
يستعرض مشرف أيضاً الدور الذي قامت به بلاده في القبض على العديد من العناصر المطلوبة واصفا ذلك بأنه انتصار هام في الحرب على الإرهاب. وفيما يشير إلى تقدير لذلك الدور أو محاولة التأكيد على أهميته،
يقول مشرف لقد قمنا بالكثير مقارنة بأي دولة أخرى في القبض على عناصر القاعدة وقتلهم وفي تدمير بناها التحتية في المدن الباكستانية وفي المناطق الجبلية. ويحكي لنا مشرف هنا الكثير من القصص التي لم ترو في هذا الشأن.
وفي هذا الصدد يتطرق مشرف بعد ذلك إلى ما يسميه لعبة القط والفأر مع الفارين من تنظيم القاعدة فيما بعد أحداث سبتمبر عبر الحدود الأفغانية الباكستانية. ويذكر أنه رغم أن رأسهم أسامة بن لادن ما زال حرا طليقا حتى لحظة إعداد مذكراته،
إلا أنه تم اعتقال الكثيرين، البعض منهم معروف للعالم والبعض الآخر غير معروف. ويحدد مشرف الرقم مشيرا إلى أنه تم اعتقال نحو 689 عنصر جرى تسليم نحو 369 منهم إلى الولايات المتحدة. وهنا وفي لهجة قد تبدو غريبة إلى حد ما يذكر مشرف أن بلاده جنت من وراء ذلك أرباحا مادية كبيرة تصل إلى ملايين الدولارات.
وفيما يبدو ردا على اتهام باكستان بعدم القيام بدور في الحرب على الإرهاب يوجه مشرف حديثه إلى هؤلاء قائلا انه يجب عليهم أن يتوجهوا بالسؤال إلى السي أي أيه عن حجم المكافأة المالية التي دفعتها لحكومة باكستان على خلفية الاعتقالات التي تمت لعناصر القاعدة. وفي مسعى لتعزيز رؤيته يعرض لنا مشرف بعض التفاصيل المتعلقة بعمليات الاعتقال.
في هذا الخصوص يشير إلى عملية اعتقال أبو زبيدة المواطن الفلسطيني واسمه الحقيقي زين العابدين والذي يصنفه مشرف في خانة الأعضاء المهمين في القاعدة حيث ينسب له أنه كان أحد المخططين لهجمات سبتمبر، وهو ما يتناقض مع روايات أخرى قللت من شأن أبو زبيدة. لقد عرضت السي أي ايه خمسة ملايين دولار لمن يساهم في القبض على أبو زبيدة.
بعد 11 سبتمبر قدم أبو زبيدة إلى باكستان وإن بقي من الصعب القبض عليه في ضوء تحركاته المكثفة للهرب بين نحو 30 موقعا تسعة منها في فيصل آباد وواحد في كراتشي وثلاثة في لاهور. وعلى الرغم من ذلك فقد نما إلى علم الاستخبارات الباكستانية وجوده في البلاد من خلال التحقيقات مع بعض العناصر التي تم اعتقالها من التنظيم.
وقد تمت الإغارة على هذه المواقع في 27 مارس في وقت واحد بمساعدة من المخابرات الأميركية ونجحت هذه العملية في اعتقال أبو زبيدة ونحو 27 من أعضاء القاعدة كلهم أجانب : 13 يمنياً، 3 سعوديين، 3 ليبيين، 3 فلسطينيين، روسي، مغربي، وسوداني، وسوريين اثنين قتل أحدهما فيما أصيب الثاني. وقد تم تسليم أبو زبيدة إلى الولايات المتحدة في 30 مارس 2002.
ويوضح مشرف أن باكستان اتبعت نهجا محددا بالنسبة لتسليم الأجانب يقوم على الطلب من أقطارهم الأصلية أن تتسلمهم فإذا رفضت ذلك جرى تسليمهم إلى الولايات المتحدة.
ويعتبر مشرف أن عملية أبو زبيدة كانت الأكبر ليس من حيث العدد وإنما من حيث أهمية المعتقلين.. لقد كان ذلك في بدايات عمليات هروب عناصر القاعدة إلى باكستان وبعد تلك العملية فقد أصبحوا، حسب مشرف، يفكرون مرتين قبل الإقدام على ذلك، وقد قلت بالفعل عمليات الهروب عبر الحدود.
صيد آخر
ثم كانت بعد ذلك عملية اعتقال خالد شيخ محمد وهنا يفصل مشرف في تناول الأبعاد الخاصة بتطور سيرة حياة خالد وانخراطه في الإرهاب بدءا من محاولة تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 بمشاركة رمزي يوسف مرورا بالتخطيط لتفجير نحو 12 طائرة متوجهة من دول مختلفة من شرق آسيا إلى الولايات المتحدة في وقت واحد،
وانتهاء بالتخطيط لإسقاط طائرة على مقر الاستخبارات الأميركية في فرجينيا،وهي العملية التي أطلق عليها »عملية بوجينكا«، وهى كلها عمليات لم تتم بسبب اعتقال رمزي يوسف في باكستان عام 1995.
لقد أدى ذلك بخالد شيخ محمد الذي كان يفضل العمل بشكل مستقل إلى التفكير في الالتحاق بأسامة بن لادن. وعلى هذا الأساس سعى للاتصال بأسامة الذي كان مشغولا في ذلك الوقت بنقل نشاطه من السودان إلى أفغانستان.
وما ان فرغ أسامة من ذلك حتى كان لقاؤه بخالد شيخ محمد حيث صارحه الأخير بدوره في محاولة تفجير مركز التجارة العالمي عارضا عليه فكرة هجمات 11 سبتمبر غير أن أسامة رفض الفكرة في البداية طالبا منه الانضمام إلى التنظيم الأمر الذي رفضه خالد شيخ محمد مفضلا العمل بشكل مستقل.
لقد غير أسامة رأيه فيما بعد في 1998 أو 1999 بناء على نصيحة أبو حفص المصري – المعروف حاليا بمحمد عاطف – وأقر خطة هجمات 11 سبتمبر. وبقيت الخطة قيد السرية بين ثلاثتهم. ورغم إشاراته السلبية إلى الطبيعة الشخصية للملا عمر إلا أن مشرف يبرئه من المشاركة الفعلية في التخطيط لهجمات سبتمبر
حيث يذكر مشرف أن المعلومات الاستخبارية كانت تشير إلى أن الملا محمد عمر علم خلال عام 2000 أن هناك نية للقيام بعملية كبرى ضد الولايات المتحدة على أراضيها، دون أن يعرف بتفاصيل العملية. ويبدو أن الملا عمر لم يكن راضيا عن مثل هذه العملية غير أنه لم يجد مفرا من القبول بها دون أن يعرف بماهيتها.
خطة الهجوم
وقد أعد أسامة بن لادن ومحمد عاطف قائمة بأسماء العناصر التي يمكن ترشيحها للمشاركة في العملية وطلبا من خالد شيخ اختيار أفضلهم. وأقر مجلس شورى القاعدة الخطة في سبتمبر 2001 وهو ما يكشف عن ضيق الوقت الذي تم خلاله التخطيط للتنفيذ الفعلي.
وقد تم تدريب كل المشاركين في التنفيذ وتسفيرهم إلى الولايات المتحدة بمعرفة خالد شيخ، فيما قدم له شخصان هما مصطفى أحمد حوصوي وعمار البلوشي بالمال ومساعدات لوجيستية للخاطفين من إحدى المدن الخليجية.
وفي يوم التنفيذ كان خالد شيخ وأربعة من رفاقه، هم رمزي بن الشيبة، ومصطفى أحمد حوصوي، وعمار البلوشي، وجعفر الطاير يتابعون الهجمات عبر مقهى للإنترنت في كراتشي.. المدينة التي كان مشرف نفسه يتواجد فيها في ذلك اليوم، ولا ندري فلعل موقع المقهى كان قريبا من موقع وجود مشرف.
وبعد الهجوم على البرج الأول لمركز التجارة العالمي غادروا المقهى متوجهين إلى مكان آمن ليتابعوا بقية الأحداث. لقد راح خالد شيخ يبدي دهشته من دقة التخطيط الذي أشرف على الإعداد له. وعلى إثر الأحداث وبالتحديد في 21 أو 22 سبتمبر استدعى أسامة بن لادن خالد شيخ محمد إلى أفغانستان من أجل المشاركة في الدفاع عنها وفي ذات الوقت الإعداد لنقل أسرهم إلى باكستان.
هنا يقدم لنا مشرف رؤية مختلفة إلى حد ما عن تلك التي قدمها رون سوسكيند في كتابه »مذهب الواحد في المئة » الذي قدمنا مراجعة له، فيشير إلى أن ذلك تم بناء على رصد أحد رفاقه الذي كان مقررا وصوله إلى مطار إسلام آباد في 28 فبراير 2003 وكان على موعد مع خالد في ذلك اليوم.
المهم بناء على إرشادات أحد العملاء تمت مداهمة الموقع الذي يوجد فيه خالد شيخ واعتقاله، وفي ذلك الخصوص يشير مشرف، على عكس سوسكيند، إلى أنه تم الحصول من خالد شيخ على كل المعلومات التي يسعون إلى معرفتها ثم جرى تسليمه بعد ذلك إلى الولايات المتحدة.
وإذا كان أبو زبيدة وخالد شيخ محمد هما الأكثر شهرة من بين معتقلي القاعدة، فإن مشرف يشير كذلك إلى أنه جرى اعتقال آخرين أقل شهرة مثل نديم نور خان وأبو فرج الليبي، وغيرهما.
من هذا التناول للدور »البطولي« الذي لعبته إسلام آباد في الحد من خطر القاعدة ينتقل بنا مشرف إلى عرض بعض الخسائر التي لحقت ببلاده جراء هذا الموقف وجعلتها هدفا لعدد من العمليات الإرهابية.
اختطاف بيرل
ومن بين ما يذكره لنا مشرف في هذا الصدد أنه في 23 و 24 يناير 2004 تلقت وسائل الإعلام بريدا الكترونيا يفيد اختطاف الصحافي دانييل بيرل وهو مواطن أميركي إسرائيلي وكان يشغل رئيس مكتب جنوب آسيا لصحيفة وول ستريت جورنال.
كانت الفدية التي تم طلبها من قبل الخاطفين تتمثل في الإفراج عن المعتقلين الباكستانيين في غوانتانامو والإنهاء الفوري للوجود الأميركي في باكستان، وتسليم طائرات إف 16 التي دفعت باكستان ثمنها ولم تتسلمها،
إلى جانب الإفراج عن الملا ضعيف سفير طالبان لدى باكستان. وقد اختتمت الرسالة الإلكترونية بالتأكيد على أن الأميركيين لن يشعروا بالأمان على أرض باكستان المسلمة وأنه حال عدم الاستجابة لمطالبهم فإن هذا المشهد سيتكرر مرة بعد أخرى.
لقد عبر مشرف عن غضبه الشديد على هذا العمل وراح يبدي أسفه على ما اعتبره استغلالا من قبل هذه المجموعة للدين الذي يحض على السلام واستخدامه كذريعة لارتكاب حماقاتهم. وهنا يقرر مشرف : ان الإسلام يؤكد على مكانة وحقوق الإنسان أيا كانت طبقته أو عقيدته، ويدين القتل والانتحار باعتبارهما من أشد الكبائر.
هنا يكشف عن تورط شخص يدعى عمر سعيد شيخ في تدبير عملية اختطاف بيرل والذي كان يجري تحقيقا حول التيار الأصولي في باكستان. ويذكر مشرف أن عمر شيخ وهو باكستاني الأصل ولد في بريطانيا كان عميلا للمخابرات البريطانية حيث يشير إلى أنه خلال فترة دراسته في بريطانيا تم تجنيده من قبل المخابرات البريطانية و تكليفه بالمشاركة النشطة في التنديد بالاعتداءات الصربية في البوسنة،
كما أنها أرسلته للجهاد في كوسوفو. ويبدو أنه في مرحلة من المراحل تحول إلى عميل مزدوج. فلدى عودته إلى باكستان التقى أحد رجال الدين الذي أرشده بالتوجه إلى خوست في أفغانستان وهناك تلقى تدريبا ليس في المجال الديني وإنما في مجال حرب العصابات .
وقد زار عمر شيخ أفغانستان في مراحل مختلفة بعد ذلك أربع مرات لتلقي تدريب من خلال مجموعة كانت تطلق على نفسها حركة الجهاد الإسلامي في أفغانستان. وقد زعم عمر أنه خلال ثلاث من زياراته التقى بن لادن والملا عمر وأنه على الرغم من أنه ليس عضوا دائما في القاعدة فإنه ساعد في تمويلها عبر تقديم مبالغ جرى الحصول عليها كفدية من عمليات اختطاف.
وقد حكم عليه بالإعدام بتهمة اختطاف وقتل بيرل عام 2002 وما زال محتجزا في كراتشي، رغم أن عمر شيخ أكد في اعترافاته أنه لم يأمر بقتله ما يشير إلى أن الأمر تم من قبل القاعدة.
لقد أدت التحقيقات بشأن قضية بيرل إلى الكشف عن العديد من المشتركين في أنشطة القاعدة. ومما يذكره مشرف في هذا الصدد أن القبض على عمر شيخ قاد إلى عضو آخر يدعى أمجد فاروقي وهو الاسم الذي تردد كثيرا فيما بعد في عمليات إرهابية من بينها التخطيط لاغتيال مشرف نفسه.
ومما يكشف عنه مشرف بخصوص قضية بيرل أن عمر شيخ تصور في البداية أن بيرل عميل لجهاز مخابرات غربي وأنه جاء ليتجسس على المنظمات الدينية وعلى هذا كان سعيه إلى لقائه حيث تبادلا أرقام الهواتف والبريد الإلكتروني ومن هنا نشأت فكرة اختطاف بيرل للضغط على الحكومة الأميركية لتغيير سياساتها تجاه المعتقلين في غوانتانامو والإفراج عنهم.
ويقدم مشرف في هذا الصدد الكثير من التفصيلات المتعلقة بعملية تدبير وتنفيذ اختطاف وقتل الصحافي بيرل. يشير مشرف إلى أنه لم يستطع في البداية تفسير سر إقدام عمر شيخ على تسليم نفسه للشرطة الباكستانية في ضوء أنه كانت أمامه فرصة للهرب. غير أنه بعد أن تجمعت أمامه كل أوراق القضية بدأ مشرف يدرك أن عمر شيخ واجه حالة غير متوقعة أصابته بالهلع وجعلته يتصور أن الأمور خرجت عن نطاق السيطرة..
إن عمر لم يكن يتوقع أن يكون رد فعل وسائل الإعلام على عملية الاختطاف بهذا القدر من الاهتمام، كما أنه لم يتوقع أن تكون الشرطة الباكستانية على هذه الدرجة من الكفاءة في الوصول إليه هو وأصدقائه، والآن فإنه يحاول إنقاذ نفسه معتقدا أنه بتسليم نفسه فإنه يمكن أن يلقى معاملة خاصة.
وفي 21 فبراير 2002 تم إطلاق الفيديو المرعب الخاص ببيرل واغتياله ، ولم يكن القتلة يظهرون من خلال الفيديو ، غير أن مشرف يشير إلى أن خالد شيخ محمد الرجل الثالث في القاعدة كان من بينهم، وقد اعترف خالد بذلك إثر القبض عليه.
لقد كانت عملية اغتيال بيرل واحدة من بين العديد من الأعمال الإرهابية التي تم ارتكابها في باكستان فيما بعد 11- 9 ولكنها كانت أكثرها رعبا ودموية. ويضيف مشرف أنه لسوء الحظ فإن بيرل لم يكن الأجنبي الوحيد الذي قتل على أرض باكستان من قبل الإرهابيين في عام 2002. لقد كان هناك ثلاثة أحداث أخرى، ومع ذلك فقد تم القضاء على كل الخلايا التي تورطت فيها.
عرض ومناقشة ـــ مصطفى عبد الرازق