يستعرض مشرف في هذه الحلقة تطورات الوضع في بلاده بعد احتلال القوات الأميركية لأفغانستان ومتابعتها لحربها على تنظيم القاعدة وطالبان، ويروي لنا كيف أصبحت بلاده خط المواجهة الأمامي في تلك الحرب.
ويشير إلى تفاصيل محاولات الاغتيال التي تعرض لها بسبب وقوفه إلى جانب الولايات المتحدة وحملته الصارمة على عناصر القاعدة وطالبان وذلك من قبل العناصر الدينية المتشددة التي كان أغلبها على صلة وثيقة بتنظيم القاعدة الأمر الذي يكشف عنه مشرف من خلال تناوله لمحاولتي اغتياله في ديسمبر 2003.
ويؤكد الرئيس الباكستاني على أهمية المعلومات التي حصلت عليها أجهزة مخابراته من خلال استجواب المعتقلين من عناصر القاعدة حيث ساهمت تلك المعلومات في إحباط العديد من مخططات التنظيم لضرب أهداف أميركية وبريطانية وفي كشف شبكات القاعدة السرية في مختلف دول العالم. لقد دخل مشرف وفق السياق الذي يورده في مذكراته في حرب مفتوحة ليس فقط مع عناصر القاعدة الذين فروا إلى بلاده وإنما مع المتشددين الباكستانيين الذين يشعرون بالتوحد مع فكر القاعدة.
وفي إطار الرحلة التي يصحبنا فيها مشرف وتمثل إطلالة من قريب على عمليات مطاردة عناصر القاعدة وأتباعه يشير الرئيس الباكستاني إلى أن الأكثر أهمية من عمليات الاعتقال لبعض أعضاء التنظيم ، المعلومات التي تم الحصول عليها من خلال تلك العمليات، ومنها تلك التي تم التوصل اليها من خلال استجواب نديم نور خان أو أبو طلحة الباكستاني.
وهو من أصل باكستاني وقد حصل على البكالوريوس في علوم الكمبيوتر عام 2002 وجنده خالد شيخ محمد في ذلك الوقت، واحتل موقعا متقدما في التنظيم إثر سقوط بعض المخططين حيث أصبح الرجل الفاعل للقاعدة في كراتشي.
ومع رغبة التنظيم في ضرب المصالح الأميركية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2004 كان نديم نورخان يعد الرجل الأفضل لتدريب العناصر على عمليات انتحارية، وقد قام بذلك بالفعل في شاكاي ،المنطقة الحدودية في الشمال الغربي للبلاد، وأرسلهم بعد ذلك إلى كراتشي وظل خلال تلك الفترة على اتصال بالشخصيات الأساسية في التنظيم ممن لم يكن قد جرى اعتقالهم.
يشير مشرف إلى أن الأميركيين كانوا يبدون تسرعا ورغبة في القبض على أبوطلحة والقضاء على أنشطت.
وعلى هذا زودوا المخابرات الباكستانية ببعض المعلومات الخاصة به، وبناء على تلك المعلومات تم القبض على أبوطلحة في لاهور في 21 يوليو 2004. وقد كان أبوطلحه والكمبيوتر المحمول الخاص به بمثابة منجم ذهب من المعلومات وفق توصيف مشرف.
وفيما يكشف عن التشابك بين العناصر المتشددة في الداخل والقاعدة يشير الرئيس الباكستاني إلى أن من بين المعلومات التي تمكنت المخابرات الباكستانية من الحصول عليها من خلال استجواب خالد شيخ محمد، ان القاعدة تعد للقيام بتفجيرات في مطار هيثرو في لندن الذي يعد من أكثر المطارات ازدحاماً في العالم وكذلك القيام بعمل تخريبي في قطارات الأنفاق في لندن.
ويجعلنا ذلك الطرح الذي يقدمه مشرف نتساءل عن حقيقة ما حدث مع خالد شيخ محمد وعن حدود الاعترافات التي قدمها فوفقا لرواية المخابرات الأميركية التي قدمها رون سوسكيند في كتابه «مذهب الواحد في المئة» فإنه لم يقدم اعترافات ذات قيمة، أما وفقا للرواية الباكستانية كما تقدمها مذكرات الرئيس مشرف فقد تعاون، بل وقدمت إسلام آباد المعلومات التي قدمها للآخرين!
خطة مطار هيثرو
المهم أن خالد شيخ محمد كلف أبوطلحة بإعداد خطة الهجوم على مطار هيثرو واقترح هذا الأخير إضافة قطارات أنفاق لندن. فضلا عن ذلك فقد كانت هناك خطط عمليات إرهابية أخرى تشمل مقر الأمم المتحدة في نيويورك ومبنيي صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن.
أما بالنسبة لمحمول أبوطلحة فقد ساهم في تقديم معلومات حيوية حيث كان يتضمن خطة من يسمى بـ «عيسى الهندي» في بريطانيا. وهنا وفي اطار تعاون إسلام آباد لمكافحة الإرهاب يشير مشرف إلى أنه لم يتم تقديم هذه المعلومات فقط للندن وإنما أتاحوا لها استجواب أبوطلحة لمعرفة الهوية الحقيقية لعيسى الهندي، ويبدو من رواية مشرف أن المقصود بعيسى الهندي هو صديق خان ورفيق آخر له يدعى شاهزاد تنوير.
وهنا فإن مذكرات الرئيس الباكستاني تشير إلى أنه رغم رصدهما في بريطانيا بناء على المعلومات ضمن مجموعة أكبر في 2 فبراير 2004 والقبض عليهما فيما بعد في 30 مارس من نفس العام، إلا أن السلطات البريطانية يبدو أنها لم تأخذ الأمر بالجدية الكاملة أو أنها تهاونت فيما يتعلق بهذا الجانب ما أدى إلى وقوع تفجيرات لندن في 7 يوليو 2005.
وهنا تتفق رواية مشرف مع رواية سوسكيند في فشل المخابرات البريطانية في التعامل مع هذه القضية حيث كانت قد تلقت كذلك تحذيرات من السي أي أيه بشأن صديق ولكن يبدو أنه تم التعامل معها بشكل روتيني.
وهنا يشير مشرف إلى أنه لم يتم إشراك باكستان في هذه التطورات إلا في 28 يوليو 2005، أي بعد نحو 21 يوماً من تفجيرات لندن التي عرفت بتفجيرات 77 والتي كان صديق خان وتنوير على رأس القائمين بها. ولعل مشرف بذلك يؤكد على عدم اكتفاء بلاده بمساعدة الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب.
وإنما يشير إلى مساعدتها أي دولة أخرى حسبما صرح هو فيما بعد أحداث سبتمبر مباشرة من أن باكستان على استعداد للتعاون مع كل دول العالم لمحاربة الإرهاب. كما يكشف مشرف عن إخفاق المخابرات البريطانية في التعامل مع المعلومات التي قدمتها لها نظيرتها الباكستانية بل وسعيها للعمل منفردة وهو ما قد يكون أوقعها في الخطأ الذي أدى إلى هذا الفشل.
أما لماذا وقعت عمليات قطارات لندن قبل مطار هيثرو فهذا ما يفسره خالد شيخ محمد من خلال اعترافاته حيث أن أبوطلحة خلال إعداده للعملية على مطار هيثرو شعر أن قطارات الإنفاق قد تكون هدفا أسهل في ضوء ضعف الإجراءات الأمنية مقارنة بالمطار.
ويبدو من رواية مشرف أن نطاق حركة رجال القاعدة ومجال تخطيطهم كان واسعا بشكل يثير الدهشة، فقد خططوا لاستخدام مطارات ورحلات جوية تقلع من جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا، وكرواتيا وبولندا، ورومانيا، ومالطا لمهاجمة مطار هيثرو في ضوء أن إجراءات الأمن في هذه الدول سهلة.
كما قررت القاعدة كذلك تغيير استراتيجيتها بالتخلي عن الإكثار من العرب في عمليات الإختطاف في ضوء تزايد الإشتباه بهم مما كان يعني سهولة إحباط هذه المخططات، وبدلا من ذلك فقد عملت على استخدام بعض مسلمي البوسنة وأفغانستان ممن يؤمنون بافكار التنظيم.
وفي هذا الصدد، كلفت القاعدة حازم الشاعر قائد فرعها في السعودية والذي قتل في المملكة عام 2004 بتجنيد طيارين وفي حال الفشل تدريب أشخاص على تعلم قيادة الطائرات. وقد كان التخطيط أن يتم الترتيب لاختيار مجموعة طائرات من دول مختلفة من المشار اليها تهبط في مطار هيثرو في مواعيد متقاربة.
وكانت ساعة الصفر بالنسبة للمنفذين هي اللحظة التي يتم فيها إشعار ركاب الطائرة بربط حزام المقعد استعداد للهبوط. أما بالنسبة للأسلحة التي كان من المقرر استخدامها للسيطرة على الطائرة فهي السكاكين والشوك المعدنية التي يتم تقديمها على الطائرة وكذلك استخدام زجاجات الكحول.
وكان الهدف هو اصطدام الطائرات بمباني مطار هيثرو. وطبقا لاعترافات خالد شيخ محمد فقد اقترح أحد أعضاء القاعدة هو خالد بن عطاش تغيير الهدف إلى أحد مطارات إسرائيل غير أن خالد شيخ محمد رفض الفكرة.
توابع اعتقال أبوطلحة
ويذكر مشرف أن اعتقال أبو طلحة قاد كذلك إلى التعرف على نحو 15 إرهابياً في كوجرات والبنجاب أحدهم كان تنزانيا من بين المخططين للإعتداء على السفارة الأميركية في دار السلام عام 1998.
وهو الحادث الذي شمل السفارة الأميركية في نيروبي بكينيا كذلك. وقد كانت خبرته تتركز في تزوير الوثائق وقد تم العثور معه على تأشيرات سفر مزورة عديدة. وقد وصلت أهميته بالنسبة للولايات المتحدة إلى حد رصد 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه، وتم تسليمه إليها بالفعل في 4 سبتمبر 2004.
كما كشفت عملية استجواب أبو طلحة كذلك عن شبكة القاعدة في البنجاب، كان قد تم القضاء على بعض أفرادها بالفعل لدى الحصول على معلومات منه بشأنها، كما تم القبض على خمسة عشر شخصا آخرين إلى جانب الخمسة عشر الذين جرى القبض عليهم في البداية.
يشير مشرف إلى ان ذلك يكشف عن جانب من الحرب على الإرهاب التي شنتها بلاده على القاعدة وعناصرها داخل باكستان وأدت إلى تراجع التنظيم والكشف عن عمليات إرهابية كان من الممكن ان يكون لها آثارها الكارثية حال حدوثها.
ثم يستعرض بعد ذلك محاولة اغتياله والتي قادت حسبما يذكر إلى ما يعتبره نصرا كبيرا في حرب بلاده على الإرهاب حيث أدت إلى الكشف عن تورط عناصر عديدة من مجندي القاعدة داخل باكستان، واعتقالهم.
وفي هذا الصدد يقتضي الأمر الإشارة إلى أن سياسات مشرف لم تلق تأييدا واسعا وسط قطاعات عديدة من الجماعات الدينية المتشددة التي كانت تعد امتدادا طبيعيا لما كان عليه تنظيم القاعدة وطالبان. وقد كان مشرف نفسه يدرك ذلك، وعلى ذلك فقد انتهى الأمر ببعض هذه الجماعات التي تعارض سياسته إلى التخطيط لاغتياله.
ولعل مما يشير إلى ارتباط هذه المحاولات بالتنظيمات الدينية واصطباغها ببصمات القاعدة ومسانديها من الجماعات الباكستانية ذاتها أن أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة كان قد حث على الإطاحة بمشرف.
وقد تعددت محاولات اغتيال مشرف وكان آخرها على ما يبدو ما تم الكشف عنه منذ أيام ورجحت مصادر أن مشرف كان مستهدفا من خلاله ويتمثل في العثور على صاروخين معدين للإطلاق على المنطقة التي تقع بالقرب من القصر الرئاسي، وهو سيناريو يماثل محاولة أخرى سنعرض لها في السطور المقبلة.
المحاولة الأولى
يعرض مشرف تفاصيل المحاولة الأولى لاغتياله في 14 ديسمبر 2003 والتي قادت التحقيقات بشأنها إلى نتائج مهمة فيشير إلى أن المخططين كانوا قد وضعوا متفجرات تحت الجسر الذي من المفترض أن يمر عليه موكبه غير أن المحاولة فشلت نتيجة خطأ في التوقيت أدى إلى وقوع عملية الإنفجار بعد ثوان معدودة من مرور مشرف.
لقد أصدر مشرف أوامره بالتنسيق بين أجهزة الاستخبارات الباكستانية السبع من أجل التوصل إلى كشف خيوط المؤامرة، وهو يعرض في هذا السياق تفاصيل عديدة على خلفية هذه القضية. كانت البداية وصول معلومات عن إرهابي يدعى مشتاق على صلة بعسكريين من القاعدة الجوية في كويتا. لقد كان ذلك مفتاح حل لغز القضية.
ووفقا لمشرف فإنه اذا كان هناك من ينتمي للارهابيين أو يشعر بالتعاطف معهم في قاعدة كويتا فلماذا لا يوجد كذلك في قاعدة شاكلالا الجوية بروالبندي والتي جرت بالقرب منها محاولة اغتياله؟.
تم اعتقال مشتاق والذي أقر خلال استجوابه بمعلومات بالغة الدقة بشأن المشتركين في محاولة الاغتيال وأبعاد المؤامرة، وكلهم تقريبا، حسب الكتاب، من القوات الجوية الباكستانية. وقد تم القبض على أربعة متورطين بشكل مباشر في المحاولة من الدفاع الجوي وقدم المقبوض عليهم معلومات أكثر تفصيلا بشأن محاولة الاغتيال وأبعادها.
ومن خلالهم تم معرفة أن المنفذين كانوا قد وضعوا نحو 250 كيلوغراما من المتفجرات تحت الجسر تم جلبها إلى الموقع على مراحل. وقد سمح تصميم الجسر بأن يتم إخفاء المتفجرات لفترة من الوقت دون أن يكتشف أمرها.
وأشار المتهمون إلى أنهم استخدموا أحد المنازل بالقرب من المنطقة وآخر في إسلام آباد للقيام بعمليتهم. لقد كان مشتاق المدني الوحيد من بين المشتركين في المؤامرة، وهو الذي قام بعملية التفجير عن بعد،. هنا وفي إشارة إلى حجم الارتباط بين الوضع في افغانستان وباكستان يشير المؤلف إلى أن مشتاق كان يشرف على تنظيم يتكون من نحو 150 إلى 200 شخص يدين بالولاء للملا عمر زعيم طالبان.
ورغم إشارة مشرف إلى أن التنظيم لم يكن له صلة بالقاعدة إلا أنه كان على صلة بجماعة جيش محمد التي يتزعمها مولانا مسعود أزهر، ولم يتبن جيش محمد التنظيم بالرعاية فقط ، وإنما امتد الدعم إلى حد قيام شقيق مسعود أزهر بمساعدة أفراده في التدريب على كيفية استخدام المتفجرات والأسلحة.
محاولة أخرى
هنا يشير مشرف إلى أن هذه المجموعة لم تكن على علم بمحاولة الإغتيال الثانية التي تعرض لها في 25 ديسمبر بعد نحو 11 يوما من المحاولة الأولى. وقد تم العثور على بعض الأدلة التي قادت إلى تحديد هوية المنفذين حيث عثر على ما يشبه قناع الوجه لأحد المنفذين كان قد انسلخ تماما عن رأسه وبطاقة هوية محروقة بشكل غير كامل وبعد المطابقة بينهما تم التوصل إلى أنها تعود لشخص اسمه محمد جميل من كشمير.
وخلال ساعات كانت قوات الأمن تهاجم منزله حيث تم اعتقال أسرته ومن عمليات التفتيش تم العثور على معلومات ثمينة تتعلق بأسماء مشفرة وحقيقية وهواتف وعناوين عدد كبير من المتورطين في العمليات الإرهابية.
وقد أشار أهالي جميل إلى انه كان يعمل مع منظمة دينية متطرفة وأنه كان يختفي لعدة شهور في كثير من الأحيان، وأنه تلقى تدريبا وسافر إلى افغانستان من أجل المشاركة في الجهاد ضد الأميركيين فيما بعد غزوهم للبلاد في 2001.
حيث تم اعتقاله هناك وسجنه لنحو سنتين إلى أن دفع والده مالا للإفراج عنه. وعندما عاد جميل إلى باكستان كان شديد الحنق على تطورات الحرب هناك. ويذكر مشرف أن جميل كان مجرد واحد من بين كثيرين عادوا من أفغانستان وقد آلوا على أنفسهم الإنتقام من العمليات الأميركية هناك من خلال اغتياله.
ثم يعرض لتفاصيل أخرى خاصة بالكشف عن هوية المنفذين فيذكر أنه تم التعرف كذلك على هوية الشخص الثاني الذي شارك في محاولة الإغتيال من خلال مجموعة من التحريات رغم أن بطاقة الهوية التي كان يحملها كانت لشخص آخر.
وهنا يبدي مشرف تعجبه من قيام منفذي هذه الهجمات بحمل ما يوصل إلى هويتهم وترك أدلة تقود إلى معرفتهم ولا يجد تفسيرا لذلك سوى سعيهم إلى الشهرة من خلال هذه العمليات. ويلحظ مشرف أن نفس الامر تم بالنسبة لتفجيرات لندن في 7 يوليو 2005 حيث تم العثور على العديد من الأدلة التي قادت إلى تحديد هوية المنفذين.
وفي إطار عمليات البحث كذلك بشأن محاولة الاغتيال الأولى تم العثور على بقايا هاتف خلوي وبطاقة (سيم) ومن خلالها تم التوصل إلى العديد من الأرقام المهمة وأدى ذلك إلى التوصل إلى جميع أفراد الشبكة الإرهابية.
أسماء وارهاب
وفي إطار عمليات متابعة هؤلاء تم القبض على شخص يدعى صلاح الدين كان على صلة قوية بقيادات تنظيم القاعدة. وقد تم القبض عليه ومن خلال استجوابه تم التوصل إلى أنه هو القائم على عملية تجنيد منفذي محاولة الاغتيال الثانية للرئيس مشرف، وانه كان قد ذهب في مرحلة سابقة إلى أفغانستان للمشاركة في القتال هناك.
ومن بين الأشخاص الذين كان على صلة بهم أبوفرج الليبي وهادي العراقي وبعد عودته تزوج وأصبح لديه أولاد، وإزاء زيادة مسؤولياته بدأ يبحث عن مصادر للمال. وقد طلب مقابلة أحد قادة القاعدة، فكان ترتيب لقاء له مع أبوفرج الليبي وقدم له مبلغا من المال وعرض عليه فكرة اغتيال مشرف مما يكشف أن الليبي هو العقل المدبر لمحاولة الاغتيال الثانية.
وفي إطار محاولة كشف التفاصيل تم التوصل إلى اسم أمجد الفاروقي .. وكان قد التقى هذا الأخير مع الليبي في افغانستان فأصبح المخطط الرئيسي للقاعدة في باكستان. وهنا يكشف مشرف عن أن الفاروقي لم يخطط فقط لمحاولة اغتياله الثانية، بل تواجد في الموقع خلال تنفيذ المؤامرة.
وتكاد تصاب بدوار من كثرة الأسماء والتنظيمات التي يشير اليها مشرف في إطار كشفه للشبكات والخلايا المتورطة ليس فقط في محاولة اغتياله وإنما في الأعمال الإرهابية بشكل عام في باكستان.
ومن خلال الإطار الذي يقدمه مشرف تشعر بمدى السلاسة في الحركة للعناصر المتشددة دينيا بين أفغانستان وباكستان ومدى الترابط بين البلدين الذي يجعلهما بمثابة وحدة جغرافية واحدة ما سهل على تنظيم القاعدة الحركة في إطار باكستان فيما بعد أحداث سبتمبر كملاذ بديل لإفغانستان وإن وجد صدا ومطاردة من النظام القائم في باكستان، الامر الذي انعكس في سلسلة محاولات الإغتيال التي تعرض لها مشرف.
وهنا وفي إطار الكشف عن تفاصيل الشبكات التي تشكلت في باكستان جراء موقفها المساند للولايات المتحدة يشير مشرف إلى أن التحقيقات مع صلاح الدين كشفت عن تورط ضابطين باكستانيين في مساعدة صلاح الدين.
ورغم إشارة مشرف إلى أن ذلك كان مفاجأة، إلا أنه يقرر أن الأمر لم يكن بمثابة صدمة . وقد تم القبض على الضابطين وأولهما يدعى إرشاد والذي قدم بدوره كما كبيرا من المعلومات. وتم اكتشاف أنه كان أحد أعضاء تنظيم إرهابي لفترة طويلة، وأنه قابل عمر سعيد شيخ من قبل وهو الشخص المتهم بتدبير حادث اغتيال الصحافي بيرل.
كما كشف إرشاد عن محاولة سابقة لاغتيال مشرف يبدو أنها لم تتم إلى نهايتها حيث أقر بأنه تم إحضار صواريخ إلى إسلام آباد قبل نحو عام من اعترافاته من أجل توجيهها لإغتيال مشرف وكبار مسؤولي الحكومة خلال الإحتفالات بيوم الجمهورية في 23 مارس 2003 على النحو الذي يعيد إلى الأذهان ما جرى بالنسبة لعملية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات.
وتعليقا على هذه الاعترافات يذكر مشرف أن معلومات بهذا الشأن كان قد تم التوصل إليها في ذلك الوقت، غير أنه لم يتم التوصل على وجه الدقة إلى تحديد أين تم نصب تلك الصواريخ ومن أين أتت؟
وقد أخبر إرشاد أنها توجد في بيته وعلى الفور تم مداهمته في منتصف الليل حيث عثر على ثلاثة صواريخ، كما عثر على ساعات كذلك تستخدم لضبط توقيت تفجيرات القنابل، وكذلك عدد من القنابل. وهنا يشير مشرف إلى أن دافع إرشاد لم يكن دينيا وإنما البحث عن المال.
رؤية ختامية
بالعودة إلى نقطة البدء يبقى السؤال مطروحا حول الهدف من نشر الرئيس مشرف مذكراته في هذه المرحلة غير الختامية للحرب على الإرهاب، وفي ظل بقائه على رأس السلطة ؟
ومع استبعاد محاولة البعض الإشارة إلى إغراء المبلغ الذي تقاضاه مشرف مقابل النشر وهو مليون دولار يظل التساؤل هل يكمن التفسير في رغبة مشرف مصارحة شعبه بمدى الصعوبات التي وجد نفسه فيها والتي كانت تفرض اتباع النهج الذي اختطه لبلاده؟ خاصة في ضوء أن الكتاب يقدم الكثير من الأسرار والخبايا التي من المؤكد أن قطاعا كبيرا من الشعب الباكستاني لا يعرف بتفاصيلها؟
هل هي محاولة لكسب المزيد من التأييد الشعبي للحرب المتواصلة مع المتشددين الذين لم يتم النيل منهم بشكل كامل؟ خاصة في ضوء ما أشار اليه مشرف من أن بلاده كانت تواجه خطر التدمير والعودة إلى العصر الحجري سواء صح هذا التهديد أم لا؟
أم أن الكتاب رسالة موجهة إلى الخارج في ضوء النقطة المحورية التي يركز عليها مشرف وتتمثل في التأكيد على أنه ليس هناك بلد خاض الحرب على الإرهاب بعد الولايات المتحدة كما خاضتها بلاده، وأنه لا توجد دولة نالها من الأذى بسبب هذه الحرب مثلما نالت بلاده؟ أم أن الكتاب خلاصة تجربة رأى مشرف تقديمها للقارئ في الداخل والخارج في ضوء ثرائها وحيوية موقع بلاده إزاء التطورات الدولية خاصة اذا وضعنا في الاعتبار أنه لا يقتصر على تقديم رؤية للحرب على الإرهاب فقط وإنما رؤية شاملة لمستقبل باكستان؟
أيا كان الهدف فإن الكتاب يقدم إضافة مهمة على صعيد كتب المذكرات، واستطاع أن ينقل لنا رؤية مشرف لطبيعة الموقف الحرج الذي تعيشه بلاده حتى اللحظة بغض النظر عن حجم الإتفاق أو الاختلاف مع الكثير من القضايا والتحليلات والرؤى التي وردت فيه.
عرض ومناقشة - مصطفى عبدالرازق
