أطلق معهد تمويل التعليم العالي في بريطانيا مبادرة واسعة النطاق من أجل تشجيع الطلبة على تعليم اللغات الأجنبية نتيجة النقص الحاد في عدد الخريجين المتخصصين في اللغات الأجنبية.

وأفاد تقرير نشره موقع «بي بي سي أونلاين» أن المعهد خصص نحو 5,4 ملايين جنيه استرليني من أجل تمكين الجامعات من عقد دورات صيفية وبرامج تعليمية بالتعاون مع المدارس الثانوية بهدف رفع عدد الطلبة الذين يتجهون إلى دراسة اللغات الأجنبية.تأتي هذه المبادرة بالتزامن مع «اليوم الأوروبي للغات» وهو اليوم الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي من أجل تشجيع الأجيال الناشئة على تعلم أكبر عدد ممكن من اللغات الأجنبية.

وأكد التقرير أن المبادرة تحظى باهتمام كبير من الحكومة البريطانية باعتبار أن تعلم اللغات الأجنبية هو ضرورة ملحة من أجل النهوض بالاقتصاد البريطاني.وأشار التقرير إلى أن عدد التلاميذ الذين يدرسون اللغتين الفرنسية والألمانية بالتحديد شهد تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة، لاسيما أن دراسة اللغات الأجنبية هو أمر غير إلزامي للتلاميذ الذين يتراوح أعمارهم بين 14عاما و16 عاما. وفي هذا الصدد أفادت دراسة بحثية متخصصة أن الخبراء يجمعون على أهمية تعلم اللغات الأجنبية حتى مع التحاق الطفل بالدراسة مباشرة، ويؤكدون أهمية التأسيس اللغوي في مراحل العمر الأولى، حيث تكتسب المهارات اللغوية في الصغر بسهولة وتلقائية. ولا يرون أن هناك تعارضا مع تعلم اللغة الأم كما يعتقد بعض الآباء.

وقاموا برصد لبعض تجارب تدريس اللغة الإنجليزية من المستوى الأول من التعليم الأساسي خلصت إلى أن التلاميذ الذين يدرسون اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية لم يتأثر مستوى تعلمهم للغتهم الأصلية سلبا.

بل أن اللغويين يرون أن تدريس اللغات الأجنبية يمكن أن يساعد التلميذ على الإدراك العلمي والفهم السريع للتراكيب اللغوية التي لا يستطيع أن يستوعبها بيسر خلال تعلمه للغته الأم والتي يكتشفها بسهولة من خلال مقارنة لغته باللغة الأجنبية. ومما لا شك فيه هو أن قدرات التلميذ العقلية والنفسية والجسمية في سنوات التعليم الأساسي مهيأة لتعلم أكثر من لغة في وقت واحد.

وأثبتت بعض الدراسات أن الطفل الصغير يتمتع بمقدرة خاصة لاكتساب اللغة الأجنبية مثلما يكتسبها أهلها، وهذه المقدرة معتمدة على مركز في المخ يعنى باكتساب اللغات، وتتوقف مقدرته بعد مرحلة البلوغ، ويصبح تعلم اللغة مثل تعلم أية مهارة أخرى أي إنه يكون أصعب.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد تعلم اللغة الأجنبية في مدارس التعليم الأساسي -إن هو طُبق بشكل علمي مدروس - التلاميذ على توسيع مداركهم وثقافتهم، وعلى التحاور مع أبناء الشعوب الأخرى والتعرف إلى عدد أكبر من الحضارات الإنسانية. ومن المؤكد أن الاطلاع على الثقافات الأخرى ـ لاسيما في إطار المدرسة ـ لا ينطوي على أي محاذير أو خطر على قيم الدين والانتماء والهوية.

وأكدت دراسة بحثية أخرى أن تعلم اللغة الأجنبية يعد ضروريا للتعرف على الآخر وحضارته والتحاور معه بشكل جدي، وأنه لا يوجد أي تعارض بين الاطلاع على ثقافة الآخر من خلال تعلم لغته وترسيخ قيم الانتماء والهوية لدى الطلبة.

وقد أوصت بالاهتمام كذلك بتدريس اللغة الأم وتطويره وتخصيص ساعات للثقافة العامة والتربية المدنية يتم خلالها تحصين الطلبة من الغزو الثقافي الذي يتعرضون له يوميا خارج الصفوف وفي مختلف مجالات الحياة.

وفي هذا الشأن تفيد دراسة عربية من إعداد الباحثة الدكتورة د. نجاة عبد العزيز المطوع أنه في ظل العولمة لن تستطيع أي دولة العيش في عزلة عن التطورات العالمية، الأمر الذي يؤكد الحاجة لتعلم لغة أجنبية، خاصة اللغة كثيرة الانتقال والمرتبطة بهذا التقدم، مثل الإنجليزية، تيسر للفرد والمجتمع سبل التفاهم مع العالم وتساعده على الاندماج فيه والاستفادة من إنجازاته وكذلك المساهمة في زيادة مبتكراته، وذلك إلى جانب تعلم أداة الاتصال الأساسية الممثلة في اللغة الأم.

بيد أن كثيراً من دول العالم بدأ يتجاذبها اتجاهان بينهما تعارض إلى حد كبير. يتمثل الاتجاه الأول في ضرورة الأخذ بمظاهر التقدم الحضاري وما يشتمل عليه من تعليم أفراد المجتمع لغة أجنبية أو أكثر لاقتناعها بأن الانغلاق عن العالم غير مجد في ظل العولمة، وأن تعلم الفرد لغة أخرى بجانب لغته الأصلية هو السبيل الأمثل لتوسيع مداركه وإثراء تجاربه.

أما الاتجاه الثاني فإنه يرى أن تدريس لغة أجنبية في التعليم العام، خاصة في المرحلة الأساسية، سيؤدي إلى تفتيت الثقافة والهوية القومية والمتمثلة باللغة الأم، ويؤكد هذا الاتجاه أن اللغة الأجنبية لا تُدرس من فراغ، فهي ليست مفردات وتراكيب نحوية فحسب، وإنما هي وعاء لثقافات وعادات وقيم للناطقين بها، وما يترتب على ذلك من تأثير على وجدان المتعلم.

وتضيف الدراسة أن العالم العربي بدأ أخيرا الحوار حول تدريس اللغة الأجنبية في العديد من الندوات التربوية وفي الأوساط العلمية ولدى المهتمون بتعليم اللغات الأجنبية في الجامعات والمؤسسات التعليمية المماثلة.

ويستطيع المتتبع لهذا الحوار أن يتبين الاتجاهين المشار إليهما آنفاً، إذ يدعو القائلون بالاتجاه الأول إلى التوسع في تعليم اللغة الأجنبية وإدخالها في المرحلة الأساسية بل وفي مرحلة رياض الأطفال، في حين يدعو الاتجاه الآخر إلى إلغاء تدريسها في هذه المرحلة أو تأجيل إدخالها إلى السنوات الأخيرة من المرحلة الأساسية.

وأضافت الدراسة على الرغم من تعارض الاتجاهين المذكورين وصعوبة الأخذ بواحد منهما دون الآخر، فإن الملاحظ أن تعليم اللغة الأجنبية في المرحلة الأساسية أضحى أكثر انتشاراً سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة.

ولقد ازداد الاهتمام العالمي في العقود القليلة الماضية بتعليم الصغار لغة أجنبية غير اللغة الأم، وكان ذلك واضحاً في المجتمعات المتعددة ثقافيا ولغويا مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وذلك من أجل توحيد اللغة والثقافة وتحقيق مبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص التعليمية.

وقد صاحبت تلك الجهود محاولات لحل بعض المشكلات الناجمة عن تعليم أبناء الأقليات، حيث استعانت تلك المجتمعات ببرامج تربوية خاصة أو تنويع البرامج التدريسية، بهدف التعامل تعليمياً مع أبناء جماعات الأقليات، والتي يمكن إيجازها على النحو التالي:

ـ التعليم ثنائي اللغة، حيث يتعلم التلميذ لغتين في الوقت ذاته، بشرط أن يزداد ما يقدم إليه باللغة الإنجليزية تدريجياً على حساب ما يقدم إليه بلغته الأم، وذلك بهدف تمكينه من اللغة الإنجليزية، لكي تحل محل لغته الأولى تدريجياً.

ـ برنامج غمر أو انغماس التلميذ في الآخر، حيث يتم تعليم الطفل باللغة الإنجليزية منذ البداية مع إهمال لغته الأولى. وهذا النموذج أكثر انتشاراً في بعض مناطق كندا.

ترجمة وإعداد: حاتم حسين