استعرضنا في الحلقة السابقة رد الفعل الأولي لإسلام آباد على أحداث سبتمبر والموقف الصعب الذي وجدت نفسها فيه، وهو ما كان يصعب على الرئيس مشرف الوصول إلى قرار إزاء التشابكات التي وجد بلاده عليها. وفي هذه الحلقة، يتطرق مشرف إلى الجهود التي بذلتها إسلام آباد وأطراف أخرى لتجنيب أفغانستان والمنطقة ويلات الحرب وذلك من خلال إقناع الملا عمر بضرورة التخلي عن تنظيم القاعدة وتسليم زعيمه أسامة بن لادن ولكنه يشير إلى أن الأخير كان عنيداً في رأيه بحيث رفض المطالب الأميركية المقدمة من خلال باكستان ظناً منه أن أميركا ستهزم في أفغانستان.

بعد أن وجد مشرف نفسه وسط حالة من الشد والجذب بين اعتبارات عدة، يعترف بأن موقفه بمساندة الولايات المتحدة في حربها التي خاضتها فيما بعد أحداث سبتمبر في أفغانستان وعلى القاعدة كان يعكس تقديرا من جانبه بالغ البراغماتية وخالياً من العواطف لم يكن هناك مفر من أن يسلكه من أجل مصير بلاده.

ويحاول مشرف الإشارة إلى أن موقفه لم ينطلق من تهديد أرميتاج مؤكدا أنه إذا كانت الولايات المتحدة انطلقت في ذلك من رؤيتها لمصلحتها، فإن باكستان كان عليها أن تتصرف من هذا المنطلق كذلك وهي رؤيتها لمصلحتها، رغم أنه يعود إلى الإشارة إلى أنه شعر بالاستفزاز جراء موقف أرميتاج، وإن كان مشرف يذكر أنه وجد أرميتاج فيما بعد شخصاً يثير الإعجاب ورأى فيه صديقا لباكستان.

ولعل مشرف هنا يعيد الأمور إلى نصابها بشأن تهديد أرميتاج، بما يعني أنه قد لا يكون صدر على هذا النحو. ويمكن تفسير إيراده لهذا التهديد على النحو الذي أشرنا إليه على أنه يأتي في إطار وضع القارئ في الصورة بشأن ما كان يمكن أن تفكر فيه الولايات المتحدة من إجراءات انتقامية ضد باكستان حال عدم مساندتها في حربها على القاعدة وطالبان.

فمن ناحية فإنه على المستوى العملي كان من الصعب أن يكون موقف باكستان برفض التعاون مبررا لقيام الولايات المتحدة بالقيام بعمل عدائي ضدها، ولعل ما سلكته واشنطن مع طالبان، وقد كانت الأخيرة تعلن صراحة إيواءها بن لادن والقاعدة، يكشف عن طبيعة الإجراء الذي كان يمكن أن تتخذه في مواجهة باكستان ولا يمكن أن يرتقي بأي حال إلى عمل يوازي تهديد أرميتاج.

ويعزز ذلك ما ذهبت إليه ليزا كورتيس الخبيرة بشؤون جنوب آسيا في مؤسسة هيرتيج للبحوث في واشنطن من أنها لا تعرف على وجه الدقة ما قاله أرميتاج لكنها تشكك في إمكانية أن يكون قد هدد بقصف باكستان، وتأكيدها - وهي قد عملت من قبل في لجنة العلاقات الدولية بمجلس الشيوخ ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية - أن مسألة حدوث قصف إنما يمكن أن تكون تتعلق بأفغانستان، مضيفة أنها تجد من الصعب تصديق أن أرميتاج تحدث عن قصف باكستان تحديدا.

ورغم أن موقف الإدارة الأميركية من هذا الأمر يزيد القضية غموضا حيث رفضت التعقيب على ما أورده مشرف في هذا الخصوص وذكر حقيقة ما دار في حديث أرميتاج مع مدير المخابرات الباكستانية، وإن كانت الإجابة الأميركية يمكن أن نجدها في التقرير الرسمي للجنة 11- 9 والذي لم يتحدث عن أي تهديد يحتمل أن تكون الولايات المتحدة قد وجهته لباكستان.

المطالب الأميركية السبعة

بعد ذلك يشير مشرف إلى أنه في 13 سبتمبر 2001 وفيما بدا قيام باكستان بدفع استحقاقات موقفها المساند لواشنطن، فإن السفير الأميركي لدى إسلام آباد ويندي تشمبرلين قدم له سبعة مطالب بدا بعضها عجيبا ومثيرا للدهشة، منها وقف الدعم اللوجيستي للقاعدة عبر الحدود الباكستانية، ومنح الولايات المتحدة حقوقا شاملة للطيران في أجوائها والهبوط لرحلاتها العسكرية والاستخبارية،

والاستمرار في الموقف المعلن من قبل باكستان بإدانة أحداث 11 سبتمبر وأية أعمال إرهابية أخرى ضد الولايات المتحدة أو ضد أصدقائها وحلفائها والقضاء على أية مظاهر في البلاد يبدو أنها تعزز الإرهاب وكذلك تقييد حرية التعبير عن المواقف الشعبية المناهضة للولايات المتحدة.

كما شملت المطالب وقف كافة الإمدادات إلى نظام طالبان بما في ذلك الوقود وأية مواد أخرى بما فيها تزويدها بالمتطوعين الذين يمكن استخدامهم في عمليات عسكرية أو إرهابية. كما تضمنت المطالب دعوة باكستان إلى قطع علاقاتها مع نظام طالبان طالما استمر في إيواء أسامة بن لادن وعناصر تنظيمه القاعدة.

وهنا يشير مشرف إلى أن بعض المطالب الأميركية كانت مضحكة ومنها الإصرار على قمع التعبير الداخلي عن تأييد الإرهاب ضد الولايات المتحدة أو أصدقائها أو حلفائها حيث أنه وفقا لما يذكره مشرف فإنه إذا كان أحد يعبر عن آرائه فمن الصعب تقييد التعبير عن هذه الآراء.

فضلا عن ذلك فقد كان مشرف يرى عدم موضوعية المطلب الأميركي المتعلق بقطع العلاقات مع نظام طالبان لاعتبارين هامين أولهما حاجة الولايات المتحدة نفسها أن يكون لباكستان نوع من الاتصال مع أفغانستان على الأقل إلى أن يسقط نظام طالبان، ومن ناحية أخرى فإن قرارا مثل ذلك إنما يمثل قراراً سيادياً يخص الدولة صاحبة الشأن ولا يمكن أن يملى عليها من قبل أي طرف آخر.

وإذا كان مشرف قد أشار إلى مدى تجاوبه مع الرؤى الأميركية دون أن يرى في ذلك ما يدعو إلى الخجل، باعتبار أنه كان يتحرك في قراراته من المصلحة الوطنية، فإنه يؤكد على هذا التوجه بعد ذلك في مواجهة التعامل مع الطلبات الأميركية، حيث يشير إلى أنه بدا أن بعضها غير مقبول ومن ذلك مثلا مطلب الحقوق الشاملة للطيران في الأجواء الباكستانية،

حيث رأى في ذلك ما يمكن أن يمثل تهديدا لأمن بلاده الوطني، وعلى ذلك عرض ما يسميه ممرا جويا ضيقا يبعد عن أي مناطق حساسة. كما وجد مشرف صعوبة في قبول مطلب واشنطن حق استخدام موانئها البحرية وقواعدها الجوية والمواقع الاستراتيجية على الحدود.

ورغم ذلك فإنه لم يرفض المساعدة تماما وإنما قدم البديل حيث سمح للولايات المتحدة باستخدام قاعدتين فقط هما شامسي في بلوشستان، وجاكوب آباد في السند، ولعمليات محدودة وليست شاملة، حيث تم الاتفاق على ألا تتضمن هذه العمليات شن أي أعمال هجومية انطلاقا من القاعدتين.

لا خضوع

وبلغة حاسمة تحاول أن تنفي أي مجال للإيحاء بخضوع إسلام آباد للولايات المتحدة يقول مشرف: لم نقدم أي حقوق شاملة بشأن أي شيء. وفيما يشير إلى ضيق مشرف بما أثير في هذا الشأن وجعل باكستان تبدو كمن انصاع للولايات المتحدة في الحرب على القاعدة يقول مشرف انه صدم مما تردد في هذا الشأن من أنه قبل خلال المكالمة التي تمت بينه وبين باول الشروط السبعة التي أملتها الولايات المتحدة على بلاده ،

موضحا أن باول لم يمل عليه أية شروط،، مصححا المعلومة بأن هذه المطالب إنما قدمها السفير الأميركي لدى إسلام آباد في اليوم الثالث لأحداث سبتمبر. ولعل مشرف يرد بذلك أيضا على تقرير 11-9 الذي أشار إلى أنه وافق على كل الطلبات الأميركية في اليوم نفسه. وفي تأكيد على أن العملية لم تكن إملاءات أميركية وإنما كانت أخذ ورد بين الطرفين يقول مشرف أنه كان سعيدا ومرتاحا إزاء تلقي الولايات المتحدة موقف بلاده بتفهم وقبولها المقترحات المضادة على النحو الذي لم يؤد إلى توتر علاقات الدولتين.

ومن العمل في وجه العاصفة الخارجية انتقل مشرف إلى العاصفة الداخلية فبمجرد أن استقر على قراره توجه به إلى مجلس الوزراء وكما توقع فقد ساد المجلس بعض القلق من قبل عدد من الوزراء الذين لم يتم استشارتهم. كما تم التعبير عن قدر من الشكوك على مستوى القادة العسكريين في اللقاء الذي أعقب اجتماع مجلس الوزراء. وخلال اللقاءين عرض مشرف، وفق روايته، تحليله للموقف بالتفصيل وشرح كيف ولماذا توصل إلى هذا القرار.

وأجاب مشرف عن كل سؤال، على النحو الذي مكنه من القضاء على كل الشكوك التي ساورت البعض ممن شاركوا في الاجتماعين. وبناء على ذلك توجه مشرف إلى الأمة عبر الإذاعة والتلفزيون في 19 سبتمبر ليشرح أبعاد قراره للشعب، وكما توقع فقد كان رد الفعل محدودا وفي حدود السيطرة.

حملة علاقات عامة

وفي أعقاب ذلك بدأ مشرف ما يمكن اعتباره حملة علاقات عامة من أجل الحصول على دعم ومساندة قراره حيث عقد فيما بين 18 سبتمبر و 3 أكتوبر سلسلة اجتماعات مع المثقفين وكبار الصحافيين وكتاب الأعمدة والأكاديميين وزعماء القبائل والطلبة ورؤساء اتحادات العمال. وفي 18 أكتوبر التقى وفداً من الصين وناقش القرار معهم. بعد ذلك توجه إلى الجيش حيث زار مختلف الوحدات في البلاد وتحدث مع الجنود.

وعن انطباعاته يقول الرئيس الباكستاني: لقد كان الجميع بحق قلقين بشأن ما يمكن أن يؤدي إليه قصف أفغانستان من فقدان أرواح العديد من الأبرياء المسلمين. وقد حرص على تهدئة تلك المخاوف بالدعوة إلى عدم استباق الأمور والتأكيد على ضرورة إتاحة الفرصة أولا لإقناع الملا عمر بأن يفرض على بن لادن وعناصر القاعدة مغادرة أفغانستان، وبهذه الطريقة فإن أفغانستان يمكن لها أن تتجنب الضربة العسكرية من قبل الولايات المتحدة، وهو ما لم يتحقق بفعل موقف الملا عمر وأسامة بن لادن.

من هذه الخلفية يتطرق مشرف إلى تقديم رؤية تحليلية تتجاوز نطاق المعلومات بشأن الملا عمر وبن لادن اللذين يصفهما بأنهما قد يكونان الشخصين الأكثر شهرة في العالم خاصة بن لادن. وهنا يصحبنا مشرف في رحلة إلى الماضي القريب ليستعرض ما يمكن اعتباره جذور الأزمة وكيف انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه في أفغانستان من صعود طالبان ومساندتها للقاعدة .

وفيما يمكن اعتباره نوعاً من النقد الذاتي الشامل، ينتقد مشرف الاستراتيجية التي اتبعتها مجموعة من الدول من بينها الولايات المتحدة وبلاده مع الوضع في أفغانستان، والتي تمثل حسبما يذكر في استراتيجية عكست رؤية مصلحية قصيرة الأمد لم تنتبه إلى المشاكل التي يمكن أن تتسبب فيها على المدى البعيد.

يعرض مشرف هنا لقصة تطور المجاهدين في مواجهة الاتحاد السوفييتي وكيف أن الولايات المتحدة وبلاده دعمتهم بكل الوسائل. والرسالة التي يريد مشرف توجيهها للقارئ من ذلك إنما تتمثل في التأكيد على أن الولايات المتحدة هي التي أخرجت المارد من القمقم، وهو الأمر الذي عززه أنها تركت أفغانستان فريسة فيما بعد رحيل السوفييت متجاهلة ما يمكن أن يؤدي إليه وضع يسيطر عليه زعماء الحرب هناك.

ويضيف كما أن الولايات المتحدة تعاملت مع بلاده على مدى العقدين فيما قبل سبتمبر على أفضل نحو يمكن أن يؤدي إلى فقدان دولة لعلاقاتها الجدية مع دولة أخرى صديقة، مستعرضا بعض المشاكل التي شابت علاقات البلدين والتضييق من قبل واشنطن على باكستان في إطار مساعي الإدارات الأميركية المتعاقبة للحيلولة دون وصول إسلام آباد إلى إنتاج القنبلة النووية وهى الجهود التي لم تنجح في نهاية الأمر.

وهنا يلخص مشرف رؤيته للصيغة التي قامت عليها علاقات الأطراف المختلفة آنذاك على أنها كانت تتمثل في استخدام كل عنصر للآخر، استخدام الولايات المتحدة وباكستان طالبان من أجل تحقيق أهداف خاصة، والعكس المتمثل في استخدام طالبان للدولتين من أجل تعزيز سيطرتها وقبضتها على البلاد، غير أن المشكلة أنه بمجرد أن تحقق لطالبان هدفها فإنها خرجت عن نطاق سيطرة القوى التي أطلقتها.

ومن هذه الجزئية يتطرق إلى تاريخ الملا عمر وكيفية تولي طالبان الحكم في أفغانستان بمساعدة باكستان بالطبع مستعرضا مرحلة ما بعد عودة أسامة بن لادن إلى أفغانستان واستقطابه ثانية متطوعين من أنصاره من مختلف أنحاء العالم وبدءه أعمالا معادية للولايات المتحدة من هناك ومنها الهجوم على السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، وتخطيطه لتفجير القنصلية الأميركية في جدة،

وهو ما استدعى تدخلا سعوديا قاده الأمير تركي الفيصل مدير الاستخبارات السعودية آنذاك برفقة مدير المخابرات الباكستانية من أجل إقناع الملا عمر بالتخلي عن مساندة بن لادن إزاء مخططاته ضد المصالح الأميركية والعربية ورغم ذلك فإن طالبان أصرت على موقفها بمساندة بن لادن.

وإدراكا منه لطبيعة موقف طالبان من أسامة بن لادن وتمسكها به وحمايته، فقد كان تفكير مشرف فيما بعد أحداث سبتمبر هو كيف يمكن إقناع طالبان بتغيير موقفها إزاء ما آل إليه الوضع من تطورات، وبالتالي تجنيب أفغانستان ضربة عسكرية؟ لقد كان اتجاه باكستان لتحقيق ذلك هو اقتراح المفاوضات رغم أن الأمل في الوصول إلى نتيجة، وفق ما يذكر مشرف، كان ضعيفا.

وأدى ذلك بالولايات المتحدة والعالم إلى إدراك أهمية أن يكون لباكستان علاقات دبلوماسية مع نظام طالبان، وهو الأمر الذي يحاول مشرف من خلاله الإشارة إلى صحة موقفه الذي أشرنا إليه في سطور سابقة في إطار السجال بينه وبين واشنطن بشأن مطالبها السبعة ومن بينها قطع العلاقات الدبلوماسية مع طالبان.

هنا يشير مشرف إلى ما يمكن توصيفه بنوع من «التيبس» في تفكير الملا عمر، ويعكس جمود الرؤية التي كان يمثلها بما يبدو معه من الغريب أن يقود دولة ويخوض بها غمار التعامل في المجتمع الدولي. لقد كانت المشكلة طبيعة إدراك الملا عمر التي تقوم على فهم مغلوط للدين.

وهنا فإنه من الجوانب التي تعكس هذا الفهم الذي يمكن توصيفه بأنه فهم حرفي قد يكون العمل به في كافة الجوانب غير مطلوب ما يشير إليه مشرف من أن الملا عمر خلال اللقاء الذي أشرنا إليه وجمعه مع مديري الإستخبارات السعودية والباكستانية، وإثر وصول أجواء اللقاء إلى حالة من التوتر على خلفية الجدال بشأن تسليم بن لادن، انتابته حالة من الغضب،

فما كان منه إلا أن غادر المكان فجأة ليعود بعد لحظات ووجهه مبتل. ويبدو من حديث مشرف أن الملا عمر قام للوضوء عملا بمعنى الحديث النبوي اذا غضب أحدكم فليتوضأ ليطفئ غضبه. قد لا يكون هناك غبار على هذا السلوك ولكنه يشير إلى الالتزام الحرفي الذي قد لا يكون من المحبذ العمل به على مستوى القضايا الكبرى التي تتعلق بمصير الشعوب.

وعودة إلى رواية مشرف لتناول هذه الجزئية بشكل أكثر تحديداً فنشير إلى ما يذكره من أن الملا عمر كان ينظر لأحداث سبتمبر على أنها عقاب من الله للأميركيين على عدم عدالتهم مع قضايا المسلمين. وعلى هذا الأساس فإن الملا عمر راح يبني موقفه بالنسبة لأسامة بن لادن على أن الله يقف إلى جوارهما. وعلى هذا يشير مشرف إلى أن المفاوضات مع الملا عمر بشأن هذه القضية كانت بالغة الصعوبة. لقد كانت بتعبير مشرف كالمرء الذي «يخبط رأسه في الحائط».

نهجان مختلفان

ويبدو أن هذه المواقف كانت تثير حفيظة مشرف، في ضوء الطبيعة المختلفة لشخصيته والتي تتمثل في نهج أكثر انفتاحا يصل في بعض الأحيان إلى تبني رؤى علمانية، ولهذا نجده يذكر في تعليقه على شخصية الملا عمر بالقول إنه كان يعكس تصورا للحياة مختلفا تماما وعلى هذا فشلت جهود إقناعه بإبعاد بن لادن في حدود التاريخ أو المهلة التي حددها بوش لذلك وهي 7 أكتوبر 2001. لقد تم إخباره بأن بلده سوف يتم تدميرها لكن مشرف يشير إلى أنه يبدو أنه لم يكن يفهم معنى ذلك.

كان الملا عمر يتصور بالفعل أن القوات الأميركية يمكن هزيمتها. ويقرر مشرف أن ذلك إنما بناء على تفكير بن لادن نفسه وأيضا بعض علماء الدين بما فيهم بعض العلماء الباكستانيين. ومع شن الولايات المتحدة عملياتها الحربية ضد أفغانستان لم تصمد طالبان كثيرا وفي الأسبوع الأول من ديسمبر هرب الملا عمر على دراجة نارية من طراز هوندا. وفي هذا يذكر مشرف أنه راح يمزح مع رئيس الوزراء الياباني لدى سؤال هذا الأخير عنه حيث أشار إلى أنه اختفى على دراجة نارية من طراز هوندا وأن ذلك يمثل أفضل دعاية للشركة يمكن ان تعتمدها في إعلاناتها.

ويرجح مشرف أن يكون الملا عمر توجه إلى قندهار نافيا أن يكون في كويتا بباكستان، حسبما حاولت بعض المصادر أن تؤكد، مضيفا أنه لو كان كذلك بالفعل لتم القبض عليه كما تم مع عناصر طالبان الأخرى، والتي هرب معظمها إلى المناطق القبلية الباكستانية الأمر الذي تسبب لإسلام آباد في مشاكل جمة. ويبدو أن مشرف هنا يؤكد حرص بلاده على مطاردة فلول طالبان والقاعدة في ضوء الاتهامات التي ما زالت مستمرة حتى الآن بأنها تقدم مساعدات غير مباشرة لطالبان،

وهى الاتهامات التي أدت إلى توتر العلاقات بين باكستان والنظام القائم حاليا في أفغانستان لم تنجح معها جهود بوش في تجاوزها خلال لقائه مع كل من مشرف وقرضاي مؤخرا. كما أدت إلى نوع من الشد في علاقات باكستان وبريطانيا في ضوء تقرير وزارة الدفاع البريطانية الذي يتهم عناصر من الاستخبارات الباكستانية بتقديم مساعدات لطالبان.

من الملا عمر يعرض لنا مشرف سيرة حياة أسامة بن لادن وتنظيمه القاعدة ومن أين جاءت التسمية وتطور التنظيم إلى الحال الذي وصل إليه مع وقوع أحداث سبتمبر. وإزاء نجاح الولايات المتحدة في تفكيك القاعدة الرئيسية للتنظيم في أفغانستان فقد بدأ عناصر التنظيم في اتباع طرق جديدة في التواصل، الأمر الذي صعب من تحقيق هدف القبض على رأس التنظيم أسامة بن لادن.

وهنا يذكر مشرف أنه تم القيام بكل ما يمكن من أجل إلقاء القبض على بن لادن غير أنه نجح في أن يظل طليقا ومن أجل ذلك فقد لجأ بن لادن إلى أسلوب خاص بدائي في نقل الرسائل بدلا من وسائل الاتصالات الحديثة. ويشير إلى أن مكان تواجد أسامة ورفاقه ما زال من الأمور التي تشكل لغزا يعرب مشرف عن رغبته في التوصل إلى حله.

وفي إشارة إلى الجهود التي بذلت في هذا الصدد يشير إلى أنه إثر إلقاء القبض على رمزي بن الشيبة المختطف المفترض رقم عشرين من بين من قاموا بأحداث سبتمبر عقب هربه من تورا بورا واعتقال اثنين من رفاقه من بورما فإن أحدهما أشار إلى أنه قابل أسامة بن لادن في موقع لم يستطع أن يحدده في يونيو 2002.

أما خالد شيخ محمد والذي يعد رقم 3 في القاعدة بعد بن لادن والظواهري فقد أنكر أنه التقى بن لادن بعد أحداث سبتمبر، وإن كان قد أخبر أنه حي وبصحة جيدة وأنهم على اتصال. أما أبو فرج الليبي والذي حل محل خالد شيخ محمد في التنظيم فقد اعترف إثر القبض عليه في أواخر مايو 2005 بأنه على اتصال مع أسامة بن لادن وأن آخر خطاب تسلمه منه كان في ديسمبر .

عرض ومناقشة - مصطفى عبدالرازق