في أواخر الثمانينات، كنت أول صحافي غربي سمح له بدخول أكثر السجون ترويعاً في العالم، سجن لوبيانكا المشؤوم في موسكو. لم يجرؤ أبناء موسكو على التفوه باسم مقر قيادة أمن الدولة «الكي جي بي»، وأطلقوا عليه عوضاً عن ذلك اسم محل مجاور للعب الأطفال يدعى «ديتسكي مير».
ما زلت أرتعد خوفا عندما أتذكر الزنازين تحت الأرض في سجن لوبيانكا، غرف التحقيق الكئيبة، وأقبية الإعدام، حيث عذب وقتل عشرات الألوف. جلست على المكتب الذي أصدر منه الوحوش الذين أداروا تشيكا (الشرطة السرية السوفييتية) ـ وهم دزيرجنسكي، ياغودا، ييزوف، بيريا- أوامرهم بإعدام 30 مليون ضحية.
كان السجناء الذين أّخذوا في ظلمة الليل إلى لوبيانكا يتعرضون للضرب بصورة منتظمة وطوال أيام بخراطيم المياه المطاطية والهراوات. كانت هناك غرف باردة حيث كان يتم تجميد المعتقلين من البرد إلى حد الموت. وكان الحرمان من النوم أسلوباً مفضلاً وأكثر فاعلية لدى تشيكا. وكذلك كان التعذيب بالاقتراب من الاختناق غرقا في ماء ملوث بالبول والبراز.
أتذكر هذه الفظائع الماضية بسبب ما وصفته منذ فترة طويلة بـ «إضفاء الطابع السوفييتي» على الولايات المتحدة بصورة تدريجية. وقد اتضح أخيراً أن كندا كانت متأثرة من ذلك أيضا. رأينا رئيس أميركا ونائبه يقسمان على صيانة الدستور، يؤيدان بعضاً من أساليب التحقيق ذاتها التي كان يستخدمها «الكي جي بي» في سجن لوبيانكا. فمن الواضح أنهما يعتقدان أن الضرب، والتجميد والحرمان من النوم والتعذيب بالغرق، أساليب ضرورية للحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية. وهكذا كان يفعل ستالين.
أصر البيت الأبيض على أن أي أحد- بما في ذلك الأميركيين- يمكن أن يتم اختطافه ومحاكمته أمام الكاميرا باستخدام «أدلة» تم الحصول عليها عن طريق تعذيب متهمين آخرين. وينكر بوش ورفاقه أن الولايات المتحدة تستخدم التعذيب ولكنهم يرفضون القانون الأساسي المتعلق بحق المثول أمام القاضي في المحكمة والقوانين الأميركية ضد الممارسة الشريرة. تقول الأمم المتحدة إن خطط بوش تنتهك القانون الدولي واتفاقيات جنيف.
إن الاتفاق المؤقت الأخير بين بوش والكونغرس من شأنه أن يحد من التعذيب نوعاً ما، ولكنه يعفي المسؤولين الأميركيين من الالتزام باتفاقيات جنيف. كان لدى الكنديين وجهة نظر تبعث على الصدمة حيال الدكتاتورية الزاحفة المماثلة مع تكشف فظائع الاضطهاد الذي تعرض له ماهر عرار.
فبفضل المعلومات غير الصحيحة من أجهزة الشرطة الكندية، ألقت الولايات المتحدة القبض على مواطن كندي وأرسلته إلى سوريا. كانت بعض الدول في الشرق الأوسط وباكستان تُستغل من قبل إدارة بوش من أجل القيام بعمليات التعذيب خارج الولايات المتحدة.
وكان المتهمون يتعرضون للاختطاف من قبل الولايات المتحدة، غالباً على أساس معلومات مغلوطة أو أكاذيب، ومن ثم يتم إرسالهم إلى دول أخرى لكي يتم تعذيبهم حتى يعترفوا. وما هو الهدف الواضح من برنامج «التسليم» هذا؟الحصول على بعض المعلومات المفيدة. وقد استخدم جهاز تشيكا و استخبارات ألمانيا الشرقية الممارسات ذاتها.
لم أعتقد يوماً بأنني سأرى الولايات المتحدة- نصيرة حقوق الإنسان وحكم القانون- تشرّع التعذيب والمحاكم الصورية على النمط السوفييتي. ولم يخطر ببالي يوماً بأنني سأرى الكونغرس وغالبية الأميركيين يؤيدون إجراءات مثل هذه الدولة البوليسية. لا بد وأن واشنطن، جيفرسون، ولينكولن يتقلبون في قبورهم الآن.
بالنسبة لي، كانت كندا دائماً ملاذاً للاعتدال، العيش الكريم، وحكم القانون- إلى أن أظهرت قضية ماهر عرار على نحو أثار الصدمة أن هذه الدولة بإمكانها أيضاً أن تسقط في سلوك الدولة البوليسية. إن المعاملة السيئة التي تعرض لها عرار من قبل كندا والولايات المتحدة كانت نتيجة الحملة ضد الأجانب، إضافة إلى العنصرية المناهضة للإسلام، الحماقة، الجبن البيروقراطي وعدم الكفاءة.
رأينا دعم أوتاوا للاضطهاد الوحشي بحق مواطنيها، و رفض الولايات المتحدة المساعدة في التحقيق مع عرار. ينبغي على المدعي العام الأميركي السابق جون أشكروفت، الذي سمح بالقبض على عرار، أن يواجه العدالة بسبب هذا العمل وكثير من الأعمال السيئة الأخرى. ويتعين على المدعي العام الأميركي الحالي ألبيرتو غونزاليس - الذي أنكر أن إدارة بوش كانت المسؤولة عن إبعاد عرار وتعذيبه- أن يخجل من نفسه.
يجب على كندا أن تطالب بتحقيق أميركي شامل، واعتذار وضمان بأن الكنديين لن يكونوا مجددا ضحايا لأعمال إجرامية كهذه تديرها الدولة. وقد آن الأوان لرئيس الوزراء ستيفن هاربر أن ينصح أصدقاءه الحميمين الجدد في واشنطن بأن كندا ليست جمهورية موز.
كما أن المسؤولين المتورطين بشكل مباشر في أكثر القضايا قذارة ودناءة في تاريخ كندا الحديث يجب أن يواجهوا العدالة. فهم على الدرجة نفسها من الذنب مثل الذين قاموا بتعذيب ماهر عرار وضربه طوال عشرة أشهر من دون رحمة.
ترجمة: كوثر علي
عن» تورونتو صن»