تشعر سوريا بأنها خرجت منتصرة من الأزمات الأخيرة التي عصفت بالشرق الأوسط والتي تجسدت بالنصر الانتخابي لحركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة والعدوان الإسرائيلي على لبنان عموما وحزب الله على وجه الخصوص. ويبدو رئيسها بشار الأسد (1965) متأكدا وواثقا من هذا الوضع الجديد.

لكن يبدو أن نبرته تميل إلى الحوار أكثر من التحدي. حوار مع إسرائيل لكن في المقام الأول مع الولايات المتحدة، إذ أنه يردد مرات عدة أثناء هذا الحوار الذي خص به صحيفة «البايس» الإسبانية أخيرا في مقره الرسمي في قصر الشعب السوري بدمشق ـ يردد عبارات من قبيل أنه يتعين على الولايات المتحدة أن «تتكلم معنا لنتفاهم... يجب عليها أن تصغي إلينا».

وفيما يلي جانب من الحوار:

ـ لماذا انتقدتم القرار 1701، الذي أنهى الحرب في لبنان؟

ـ موقف سوريا لم يتغير. فلقد ساندنا القوات الدولية دائما، لكن ثمة عناصر أخرى في القرار. ونحن نرى أنه غير متزن، لكننا نبحث عن جانبه الإيجابي، كذلك فيه نقاط غامضة بعض الشيء تعتمد على كيفية تطبيقه. فإسرائيل، على سبيل المثال، لم تنسحب حتى الآن من لبنان بالكامل وطيرانها يواصل انتهاك السيادة اللبنانية ولقد حدثت ثلاث عمليات عسكرية بعد وقف إطلاق النار. علينا أن نفهم أن تأثيرات القرار مؤقتة وربما تأخذ شهورا أو سنين، لا ندري... الحل هو تحقيق السلام.

ـ ما رأيكم بالمشاركة الاسبانية في القوة متعددة الجنسيات في لبنان وهل يقلقكم القول إن وجود القوات الأوروبية في لبنان هو مؤامرة غربية لتقسيم العالم العربي؟

ـ ما دمنا ندعم اليونيفيل فمن الطبيعي أن ندعم أي دولة مشاركة فيها واسبانيا تتمتع بمصداقية عند العرب ولا سيما بعد مجيء رئيس الوزراء ثاباتيرو والأهم من كل ذلك هو أنه إذا بقيت اليونيفيل تعمل ضمن صلاحياتها القانونية في إطار الفصل السادس وليس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. لكن كي تنجح هذه الجهود، فإنها تحتاج إلى الاستقرار في المنطقة أيضا، فبموازاة وجود هذه القوات، فإن العمل السياسي الموازي مهم جدا لنجاحها.

وهناك عنصر آخر قد يبدو بعيدا لكنني أعتبره مهما وهو دور أوروبا بشكل عام، فلقد تراجع هذا الدور كثيرا خاصة في العام الماضي، ربما لأن الأوروبيين انشغلوا بالدستور الأوروبي وربما بسبب الانقسام الذي سبق الحرب على العراق. ولذلك، فإني أرى في المحصلة النهائية أن المشاركة إيجابية حتى الآن ونحن نعمل على أن تبقى كذلك.

ـ إسرائيل تتهم سوريا بالسماح بمرور الأسلحة إلى حزب الله عن طريق حدودها، وأثناء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة ببداية سبتمبر، تعهدتم باتخاذ إجراءات للحيلولة دون ذلك. هل قمتم بذلك فعلا وما هي طبيعة تلك الإجراءات وأية نتائج تحققت؟

ـ نعم. لقد اتخذنا اجراءين.الأول قمنا بتعزيز حدودنا مع لبنان، الأمر الذي جعلنا ننقل جزءا من قوات حرس الحدود من حدود العراق إلى حدود لبنان. وأنا أنتظر الآن أن يصدر قريبا القرار 1800 لإعادة قواتنا من حدود لبنان إلى حدود العراق. الإجراء الثاني، في محادثاتنا مع كوفي عنان والإيطاليين والألمان عرضوا علينا مساعدة تقنية لمراقبة الحدود ونحن وافقنا على تعاون خبرائهم.

لكن أقول لكم وبالصراحة ذاتها أان الأمين العام لحزب الله قد أعلن بنفسه منذ بضعة أيام أن حزبه يملك عشرات الألوف من الصواريخ وبالتالي فإن جميع تلك الإجراءات مضيعة للوقت لأنها هروب من الحل الأساسي ولا تلج إلى قلب القضية. والحل الوحيد أبلغته للأطراف المعنية ويقوم على الثقة بسوريا. إذا كانت هناك نية لإدخال أسلحة مهربة، لا قرارات مجلس الأمن ولا أي انتشار عسكري قادر على الحيلولة دون ذلك وهذا يحيلنا من جديد إلى ضرورة السلام.

ـ بعيدا عن العدو المشترك الذي قد يكون إسرائيل، يساء في الخارج فهم تحالف نظام علماني مثل سوريا مع جماعة إسلامية. ألا تخشى أن «يثير» خطاب زعيم حزب الله المسلمين في سوريا؟

ـ الحقيقة هي أن ذلك الخطر ليس موجودا. والخطاب السياسي للسيد حسن نصر الله لا يمثل جماعة إسلامية فحسب، وإنما فئات لبنانية عريضة أيضا. ومن بين حلفائه هناك جماعات علمانية وحتى مسيحية. وما كان بوسعه أن يملك كل تلك القوة لولا ذلك الدعم الشعبي الواسع.

ـ تم في مايو الماضي اعتقال مجموعة من المنشقين إثر المطالبة بتطبيع العلاقات مع لبنان. ولا يزال عدد منهم في السجن. متى ستطلقون سراحهم؟ لماذا التطبيع مع لبنان مسألة حرجة بالنسبة لسوريا؟

ـ لا يتعلق الأمر بخلافات سياسية. فلقد انتقدوا الحكومة في مناسبات سابقة ولم نتدخل. إنها مسألة مختلفة تماما. فهناك جماعات لبنانية طلبت من الولايات المتحدة مهاجمة سوريا، والمعتقلون تعاونوا معها، والقانون السوري يعاقب على هذا التصرف بالسجن. بصورة إجمالية، وقع النص 214 أودع 10 منهم السجن كمسؤولين. وبعد الإجراءات القضائية، أطلقت المحكمة سراح 6 منهم والتحقيقات مستمرة. ومن الممكن أن يطلقوا سراح البقية. فالمسألة لا تتعلق بجرم رأي وإنما بالتعاون مع العدو.

ـ قدم المحقق باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري سيرجي براميرتز تقريره الثالث الذي يقول فيه انه يتضمن معلومات كافية للبدء بمحاكمة قضائية؟ هل يقلقكم أن يوجه الاتهام إلى مسؤول ما رفيع المستوى من بلادكم؟

ـ يقلقنا ذلك إذا ما تم على أساس دوافع سياسية. لكن إذا كان يتعلق بتبيان الجريمة، فإن ذلك سيكون لمصلحة الجميع بما فيها مصلحتنا. المهم في ذلك التقرير هو أنه يؤكد تعاون سوريا، تماما مثلما أشار التقرير السابق.

ـ يبدو أنكم تنوون تحويل أزمة هذا الصيف إلى فرصة لمعالجة مشكلات الشرق الأوسط وتحقيق السلام، الأمر الذي تعد الولايات المتحدة فيه لاعبا أساسيا. ما الذي يمكن أن تطلبونه منها؟ وما الدور الذي يمكن لسوريا أن تلعبه في خطة تلك القوة للمنطقة؟

ـ لا نطلب سوى أن تلعب دورا عادلا ومحايدا، لكنها لم تقم بذلك حتى الآن، ولا توجد بلدان أخرى قادرة على شغل مكانها في المنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع التصرف بطريقة أحادية في المنطقة. من هنا تنبع أهمية أوروبا. يتعين على الأميركيين أن يتكلموا معنا كي نتفاهم ولنعرف من نحن وماذا نريد.

كما أنهم يحتاجون الأوروبيين كي يفهموا المنطقة على نحو أفضل. وأوربا تتمتع بقوة أكبر حين تتصرف بمعزل عن الولايات المتحدة، لكن بالتعاون مع ذلك البلد والأمم المتحدة. قد يكون ذلك كفيلا بأن يحدث توازنا في دور الولايات المتحدة وتحقيق السلام.

ـ إذا ما جمعكم لقاء مع جورج بوش، ما الذي كنت لتقوله له؟

ـ أولا، أن يسمع الآخرين، بدءا بمن يعانون من المشكلات، لكن المشكلة هي أنه لا يستمع حتى لحلفائه... أن يسمعنا. في المقام الثاني، عليه القبول بأنه قد ارتكب أخطاء جسيمة. وكنت لأوجه إليه بعض الأسئلة أيضا، حول إذا ما كانت الولايات المتحدة مهتمة حقا بالسلام وما هي رؤيتها لتحقيقه ؟ وكنت لأقول له، في النهاية، إن الإرهاب يمثل اليوم تهديدا أكبر مما كان عليه قبل 11 سبتمبر. ولذلك أصر على حلفائنا الأوروبيين أنه يتوجب علينا التكلم مع الأميركيين لإقناعهم بأن عقيدة الحرب الاستباقية أخفقت.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «البايس» ـ اسبانيا