يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة في عرضنا لهذا الكتاب،موضوع الوعي الجماهيري لما يحدث في العالم وأثره على ما يقدم له في وسائل الإعلام المختلفة،فالجمهور الأميركي يهتم بأخبار أوبرا وينفري وغيرها من المشاهير أكثر من اهتمامه بالأخبار السياسية والاقتصادية الجادة.
ولكن هذا الأمر لا يعفي وسائل الإعلام من مسؤولياتها، حيث أنها تتعمد التركيز على أخبار المشاهير الخفيفة وذات الطابع الفضائحي من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، كما أنها قد تكون منحازة إلى هذا الطرف أو ذاك اعتمادا على مصادر التمويل، فمن يملك المال يملك السيطرة. ولذا نجد المؤلف يذهب إلى القول إن الاستقلالية المادية تفسح الطريق أمام انتهاج الموضوعية في وسائل الإعلام. ماذا جرى للصحافة وللصحافيين؟ المقصود بالصحافة هنا هو السباق الأوسع والمجال الأعرض، ذلك المستخدم في الغرب بالذات، الصحافة عندنا مازالت تعني الجرائد والمجلات المطبوعة. والصحافة عندهم تشمل.
فيما تشمل الإعلام التلفزيوني المرئي والإعلام الإذاعي المسموع، كل العاملين صحافيون سواء كانت أداتهم مطبعة الجريدة أو مذياع الراديو أو شاشة التلفاز، شريطة أن يكونوا صحافيين بحق، إعلاميين بإتقان مهنيين بامتياز، لا هم دخلاء على مهنة السلطة الرابعة كما أصبحت تسمى، ولا هم متطفلون بحكم الواسطة أو المحسوبية أو مِلكية رأس المال على بلاط صاحبة الجلالة كما تسمى أيضا في بعض الأحيان.
المقولات الرئيسية المتبقية من فصول هذا الكتاب تنقسم إلى فئتين... الأولى عبارة عن نقد ذاتي أو هو حديث تأملي مع النفس من داخل صناعة الصحافة ذاتها وفق التعريفات الأشمل والأوسع التي طرحناها لصناعة ومهنة الصحافة ـ الإعلام... الثانية محاولات من جانب المؤلف لطرح ما يتصوره بأنه حلول أو مجرد مخارج من الورطة المهنية التي تواجهها صحافة زماننا بكل المطلوب منا أداؤه سواء على مستوى الصناعة أو المهمة أو الرسالة.
الإعلام ينقد ذاته
في جانب النقد الذاتي يضع المؤلف نفسه وربما يضع قارئيه، وخاصة ممارسي مهنة الإعلام على كراسي الاعتراف يقول (ص135): الصحافيون أصحاب مهنة تتوازى مع المهن الأخرى (المحترمة والمهمة اجتماعيا) كالطب مثلا، ولا يتورع الصحافيون عن نشر الغسيل القذر الذي يوضح وينقد ويهاجم أخطاء أصحاب المهن الأخرى: الطبيب، المهندس، المخطط، المصرفي، الاقتصادي، الخ.
وبمعنى أننا نحترف نقد كل طرف «آخر»، وخذ بالك من لفظة «آخر» هذه، فإذا ما جاء الدور على حديث عن نواقصنا وأخطائنا لطرحه عن غسيل الصحافة، الملطخ بالبقع، يحرص الصحفيون على إبقائه مستورا في طيّ الكتمان، لكن ربما تكون الأمور والأوضاع والمفاهيم قد تغيرت ولو مع بدايات التغيير.
في هذا الخصوص ينقل كتابنا عبارات أسرّ بها إليه معلق تليفزيوني شهير ومخضرم هو «أندي روني» الذي يرتقب المشاهدون تعليقه الطريف والثاقب والمفيد في كل عدد يصدر من المجلة التليفزيونية الشهيرة بعنوان «60 دقيقة» وهي تذاع على موجات التليفزيون والراديو من شبكة سي. بي. إس، وتعد أقدم وأشهر برنامج إخباري تليفزيوني في أميركا وربما في عالم الصحافة الالكترونية المعاصرة، أندي روني كان مراسلا إخباريا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وقد أورد المؤلف ملاحظاته على النحو التالي: كلما خرجت للغداء مع ثلة من العاملين في صناعة الإعلام الإخباري، إذا بهم يتكلمون كثيرا عن أخلاقيات تلك الصناعة، ولست أعتقد أن العاملين في صناعة التأمين مثلا يذهبون إلى الغداء ويتكلمون كثيرا عن أخلاقيات صناعة التأمين.
عنصر المال
لكن الأخلاقيات، ومواثيق الشرف الإعلامي كما يسمونها لم تكن كل شيء، وربما كان الأهم كما ينبه المؤلف مرارا وتكرارا هو عنصر المال، هو نقص الميزانيات، أو بالأصح هو سوء توزيع مخصصات الميزانية المرصودة لأغراض الإعلام، ويصل هذا السوء إلى حد التقتير بالنسبة لبند الأخبار الجادة والتغطية السياسية الحصرية والكفؤة مهنيا لأحداث الخارج، لكن الصرف إلى حد التبذير يتم لصالح برامج أخبار نجمات السينما وعارضات الأزياء ومشاهير الرياضيين.
وهناك نموذج لهذا التقتير هنا والإسراف هناك (وهو قول مأثور في مجال السياسة العربية ومنسوب إلى أحد شيوخ الجامع الأزهر في مصر، في العهد الملكي حيث كان العالم الجليل ينعي على الحكومة وقتها التقتير عن مخصصات معاهد الأزهر والإسراف للإنفاق على نزهات الملك فاروق في الريفيرا).
ومن علامات هذه الظاهرة المَرضية ما ينسبه المؤلف إلى المذيع الأميركي الشهير دان راذر حين قال (ص139): في منتصف التسعينات، استشعرت قناة «سي. بي. إس» خطرا ما أصبح يعرف باسم «المتطرفين - المتشددين ـ أو الأصوليين الإسلاميين» وكان المهم فهم الظاهرة وبلورة أساليب التعامل الواعي معها، وكم عُقدت مداولات على مستوى إدارة الشبكة من أجل افتتاح مكتب لمراسل تليفزيوني في مصر بالذات باعتبار موقعها المؤثر المحوري في منطقتها، ودارت المناقشات وأكدت الآراء ضرورة اتخاذ هذه الخطوة الحيوية، وبعدها لم يتم شيء، وكان السبب هو: الميزانية.
كان «دان راذر» يسوق هذه الأمثلة على سبيل الانتقاد لكن على محك التجربة العملية لم يكن أداء نفس المذيع ـ النجم على المستوى المطلوب. لقد أوفدوا دان راذر إلى الصين في عام 2004، قبل ذهابه كان يردد آراء متعمقة وصائبة يقول فيها: الصين نجم صاعد في مجالات الاقتصاد ولابد من فهم نشاطها. الصين لديها رغبة عارمة كي تضطلع بدور قيادي حاكم وحاسم في إقليمها الآسيوي، والمطلوب رصد تطورات هذا الدور. الصين قوة عسكرية متصاعدة، والمطلوب متابعة تنامي هذه القوة والتحسب تأهبا لما تسفر عنه من نتائج، إلى آخر هذه الطروحات السياسية الموضوعية والثاقبة.
بيد أن المؤلف يحرص في أواخر كتابه على مقارنة هذه المقولات الموضوعية مع الأداء الحقيقي لقائلها حين أوفدوه لتغطية أخبار المارد الأصفر المرتقب في الأشهر العشرة الأولى من عام 2004. وجاءت حصيلة التغطية «المهولة» من أرض الصين لتتمثل في 4 مواضيع تمت تغطيتها تليفزيونيا بواسطة الشبكة القومية رقم واحد في تليفزيون أميركا وهذه المواضيع هي:
(1) الطبعة المزيفة باللغة الصينية لسيرة حياة الرئيس السابق كلينتون.
(2) موضوع عن بحوث الخلايا الجذعية في الصين.
(3) موضوع عن حيوان الباندا في الصين.
(4) موضوع آخر عن الباندا. ودمتم!
لزوم ما لا يلزم
وهكذا لم يتح للمشاهد، وللقارئ، للمثقف، للمواطن الأميركي أن يعرف ما كان ينبغي معرفته عن تطورات الأمور وعن مستقبل ما تؤول إليه هذه الأمور في بلد لا سبيل إلى التهوين لا من شأنه ولا من دوره المرتقب وهو الصين. صحيح أنه عرف قليلا عن كائنات الباندا في حدائق حيوان بكين.
وعرف عن قراصنة الطباعة في الصين الذين حرموا السيد كلينتون من حقوق النشر الطائلة بطبيعة الحال، لكن هذا كله يندرج تحت ما تصفه اللغة العربية بأنه «لزوم ما لا يلزم»، فلا أحد يستطيع أن يصوغ وعيا عميقا ولا أن يركن إلى رأي عام مستنير، ناهيك أن يرسم سياسات أو استراتيجيات وهو لا يكاد يعرف شيئا له قيمة عن أكبر بلد في العالم من ناحية السكان، وأيضا من ناحية التطلع إلى الدور وطموح المكانة.
ولا سبيل إلى السكوت على مثل هذا التجهيل الإعلامي ولا صرف النظر عنه ولو مؤقتا، إن المسألة تخرج من إطار الصناعة الإعلامية لتدخل ضمن صميم الممارسة الديمقراطية.
إنها تعني ـ كما يقول مؤلف الكتاب ـ أننا نترك الحكومة (الأميركية) كي تعمل وتنشط بعيدا عن شواطئنا دون أن تكون مسلحة بالمعرفة الكاملة عما يجري هناك ـ بينما هي (ونحن) نواجه قوما يكرهوننا، سواء بسبب ما عانوه من أخطاء ارتكبت باسمنا أو بسبب غرورنا الذي جعلنا نتمركز (يقصد ننعزل في قوقعة الغرور) حول ذاتنا غرورا منا وعزوفا عن التفاعل الخارجي المطلوب. إن هذا الجهل ـ يضيف المؤلف ـ إذا تقبلناه كأنه حقيقة من حقائق الحياة يصبح معناه أننا نقبل بنهاية تزحف إليها أو تزحف إلينا الديمقراطية المستنيرة الواعية على مستوى أميركا بأسرها.
قوام أوبرا وينفري
يتساءل المؤلف بمرارة قائلا: إذا كان جمهور الأميركيين حريصا على متابعة أخبار نجومه المحبوبين، وقادرا على التأمل والتفكر في مقادير الشحم التي أضيفت إلى قوام المذيعة أوبرا وينفري أو عدد الأرطال التي فقدتها بسبب الرجيم،. أو ما إذا كانت المغنية جانيت جاكسون قد اكتسبت صدرا صناعيا، فلماذا بحق السماء لا نشجع هذا الجمهور على متابعة مستجدات التاريخ وأوضاع الجغرافيا وسط عالم محفوف بالخطر، عالم يمكن أن ينطوي على ضرر فادح لأميركا ويحطم عزلتها (المعلوماتية) بضربات مباغتة غير منتظرة؟
ها هو «نيال فيرغسون» المؤرخ الأميركي ـ المقيم في انجلترا يقول: مشكلة أميركا (في القرن الجديد) أنها تتحمل المسؤولية عن إدارة نمط ما من أنماط إمبراطورية عالمية ولكن دون أن تعترف لنفسها بحقيقة أنها تجهل عن هذا العالم الشيء الكثير.
ويعلق المؤلف قائلا في ختام الفصل السابع من الكتاب: صفوة القول إن لنا مصالح حيوية في الخارج. وفي ظل نظام ديمقراطي ينبغي لنا أن نكون على وعي بتلك المصالح وأن نوافق على خدمتها وتحقيقها وان نرصد تطوراتها وندافع عنها. والبديل عن ذلك هو أن نترك الفرصة للتجمعات المصلحية ولفئات اللوبي المستترة ضمن تلافيف النظام الأميركي القائم مما ولها وفق أغراضها الخاصة مما يهدد بإلحاق الضرر بكل مصالحنا (القومية) خارج الحدود.
هذه المعرفة، وهذا الوعي يظل من واجب ميديا الإعلام الأميركي. لكن هذه الميديا ما برحت بعيدة عن النهوض بمسؤولياتها في هذا المضمار، مما خيب آمالنا إلى حد فادح وخطير.
الحلول المقترحة
أخيرا يصل بنا المؤلف إلى الفصل الختامي من هذا الكتاب الذي يتناول مشاكل الصحافة وهموم الصحفيين كما عايشناها. وهذا الفصل الأخير يحمل عنوانا يثير قدرا نعترف به من الاهتمام. وهذا العنوان يتألف من كلمة واحدة هي: الحلول.
يفتتحه الكاتب بعبارات يؤكد فيها أن تجربته الطويلة مع المجلة السياسية الإخبارية المتلفزة (60 دقيقة) وتذاع الساعة السابعة من مساء كل احد على مدى عقود عديدة من الزمن. هذه التجربة تؤكد أن رفع مستوى العمل الإخباري يمكن أن يتوافق بغير تناقض أو تضاد مع تحقيق أرباح وفيرة بل وطائلة (حققت المجلة الإخبارية المذكورة عدة مليارات من الدولارات من حصائل الإعلانات لصالح شبكة «سي. بي. إس»).
وهنا يتساءل المؤلف: إذا كان ذلك قد حدث في الماضي، فلماذا لا يحدث أيضا في المستقبل؟
بعدها يضيف على سبيل الاعتراف، وربما التسليم بالأمر الواقع قائلا: إن المشهد العام في أميركا قد تغير، بمعنى أن الجدية الشديدة والعمق الثاقب لم يعد مطلوبا باستمرار في دنيا الإعلام، وها هي مجلة «60 دقيقة» بكل تاريخها ورصانتها بات يطلب منها أن تصدر «طبعة أخرى» في منتصف الأسبوع (مساء الأربعاء) وهي الطبعة أو النسخة المتلفزة الأخرى التي طلبوا منها أن تكون أكثر خفة وأقل عمقاـ بمعنى أن تساير ما آلت إليه الأمور أو بمعنى أكثر صراحة وهو أن تتخلى عن التقاليد المهنية العريقة التي أصبح البرنامج الأسبوعي العتيد رمزا لها.
ورغم ذلك مازال المؤلف متفائلا إزاء وجود نوعيات من المشاهدين الذين يشغفون بالجدية ويحبون الموضوعية ويرحبون بما يطلق عليه كتابنا وصف «الأخبار السياسية الخارجية الذكية» ـ بمعنى الأخبار التي تفيد بالأوضاع الخارجية وتشير إلى إمكانية تحولات تطرأ على المشهد السياسي أو العقائدي أو السلوكي أو الفكري في هذا القطر أو ذاك من أقطار العالم، والمؤلف يقيم هذا الصرح من التفاؤل على أساس التعايش القائم حاليا بين قنوات ديزني المسلية وقنوات الأخبار السياسية، وبين صحافة التابلويد المثيرة الفاقعة وصحافة التحليل السياسي والاقتصادي التي تمثلها مجلة انجليزية مثل «الايكونومست».
لكن ماذا عن عنصر التكاليف؟ أي ماذا عن الأموال الطائلة التي ينبغي رصدها لصالح وجود مكاتب لمراسلين في الخارج؟
مرة أخرى يراهن مؤلف كتابنا على تطور تكنولوجيا الاتصالات، ففي زماننا، لم يعد الأمر يتطلب كما في السابق مكاتب كبيرة وعددا كبيرا من الموظفين وآلات وماكينات واستعدادات باهظة التكاليف. إن كاميرا «دي. ؟ي. دي» والهواتف الالكترونية ـ الخلوية المحمولة يمكن أن تكون هي عُدّة المراسل الفرد الجوال بديلا عن مساحات المكاتب وأطنان المعدات.
يواصل المؤلف التماسه لحلول التكاليف قائلا: لقد تقدمَتْ التكنولوجيا بشكل أصبح يتيح للشخص، المراسل الفرد الواحد أن يجري عمليات المونتاج والتحضير لقصته الخبرية مستخدما جهاز الحاسوب الشخصي المحمول «لاب توب» وبعدها يقوم ببث رسالته فورا عن طريق البريد الالكتروني «الإيميل»، حيث تصبح التكاليف بهذه الطريقة أقل من نظيرتها في حالة تغطية قصة خبرية أو حدث سياسي محلي داخل حدود الولايات المتحدة نفسها، فتأمل!
الراديو الوطني
هل معنى هذا أن يظل عامل التكاليف هو الصوت الواحد المسموع في هذا الصدد؟ الإجابة هي نفيا من حيث المبدأ، فالإعلام في الأساس حق من حقوق المواطن في ظل النظام الديمقراطي. والدولة الحديثة مطالبة أساسا بأن تنظر إلى الإعلام بوصفه خدمة ومهمة قومية لا ينبغي أن يكون الربح هو مقياس نجاحها بالدرجة الأولى، ثم إن الجماهير العريضة ليست بالعناصر التافهة ولا الخاملة وليست في الأساس مجرد خُشُب مسنّدة لا تفهم ولا تعي أو هي مجرد آلات استقبال سلبية لما يقدم إليها.
إن على أهل الإعلام ـ كما يحثهم مؤلف كتابنا ـ أن يتقوا الله في الناس والجماهير، ولا يتعاملون معها بمنطق من يتعامل مع الأطفال وهناك نموذج يقف عنده المؤلف، ونقف نحن بدورنا عنده من وحي تجربتنا الطويلة المباشرة مع الإعلام الأميركي في شكله وأدائه الراهن: هذه التجربة تحمل العنوان التالي: الإذاعة الوطنية العامة (ناشيونال ببلك راديو أو باختصارها المعروف إن. بي. آر).
هذا الراديو مؤسسة قومية تقوم الدولة على أمرها ولكنه غير تابع لحكومتها، هو ملك للناس ملكية وطنية عامة، ومن ثم فإن قصارى ما يتلقاه هو دعم سنوي من مخصصات الميزانية القومية، وبعده يستكمل التمويل من مصدرين أساسيين وهما:
(1) الهبات والتبرعات التي تقدمها مؤسسات النفع العام والمؤسسات غير الهادفة للربح ومنها وصايا في التركات والموروثات التي رصدها بمعنى، أوقفها، أصحابها قبل رحيلهم إلى دار البقاء لحساب أعمال النفع العام في مجالات الخير أو البر أو إشاعة القيم الإيجابية والمبادئ القويمة في المجتمع الذي عاشوا فيه وانتموا إليه.
(2) تبرعات الأفراد من المواطنين الذين يبعثون بشيكاتهم أيا كانت مبالغها المالية ولكنها تعبر عن مدى التزامهم وارتباطهم بدعم هذه الخدمة الإذاعية الوطنية التي لا تحركها ولا تستبد بأمورها المصالح الطبقية أو الأجندات الفئوية أو البيروقراطية الحكومية فمن يملك تمويله يملك إرادته، ويستطيع أداء مهامه بأكبر قدر ممكن أو معقول من الاستقلالية التي تكفل أسباب الموضوعية المهنية.
يقول المؤلف في هذا الخصوص (ص218): أنظر إلى شعبية راديو إن. بي. آر الذي يشكل نموذجا واعدا بوصفه بديلا ناجحا يجسد كفاءة المؤسسة الإعلامية الإخبارية غير الهادفة للربح، إن الأحداث الكبرى هي التي تدفع الناس إلى التماس هذه النوعية من الخدمات والمؤسسات الإعلامية.
قبل الحادي عشر من سبتمبر كان حجم مستمعي هذه الإذاعة الوطنية العامة لا يتجاوز في أميركا 15 مليون مستمع، لكن هذا الرقم قفز ليصل إلى نحو 19 مليون ثم بلغ 22 مليون يوميا في عام 2004 بمعنى ازداد بنسبة 51 في المئة على مدار 4 سنوات فقط في حين لا تتجاوز زيادة الإقبال في نفس هذه الفترة الحاسمة على كبرى قنوات التلفزة الأميركية نسبة تتراوح 7 ,7 في المئة و4 ,11 في المئة فقط.
أضف إلى ذلك أن شعبية برامج الإذاعة الجادة تتجلى فورا من واقع استجابات المستمعين بإرسال المزيد من تبرعاتهم ـ أيا كانت مقاديرها - تعبيرا عن أن الناس يلتمسون الجيد والجاد والجديد وهو ما يلقي بمزيد من التبعات المهنية والأخلاقية والوطنية على عاتق أهل الصنعة من الصحافيين والإعلاميين.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


