يحاول المؤلف في هذه الحلقة من عرض الكتاب أن يلقي نظرة على واقع الإعلام في دول أخرى غير الولايات المتحدة في محاولة لاستقراء عناصر التقارب في التعاطي مع وسائل الإعلام من الناحية الرسمية الحكومية وتعاطيها هي مع الجماهير من القراء والمستمعين والمشاهدين على الرغم من اختلاف الأنظمة السياسية، حيث يرى أن استخدام أساليب الخداع وتزييف الحقائق تجده في مختلف دول العالم شرقاً وغرباً.

ويعتبر الكاتب أن انتهاج سياسة التعتيم والتضليل بات يهدد بتحويل الأنظمة الديمقراطية إلى نظم أقرب إلى الشمولية والاستبداد، ولكنه يؤكد على أن ذلك لا يمكن أن يستمر على هذا النحو لأن المواطن يستطيع الآن أن يستقي المعلومة الإخبارية من مصادر مختلفة في ظل انتشار القنوات الفضائية والانترنت.

في عام 1932 أصدر الأديب الانجليزي الدوس هكسلي رواية «عالم جديد شجاع». وفي عام 1949 أصدر أديب انجليزي آخر هو ور اورويل روايته الشهيرة بعنوان «1984».

وفي الروايتين يندد الكاتبان بمنظومات الإعلام والمعلومات والثقافة في الحكومات الديكتاتورية والنظم الشمولية، لدرجة أن أصبحت مفردات الروايتين وعباراتهما والمشاهد المصورة في سطورهما أقرب إلى المراجع التي يحيل إليها باحثو الاتصال الجماهيري عندما يتصّدون لقضايا من قبيل الخداع أو التضليل أو التعتيم أو التشويه الإعلامي.

في الفصل الخامس من الكتاب يحاول المؤلف أن يلقي نظرة بانورامية على أقطار أخرى في العالم بخلاف أميركا كي يطلعنا على هذه الأساليب الخداعة من تزييف الحقيقة أو التلاعب بمفرداتها. ومن الأمثلة التي يسوقها (ص109) ما حدث في الاتحاد السو؟ييتي عام 1977، كان ذلك في أكتوبر من العام المذكور.

وشهد الميدان الأحمر كعادته العرض العسكري السنوي الذي كان الكرملين يبعث من خلاله برسالته إلى شعبه والعالم ومفادها أن روسيا الشيوعية مازالت تتمتع بالمنعة وقوة الجبروت، الخ وطبعا لم يكن هذا صحيحا على نحو ما أكدته الأحداث بعد عقد أو يزيد قليلا من السنوات. المهم أن ظلت الدبابات السو؟ييتية تهدر في الميدان الفسيح ومعها القوات الروسية مدججة بأسلحتها.

بعد ساعات العرض العسكري الطوال بدأت احتفالات الألعاب النارية التي كان «مفروضا» أن تتألق وسطها نجوم العلم السو؟ييتي اللامعة في سماوات موسكو، نقول إن كان ذلك «مفروضا» لأن الذي حدث هو سحابات متكاثفة من الغيوم التي أصابت طقس ذلك المساء فلم تلمع نجوم ولا تألقت أقواس الانتصار.

بيد أن المشاهدين الطيبين في كل أنحاء المنظومة الشيوعية ـ السو؟ييتية شاهدوا هذه النجوم وعاينوا تألقها ولمعانها على شاشات التليفزيون ولم يكن هذا كله حقيقيا ولا صحيحا، بل عمد المخرجون السو؟

يت إلى إضافة النجوم واللمعان والتألق من أشرطة خاصة دمجوها مع النشرة الإخبارية داخل استوديوهات التصوير والمونتاج. ويومها قال المحللون الإعلاميون المحيطون بالبواطن: إن الواقع الذي عرضوه للمشاهدين لم يكن هو الواقع الذي حدث، بل كان الواقع المفروض أن يحدث.

وبكلمات غير دبلوماسية، لم يكن الذي عرضوه سوى واقع زائف، مصطنع، وبمعنى أنه لم يكن واقعا على الإطلاق.

تلبيس إبليس

واحد من هؤلاء المحللين اسمه غاريك أتلي، وهو مراسل أميركي كان يتابع ميدانيا وقائع العرض الروسي وملابساته، علق وقتها على ذلك قائلا: إن هذا النوع من التضليل لن يقيض له أن يستمر في عالم المعلومات والفضائيات الجديد.

لكن مؤلف كتابنا يكاد يتهم هذا التعليق بالسذاجة أو الإفراط في التفاؤل. صحيح أن العالم، عبر السنوات الفاصلة بين عام 1977 والآن (نحو 30 سنة) دخل عصر الاتصالات بالأقمار الاصطناعية والألياف الضوئية والقنوات الفضائية واتصالات الحواسيب عبر الشبكات الالكترونية، وما إليها.

لكن ظل العالم الجديد يعاني ـ كما رأينا مع المؤلف عبر مسيرتنا مع كتابه ـ يعاني من ثقافة التضليل والتغرير الإعلامي، فهو عالم جديد، شجاع، بالمعنى السلبي الذي ذهب إليه الروائي الانجليزي «الدوس هكسلي»، أو المعنى الأكثر مرارة الذي صوره زميله الروائي «ور اورويل» في إطار أقرب إلى الكابوس الذي يشوه الحقيقة ويزيف الواقع ويقلب مفاهيم اللغة رأسا على عقب في رواية (1984).

وبالمناسبة فإن ثقافتنا العربية الإسلامية تحذر من خلط الواقع بالزيف والتباس الحقيقة بالباطل، وترفض ثقافتنا الأمور المشتبهات بين الحلال البين والحرام البيّن، بل إن هذا الالتباس بين الجانبين يضعه فقهاء ثقافتنا في بلاغة مشهودة بأنه «تلبيس إبليس».

وليس لأحد أن يستهين بمغبة وعواقب هذا التغرير أو الخداع الإعلامي (هذا الغْزل والنسج الذي يجمع بين تزييف الحقيقة والتعتيم على الواقع وبين تزويق الأحداث وتزييف الأخطاء). إن محصلة هذا كله تتمثل في رأي المؤلف (ص110 وما بعدها في أخطار شتى منها:

* إحاطة جماهير المواطنين بطوفان من أنصاف الحقيقة التي قد تنحدر إلى درك الأكاذيب.

* طعن الديمقراطية في مقتل حيث إن المعرفة حق ديمقراطي أصيل واستنارة المواطن بمعنى درايته موضوعيا بما يحدث هي الأمر الكفيل بترشيد قراراته عندما يقف أمام صندوق الاقتراع من أجل اختيار مندوبيه وممثليه سواء على المستوى المحلي أو على الصعيد القومي بأكمله.

الخطر على الديمقراطية

من هنا فالأمر يهدد بتحويل الدول أو النظم العريقة في الديمقراطية إلى نظم أقرب إلى الشمولية والاستبداد. بل والأدهى من ذلك أن النظام الشمولي ـ المركزية الديمقراطية مثلا كما كان الأمر عند السو؟

ييت، أو نظام الحزب الحاكم الوحيد كما هو الأمر في الصين ـ هذه النظم تعلن عن نفسها صراحة تحت تلك الشعارات السابقة وتحاول جاهدة أن تدافع عن طروحاتها، لكن الخطر الأفدح يكمن في أن يرفع نظام ما لافتة الديمقراطية وحق المعرفة للمواطنين وحرية تدفق وتداول المعلومات في المجتمع.

في حين أن واقع الحال يقول بغير ذلك. فما بالك في زمن لم يعد يجدي فيه إخفاء الحقيقة أو التمويه على الملايين لوقت طويل، زمان سادت فيه المقولة المتواترة: انك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت لكن في زمن الانترنت والسواتل الكوكبية لابد من تعديل القاعدة إلى حيث تقول:

إنك لا تستطيع خداع كل الناس ولو لنصف ساعة، لست وحدك في أجواز الفضاء، فهناك غيرك ممن يذيعون وينشرون ويكشفون. قد تختلف نوازعهم وقد لا تكون كل دوافعهم عظيمة أو نبيلة، ولكنهم كفيلون بكشف المستور وهي قاعدة تكون لك يوما وغدا يمكن أن تكون عليك.

يقول مؤلف الكتاب: جماهير الأميركيين تشاهد نشراتها الإخبارية وبرامجها السياسية الأميركية فلا تكاد ترى المناظر البشعة التي تسجل مصرع الأبرياء وجثث الأطفال ودمار الجسور والمرافق ولكنها تشاهد هذا كله في فضائيات أجنبية عربية وغير عربية. ومهما يكن من أمر فإن هذه الفضائيات الأجنبية لا تستطيع أن تخترع هذا كله ولا تعرضه من عندها. وأفضل مثل على ذلك العراق.

ويضيف المؤلف: كل الأطفال المصابين، كل الأمهات اللائي لاقين حتفهن في مصادفات فادحة. كل المشردين كل الذين يعانون البطالة، المستشفيات التي ينقصها كل شيء، المياه غير الصالحة لاستخدام البشر، الغضب المستعر في نفوس الذين استبد بهم طائف اليأس وقد حُصروا ضمن أقواس النيران. لم نعد نشاهد كثيرا من هذا الواقع الحاصل على شاشات التلفزة في أميركا، لكن كل الناس يشاهدونه في كل أنحاء المعمورة.

والحقيقة ـ يضيف المؤلف ـ أننا أصبحنا نقاوم بعض جوانب هذه الحقيقة شأن أي دولة شمولية مستبدة، بعد أن ظللنا نعتز لوقت طويل بما كنا نكفله من حرية تدفق المعلومات. صحيح أننا نشاهد العربات الهمفي الرمادية المحروقة، وقد نشاهد لقطات تصور حطاما أو ركاما ما هنا أو هناك، لكن لا نرى بعد ذلك شيئا مشهودا، اللهم إلا خلال عاصفة أبو غريب، وحتى تلك العاصفة هبت ثم توارت أعاصيرها بعد ذلك.

صحيح أن هناك من تبارى بعدم عرض كل المشاهد الفظيعة والبشاعات التي تحدث ومن باب الرفق بمشاعر الجمهور ليس إلا(!) وصحيح أن هناك من ينادي بضرورة موافاة الجمهور بحصائل من الأخبار الطيبة أو الوقائع الايجابية لزوم رفع المعنويات وإذكاء الهمم،(!) لكن ها هي النيويورك تايمز تتساءل في استنكار:

أي أخبار طيبة أو إيجابية ننقلها إلى الناس بينما ارتفعت معدلات القتل في بغداد عشرين ضعفا أو أكثر منذ دخلنا أرض تلك المدينة ولدرجة أن أصبح يتعذر علينا نحن الأميركيين السير في شوارعها؟

طلاء مدرسة

صحيح أن هنالك دوائر حاكمة ومتحكمة شتى في السلك العسكري والمدني بالعراق أصرت على أن الموضوعية الإعلامية تقتضي تصوير الجانبين الإيجابي والسلبي، لكنها كانت موضوعية متحاملة أو متهافتة، غير موضوعية.

ومرة أخرى يحيل المؤلف إلى ما كتبته صحيفة بوسطن غلوب الأميركية في معرض التعليق فقالت: الكتابة عن إعادة طلاء مدرسة عراقية بينما تنفجر في جوارها 3 سيارات ملغومة وتودي بحياة العشرات من الناس، هذا النوع من الكتابة يدخل في باب الصحافة غير المسؤولة.

في غمار هذا التردي في معايير الحكم على مستوى ونوعية الأخبار والمواد السياسية، يحاول المؤلف أن يتجنب آفة الإحباط مؤكدا أن الصحافة أو الآلة ـ المنظومة الإعلامية في بداياتها لم تكن أحسن حالا في الوقت الراهن. وفي لمحة تاريخية يذكرنا الكتاب ببدايات الصحافة في حين كان أهل المهنة لا يستخدمون سوى الملزمة أو الكراسة الصغيرة الأقرب إلى المنشور المطبوع. كان ذلك مع القرن السابع عشر، وكانت الحرفة تعاني أيضا من مزيج سلبي مرير يجمع بين الخلط والخرافة.

في زمان الكراسات، المنشورات، الملازم القديمة لم يكن حال الصحافة أحسن ولا كانت ضوابطها أدق ولا أفضل، كانت مثل كل سائر المهن التي جادت بها قرائح العصور الحديثة، فيها بدائية وغلظة وتجاوزات ومحاولات للشتم والتشهير وربما للاستغلال والابتزاز. تأمل ما كان يفعله الكاتب الروائي الانجليزي الشهير دانييل دي؟

و مؤلف رواية «روبنسون كروزو» (1660 ـ 1731) الذي تقول سيرة حياته إنه كان يكتب مقالا في الصباح في جريدة كذا، ثم يكتب مقالا آخر في المساء يهاجم فيه مقاله الأول ويندد فيه بأفكار ذلك الكاتب «الصباحي» المضطرب المنحرف المأفون، وطبعا كان ديفو يقبض من الطرفين؟!

في القرن العشرين، كانت صحافة الثلاثينات في أميركا تنشر كل ما يريد نشره ملك الجرائد في تلك الفترة وهو المليونير الأميركي ويليام راندولف هيرست (1863 ـ 1951).

وطبعا كان للسيد هيرست أعداء وخصوم ومنافسون في المهنة وفي الأهواء وفي الحياة الشخصية على السواء، وهاهو مؤلفنا يقول في معرض التعليق: إن مفهوم «الموضوعية» أو الأخبار والمعلومات غير المتحيزة لم يأت فجأة وبدون سابق تمهيد.

لقد اقتضى الأمر عشرات العقود من السنين لكي ينشأ هذا المفهوم وينضج ويتطور، ورغم أننا نسلّم اليوم بأهمية موضوعية أو حيادية الخبر الصحافي أو المعلومة السياسية، إلا أن هذا الأمر لم يكد يعرفه عالم الصحافة إلا بعد الحرب العالمية الثانية: كيف كانت البداية إذن، وأين كانت جذور وأصول مبدأ الموضوعية الصحافية؟

يجيب كتابنا (ص132): ربما نشأ هذا المعيار مع التطور المهني الذي اكتسبته صحيفة التايمز اللندنية العتيدة. وأتصور ـ يضيف المؤلف ـ أن هذا التطور نشأ بدوره في إطار الشعور بالمسؤولية فضلا عن إحساس بالنفوذ العميق في إطار تزايد مسؤوليات بريطانيا في القرن التاسع عشر إزاء عالمها ـ عالم الإمبراطورية، وهي مسؤوليات استمرت متواصلة حتى القرن العشرين. في تلك الحقبة، بدأ أهل الصحافة.

ومنهم بالذات المسؤولون عن المواد الخبرية والمعلوماتية، يشعرون بواجبهم تجاه تزويد الجمهور بمواد أرقى مستوى وأعمق مضمونا، ثم تحولوا للنظر إلى هذه الجموع بوصفهم قارئين لا مجرد مستهلكين، والقارئ يشتري الصحيفة كي يفهم ويزداد وعيا، فيما قد يشتري المستهلك نفس الصحيفة من أجل التسلية أو التسرية وقضاء وقت الفراغ.

رغم هذا التيار الإيجابي والموضوعي الجاد فقد أصيبت الصحافة البريطانية للأسف بنكسة نكصت بعدها على أعقابها، وتحمل النكسة الصحافية الوصف التالي: صحافة التابلويد واتجاه التابلويدزم هي صحافة الإثارة والثرثرة والفضائح والتلصص المريض على خصوصيات الناس، وهو ما أطلق عليه مصطلح آخر بات معروفا بين الناس وهو: الصحافة الصفراء.

صحافة الفضائح

ومثلما ارتبط اسم راندولف هيرست بصحافة مزاج صاحب رأس المال، ارتبط بصحافة الإثارة والفضائح التابلويد اسم رأسمالي آخر هو روبرت ميردوخ، الذي مازال اسمه يرتبط حتى الآن بأشد جرائد أميركا إثارة وابتعادا عن معايير العمق أو الموضوعية، وهي جريدة «نيويورك بوست»، ويضرب المؤلف مثلا على هذا التهافت المهني ـ من جانب جريدة النيويورك بوست قائلا:

عندما ووجهت جريدة ميردوخ بصدور التقرير الحاسم في أكتوبر عام 2004 بشأن عدم اكتشاف أي أسلحة دمار شامل في العراق، إذا بها تتجنب أي حديث عن الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، لأنها لم تجد سبيلا إلى تحوير الأمر أو التلاعب بالحقائق أو الالتفاف من حولها. وإزاء الحقائق الدامغة التي تهاوت معها ذرائع غزو العراق، لم تجد نيويورك بوست أي وسيلة لممارسة لعبة التضليل إياها، لعبة «سبن» التي تعيد غزل الحقيقة ونسجها إلى حيث تخرج بها عن مضمونها .

وبالتالي لم تجد امكانية لخدمة البيت الأبيض في هذا المجال. وبرغم أن أخبار التقرير الصادر كانت منشورة في كل جرائد أميركا وكانت عناوينه تحتل مانشيتات كبرى صحفها ـ إلا أنه لم يكن له وجود إطلاقا على أي من صفحات أو سطور نيويورك بوست ـ التابلويد التي تنتمي إلى ممتلكات امبراطورية السيد ميردوخ.

والذي لم يقله المؤلف في هذا السياق بالذات هو أن أساليب ميردوخ هذا وصحافته لا تقتصر على حكاية الإثارة أو الفضائح أو التعتيم الذي رأيناه أو التضليل، إن لها وجها آخر مرادفا لكل هذه «العورات» الإعلامية:

هذا الوجه اسمه التأييد والتهليل على طول الخط لحساب إسرائيل ولمؤازرة أي سلوك بربري يرتكبه الإرهابيون الصهاينة الحاكمون فيها والتبرير المغرض المستفز لكل ما يقترفونه من جرائم بحق العرب والإنسانية.

وداعا للتابلويد

من ناحية أخرى فالمؤلف يحاول من جانبه أن يكون موضوعيا حين يقول: هناك من يقول بأن ميردوخ وأمثاله لهم الحق في أي نهج يتبعون، ماداموا لا يجبرون الآخرين على اتباع ما ينهجون.

لكن هذا الأمر ـ يضيف المؤلف ـ لم يعد مقبولا بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حيث لم يعد مقبولا الاستمرار في هذا النهج الصحافي ـ الإعلامي، نهج التابلويدزم الذي ينطوي على مفردات سلبية شتى:

* عزل الناس عما يجري والصمم إزاء الأخبار والمعلومات والأحداث الخارجية.

* الانغماس غير الصحي في حمأة الجرعة المحلية وخصوصيات المشاهير بكل ما يرتبط بذلك من نتائج الجهل والتجهيل.

ثم يواصل المؤلف حديثه في آخر سطور الفصل الخامس قائلا: في عالم ميردوخ النمطي كان بوسع أميركا أن تنظر إلى صورتها في المرآة ثم تكيل المديح لنفسها في الداخل وتهيل الشتائم على أمّ رأس القوالب النمطية المستقرة في ذهنها وتطالعها لهؤلاء البرابرة القابعين خارج الحدود!

في نفس اللحظة فإن هؤلاء البرابرة، وهم خصوم أميركا والكارهون لها كانوا ولا يزالون يتحينون الفرص للنيل منها بوسائل المادة أو الفكر أو الاستراتيجيات تحفزهم على ذلك دوافع ومواقف شتى ومثل هذه الأوضاع كانت كفيلة بأن تعيد إلى الأذهان صورة تدهور ومن ثم تداعي الإمبراطورية الرومانية ومن هذه المشاهد التي سجلها المؤرخون ما يلي:

* الخبز والسيرك لجماهير الغوغاء، بمعنى الأكل والتسلية، المواكب الفخمة بغير معنى ومسيرات الخيلاء الجوفاء التي كانوا ينظمونها لآخر أباطرة الرومان احتفالا بنصر موهوم أو إعلانا عن فتوحات لم يكن لها أصل ولا فصل في خارج الحدود. كل هذه السبل أودت بإمبراطورية الرومان إلى الانهيار.

وأفضت بالعالم إلى ظلام القرون الوسطى، ومن هنا نحذر ـ والتحذير لا يزال لمؤلف الكتاب ـ إزاء استمرار هذه الأوضاع من خيلاء الوهم وغرور القوة (عنجهية القوة مصطلح معتمد في أدبيات السياسة الأميركية).

ولو استمر هذا العمى الإرادي فهو كفيل بأن يحجب عن أميركا رؤية الحقيقة بما يفضي إلى اعتماد نهج التحيز والانسياق مع الأهواء ومن ثم تصدق علينا نبوءة الشاعر الانجليزي ماثيو أرنولد حين حذر من الانحدار إلى عالم تكتنفه الفوضى وتتقاتل فيه جيوش الجهل المغرورة تحت سواتر الظلام.

عرض ومناقشة: محمد الخولي