يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى خطر كبير يترصد وسائل الإعلام والرسالة الإعلامية التي تقدمها يتمثل في التحريف والتلاعب بالأخبار لخدمة مصالح خاصة لهذا الطرف أو ذاك، بحيث تلجأ إلى تجميل بعض الإجراءات الحكومية التي تسيء إلى الجماهير العريضة من المواطنين.

هذا على الصعيد الداخلي، أما على المستوى الدولي، فإن وسائل الإعلام الأميركية تعمد إلى تزيين السياسات الخارجية للبيت الأبيض فتقوم بتسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية. وقد ظهر هذا جلياً في حرب العراق، حيث تستخدم الميديا تعبير التدخل الإنساني بدلاً من العدوان والغزو في تطبيق لما يسمى بالفبركة الصحافية والتلاعب والتضليل الإعلامي.

الفصل الرابع من هذا الكتاب يتناول أخطر عملية تتعرض لها حاليا الرسالة الإعلامية، سواء في أميركا أو في غيرها: إنها عملية لفلفة الرسالة وإعادة غزلها ونسجها، وهي تتوسل في هذا بآليات وأساليب من إعادة الفك والتركيب، والتلاعب بدلالات الألفاظ، وهي أقرب إلى عملية غسيل أو تبييض الأموال التي تتناول أموالا غير مشروعة، ومن خلال آليات الغسيل تعيد طرحها في السوق فإذا هي مشروعة وجائزة ولا غبار عليها من قريب أو بعيد.

لهذا كله اصطنع الإعلام الأميركي تعبيرا بات معروفا ومتداولا تعرفه اللغة الانجليزية ـ الأميركية بأنه «سِبِن» ومعناها في الأصل اللغوي يصدق على الفعل «يغزل» ولكن معجم المترادفات الكبير ( من تصنيف ج روديل في 1361 صفحة) يورد لنا 4 أغراض لاستخدام كلمة «سبن». وتسعة هذه الأبواب الرئيسية الأربعة 80 استخداما للكلمة منها الاستخدام الحرفي بمعنى تحريك المغازل دائريا. ولكن يهمنا الاستخدام المجازي بمعنى الاصطناع، الفبركة، الاختلاق، الانحراف بالمعاني عن دلالاتها، الخ.

فبركة إعلامية

راجت كل هذه العمليات من «الفبركة» الصحافية والتلاعب والتضليل الإعلامي وخاصة على صعيد الإعلام الرئاسي في الولايات المتحدة مع سنوات الربع الأخير من القرن العشرين، واتسع مداها لدرجة أن صدرت دراسات وكتب يحمل بعضها عنوان «دكاترة السِبِن» بمعنى الاختصاصيين في لعبة التضليل الإعلامي. واشتهر بالذات في عهد الرئيس كلينتون تعبير ذاع صيته من خلال أعمال سينمائية هو: «اجعل الكلب يهز ذيله»:

والمعنى بشكل عام ينصرف إلى أن تكون الصورة الملتقطة للمسؤول الكبير ومعاونيه باعثة على الرضا والسعادة وراحة المواطنين، بحيث يظهر فيها «كلب فخامته» المدلل الذي يذاع اسمه في الميديا ، ويسبق رئيس الدولة وهو يصعد على سلالم طائرة السلاح الجوي رقم (1)، ولكن، لا تكتمل الصورة إلا إذا شاهد الناس كلب الرئيس وهو يهز ذيله علامة على الغبطة والراحة والشبع والسعادة التي لابد وأن تنتقل بالإشعاع ـ أو فلنقل بهذا الخداع ـ إلى نفوس عامة المشاهدين.

الحق على اليونان

ويخيل إلينا أن استخدام مصطلحات المغازل ليس بالمستجد على الثقافة أو الإعلام المعاصر، فربما يعود إلى أيام ميثولوجيا اليونان والرومان الأقدمين، ها نحن نقرأ في ملحمة الأوديسة الشهيرة حكاية بطلها «أوديسيوس» العائد إلى بيته بعد انتهاء حرب طروادة. طالت رحلة العودة وربما تاه البطل وسط البراري والبحور.

ومازالت زوجته الوفية الجميلة «بنيلوبي» تنتظر عودته مظفراً من ميدان القتال. انقضت سنوات على هذا الانتظار وتوافدت على بيتها وفود الخطّاب يطلبون زواجها فما كان منها إلا أن لجأت إلى مغزلها المنزلي كي تعطي الانطباع بأنها مشغولة بما تنسجه.

وأنها سوف تحسم أمر الخاطبين فور أن تنتهي من غزل الخيوط، وكلما نسجت شيئاً بالنهار، عمدت إلى فكه ونقض خيوطه بالليل فإذا بها تبدأ من جديد في عملية خداع نسائية وحتى لا تثير غضب طالبي الود المنتظرين من ناحية وحتى تطيل الأمل في عودة الزوج الغائب من ناحية أخرى.

ربما لهذا لم يكتف مؤلف كتابنا بالإشارة إلى ظاهرة هذا التلاعب ـ التضليل الإعلامي التي ألمّت بمنظومات الميديا في الولايات المتحدة ومن الطبيعي أن تنتقل عدواها إلى سائر منظومات العالم.

إن المؤلف يعمد إلى استخدام مصطلح له دلالته التي لا تخفى هو: ثقافة التضليل (أو الخداع) الإعلامي بمعنى أن لها جذوراً وأصولاً بل تبلورت من أجلها أعراف وقواعد وتخصصات وتقاليد.

تأمل مثلا تعبير «النيران الصديقة». إنها نيران بالطبع، وقد راح ضحيتها جنود وضباط، لكن كلمتي صديقة وصديق تخففان المسألة ولو من حيث جْرس الحروف وإيقاع الكلمات. رغم أن النيران الصديقة أفدح وأشد جسامة لأنها تعني خيبة إدارة واضطراب العمليات الحربية حيث لم يعد العسكريون يميزون بين العدو والصديق.

خذ مثلاً آخر يجسده حشد القوات الأميركية المسلحة والاستعداد لغزو أراضي دولة أخرى، هنا لا مجال للحديث عن العدوان ولا الاجتياح بل الشعار المؤرخ هو: التدخل، الإنساني.!وخذ مثلاً آخر من بلادنا العربية السعيدة: بعض حكوماتها يقرر رفع الأسعار بما يعنيه ذلك من معاناة الفقراء وعامة المواطنين لكن لعبة غسيل المفاهيم الإعلامية (سبن) لا تلبث تعيد إنتاج القرار فإذا به «تحريك» الأسعار.

أما استعفاء الدولة من مسؤولياتها المقررة إزاء حماية المستضعفين في مجتمعها وهي مسؤولية تتحملها الدول والنظم والحكومات بموجب الدساتير النافذة في أقاليمها، هذا التنصل من مسؤولية الدولة وتحويل هذه المسؤولية بأكملها إلى دوائر المصالح الخاصة والقطاع الخاص ـ فهو بدوره يخضع لعملية «سبن» التي تتحرك في دوراتها مغازل التعتيم وتروس التزويق، فإذا بالعملية تحمل معنى محبباً وهو «تحرير التجارة أو تحرير الاقتصاد».

وفي ضوء كل ما سبق يقول المؤلف باختصار شديد ومؤلم أيضاً: فجأة، أصبحنا نعيش في زمن بدا فيه من المستحيل علينا أن نعرف الوقائع الحقيقية بشأن الأحداث المحورية والحيوية التي تدور عليها حياتنا ومجتمعاتنا، وكلما زادت أهمية الأحداث (أو القرارات) يزيد مقدار التعتيم عليها أو التلاعب بمفرداتها.

ومن هنا لا تزال تتطاير من حولنا أسئلة حيرى واستفسارات معلقة بغير جواب، وهي أسئلة من قبيل: لماذا شنّ الرئيس بوش حرب العراق؟ من المسؤول حقيقة وتحديداً عما جرى في سجن أبو غريب؟ أين الوثائق والمستندات الخاصة بخدمة بوش ـ الشاب في صفوف الحرس الوطني الداخلي بدلاً أو تهرباً من الخدمة الإلزامية في حرب فيتنام؟

وإذا عجزنا في الداخل عن الوصول إلى عمق وجوهر قضايانا، فكيف لنا أن نفهم جوهر قضايا الخارج.

الحقيقة أولاً

ولست أتحدث ـ ينبه المؤلف ـ عن رأينا في الحقائق، ولا تصوراتنا أو تفسيراتنا للوقائع، أنا أتكلم عن الحقائق والوقائع بحد ذاتها، هي الأوْلى بالطرح وبشكل أمين وموضوعي يحترم عقلية الناس، وبعدها تأتي الآراء، التفسيرات، التصورات أو حتى التكييفات أو إصدار الأحكام.

في هذا السياق علينا كقارئين لمحتوى هذا الكتاب أن نطرح من جانبنا سؤالاً بديهياً هو: إذن من المسؤول؟ المؤلف يجيب قائلاً (ص81 وما بعدها): هم أهل السياسة بطبيعة الحال.

ولكن المسؤولية في تناول الحقائق وطرحها وتصويرها لابد وأن تقع على أهل الميديا الإعلامية في الأساس، إن أولويات عمل هذه الميديا هي فك الطلاسم، وشرح الغوامض وعرض الحقائق وليس هو العكس بزيادة التشفير، أو التجهيل بمعنى زيادة تشابك خيوط المغازل إنها مسؤولية فرز الحق عن الباطل وغربلة الوقائع من أجل الوقوف على جوهر ما حدث ولصالح وعي الجمهور.

ومرة أخرى يلجأ المؤلف إلى طرح نماذج تدلل على ما يذهب إليه، وهي نماذج تجسد في رأيه نوعاً من التآمر بمعنى التواطؤ بين السياسة ـ الحكم وبين الميديا ـ الإعلام، وفي هذا الصدد يستعيد المؤلف شعار «أنجزنا المهمة» الذي ارتفع فوق رأس السيد بوش في زيارة له لقوات التحالف في العراق.

ويومها هللت السياسة وهللت الميديا لهذا «الإنجاز» الذي أثبتت كل الوقائع اللاحقة أنه لم يكن صحيحاً لا من قريب ولا من بعيد. نفس التهليل أحبط به رئيس وزراء عراقي أكد أمام الكونغرس الأميركي يوم 24/9/2004 أننا نجحنا في «العراق» بينما كان لدى السياسة والميديا أيضاً تأكيد مراسلي الفاينانشيال تايمز البريطانية ـ بناء على مستندات حصلا عليها ـ بأن الجماعة عاجزون حتى عن حماية مرافق الحكومة العراقية والقوات الأميركية داخل المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد نفسها.

سؤال عن الأسباب

ما سبب هذا التواطؤ؟. مازلنا نسأل المؤلف ـ الذي يجيب قائلاً: السبب عندي هو الساسة في أميركا الذين يتصورون أن الجمهور الأميركي ساذج وبسيط وعاجز عن التعامل مع الحقائق الصعبة والوقائع البالغة التعقيد، في نفس المعسكر المتواطئ تقف أيضاً الميديا الإخبارية السياسية في أميركا، ولاسيما التلفزيون.

لقد هللت الميديا لمبررات الحرب المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في العراق ورددت هذه الشعارات التي لم يعد لها أي مصداقية لا من حقائق الماضي ولا من واقع الأحوال، لكنها في الوقت نفسه لم تقم كما ينبغي بواجبها المهني ـ الاحترافي ولا الأدبي ـ الأخلاقي كي تسلط الأضواء الواجبة على دعوات وجهود وبحوث ودراسات عمدت إلى تفنيد كل أطروحات الساسة بل إلى تكذيب دعاواهم في هذا الخصوص ـ ومن ذلك ما صدر من كتابات بعنوان: أسلحة الخداع الشامل.

ولأن معسكر الميديا في أميركا أصيب بمرض الانحياز الأعمى إلى فصيل المحافظين الجدد المتحكمين حالياً في إداراتها فقد زادت ثقافة التضليل الإعلامي بصدور كتابات تتصدى للدفاع عن هذا التضليل وتتهم محاولات كشف أكاذيب الإدارة بأنها مؤامرات من جانب الميديا الليبرالية كما يسمونها.

ومن أمثلة هذه النيران الفكرية الصديقة كتاب صادر بعنوان «أسلحة التشويه الشامل». ويأتي صدور مثل هذه الكتابات دليلاً على مدى تغلغل حرفة الفبركة والتعتيم ولدرجة أن أصبح الجمهور الأميركي يعتقد ـ كما يوضح المؤلف- أن الإعلام قد خضع تماماً للمآرب السياسية وللأهواء الحزبية.

والغريب أن الأمر لم يكن كذلك قبل 30 عاماً فقط في أميركا. ففي أوائل سبعينات القرن الماضي كانت الصحافة تتمتع بمكانة رفيعة يحترمها الجمهور ويحسب لها السياسيون ألف حساب، وبلغ من أهمية هذه لمكانة أن كان لجريدة مثل «الواشنطن بوست» اليد الطولى وقتها في السقوط الشنيع، أو بالأدق الإسقاط المدوي لواحد من أهم رؤساء أميركا وأشدهم حنكة في مضمار السياسة الدولية وهو ريتشارد نيكسون.

فرغم إنجازات نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر في إعادة دور وهيمنة أميركا إلى الشرق الأوسط من خلال مصر السادات، وأيضاً في توجيه آخر الضربات الموجعة للخصم السوفييتي في الحرب الباردة.

وفي اختراق سور الصين العظيم باستهلال العلاقات الطبيعية بين واشنطن وبكين وبإنهاء نزيف الدم الأميركي في حرب فيتنام ـ رغم هذا كله فقد أدت تحقيقات اثنين من شباب محرري الواشنطن بوست في تحويل ووتر غيت من حادثة سرقة عادية إلى فضيحة سياسية أدت تداعياتها إلى استقالة ومن ثم سقوط الرئيس ريتشارد نيكسون ومعاونيه ونظامه.

ريغان ينافس الإعلام

تمتعت الميديا ـ الجرائد بالذات ـ بنفس النفوذ الخطير في ولاية الرئيس الأسبق كارتر ولدرجة حالت دون التجديد لولايته الثانية، وكان ذلك لصالح المنافس الجمهوري رونالد ريغان الذي أصيبت مؤسسة الصحافة ـ الإعلام في حقبته الطويلة بأكثر من ضربة موجعة. لماذا؟

يجيب المؤلف على هذا السؤال قائلاً:

أولاً: كان ريغان (الممثل السينمائي سابقاً) موهوباً بقدرة التواصل مع جموع الناس، وقد تجاوزت قدراته ميديا الإعلام ذاتها، ولكن الأخطر أنه كان لا يفتأ يهاجم الصحافة وهو أول من أضفى طابعاً مؤسسياً بمعنى الطابع الرسمي والمنتظم على ازدراء الصحافة والاستهانة بالصحافيين، حيث كان ينتقي الإعلاميين المسبّحين بحمده ويدعوهم إلى البيت الأبيض.

فيما يتجاهل تماماً دعوة أي من منتقديه مهما كان قدرهم ومكانتهم في دنيا الصحافة والإعلام. ولما كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى حريصة بحكم المهنة والمنافسة الإعلانية على الفوز برضا الرئاسة وأخبارها، فإنها لم تجد بّداً من مسايرة الرئيس والقبول بهذا الوضع الذي لم يكن موضوعياً ولا منصفاً بل كان انتقائياً وتمييزياً وشديد التحيز.

هنالك ساد أسلوب الإعلامية الشهيرة بربارا وولترز (أول من تقاضى مليون دولار في تاريخ الإعلام في العالم وكان ذلك عام 1976)، ويقضي أسلوبها بأن تجلس إلى هذا السياسي أو ذاك وتستغرق المقابلة المتلفزة بأسئلة شخصية محرجة وخصوصية وحميمية قد يقترب بها السياسي من المذيعة والمشاهدين ولكنها قد لا تشفي غليلاً في السياسة وقد لا تجيب على أهم الأسئلة القومية التي تتعلق بمقاليد المستقبل وهواجس المصير.

وفي عبارات موجزة يصف مؤلفنا هذا الأسلوب قائلاً:مثل هذه الأحاديث والمقابلات التلفزيونية حولت الحوار السياسي الجاد إلى مجرد «برنامج ثرثرة» وكانت إيذاناً بانتصار عروض وبرامج وقيم الثرثرة على القيم الجادة في مجال السياسة والأخبار والمعلومات. وزاد الأمر خطورة وتفاقماً عندما عمد أصحاب هذه البرامج من مشاهير المذيعين إلى تحويل ضيوفهم من أهل السياسة ورجال الأعمال والاقتصاد إلى سوبر نجوم، أيقونات يتحول بها كل منهم إلى مكانة معبود الجماهير.

أما الإعلاميون الجادون فلم يجدوا مناصاً ـ للأسف ـ من الانصياع لهذه التطورات، وكأنهم أطلقوا النار على كعوبهم كما يقول المثل الأميركي، واستسلموا أمام شعبية رئيس مثل ريغان وكانت النتيجة تدهور حرفة الصحافة السياسية والإعلام الخبري ومازال أهل المهنة المحترمون الجادون يدفعون الثمن فادحاً حتى الآن.

مع هذا كله، فإن المؤلف يرى أن الجمهور ليس ساذجاً إلى حد البلاهة، ولكن الناس ـ ربما بحكم مرارات الخبرة التي عاشوها ـ لديهم قدر معقول من الوعي بما يتيح لهم قدراً من التميز ومن استكشاف كمية السم المضلل وسط الدسم الإعلامي المتدفق ليل نهار.

لقد ظلت الميديا المعادية للرئيس كلينتون تصب كثيراً من مواد الدعاية التي قصدت إلى التشهير برئيس الجمهورية خلال ملابسات فضيحة مونيكا لوينسكي الشهيرة وتطالب كما هو معروف بمحاكمة الرئيس والتنكيل بسمعته ومصداقيته، الخ.

والغريب أن استطلاعات الرأي العام وقتها أفادت بأن أغلبية في الشعب الأميركي لم تكن تثق في الرئيس من الناحية الشخصية، ولكنها كانت تعبر عن تأييد واسع له بوصفه رئيساً للدولة وزعيماً في الحزب الديمقراطي وشخصية قيادية لها جاذبية خاصة وإنساناً مثقفاً وفاهماً لما يدور في الداخل والخارج.

تكثيف التحيز

وكان السبب في هذا كله أن الجمهور استطاع أن يقرأ بعناية مفردات التضليل (سبن) من الطرف الآخر، وهو طرف الحزب الجمهوري المعارض وخاصة أعضاء مجلس الشيوخ الذين نصبوا محاكمة الرئيس (وأهمهم النائب الجمهوري هايد ولم تكن سمعته فوق الشبهات) دع عنك المحقق الخاص كينيث ستار الذي تأكد أنه كان المستشار القانوني لكبرى شركات التبغ والسجائر في أميركا والتي تعتبر الرئيس كلينتون من ألدّ خصومها بسبب حملته الشهيرة ضد التدخين والمدخنين.

من جانب آخر يعزو المؤلف هذا الإمعان في التلاعب بمضمون الرسالة الإعلامية، وما ينطوي عليه هذا التلاعب من عمليات الفبركة والتشويه وطمس حقائق لحساب طرح وإبراز أنصاف وأرباع حقائق أخرى ـ يعزو هذا كله إلى أن الرئيس بوش شخصياً لا يثق في الصحافة ولا في الصحافيين (ص107).

ولهذا فالسيد بوش يتحاشى قدر الإمكان عقد مؤتمرات «الصولو» الصحافية بمعنى تلك التي ينفرد فيها أهل الميديا بفخامة الرئيس على مدى ساعة أو أكثر كي يجيب على ما يتراءى لهم من تساؤلات. وقد بلغ أمر هذه الثقة المفقودة على مستوى الإدارة الأميركية الحد الذي جعل السيد «ديك تشيني» نائب الرئيس يرفض دعوة أي من محرري جريدة نيويورك تايمز إلى مرافقته في أي رحلة يقوم بها على الطائرة الرسمية الخاصة.

والمشكلة في هذا كله أن أميركا، وقد أصبحت هي القلب الأهم في عالم اليوم، تقوم بتصدير مشاكلها عبر الحدود وتمارس تأثيراتها بالنموذج والمحاكاة والإشعاع، دع عنك القسر أو الضغط أو الهيمنة على أمم شتى وعلى دول مختلفة وشعوب. من هنا يعمد مؤلف الكتاب إلى توسيع الإطار المعرفي والبحثي الذي يطل منه على الصورة، ويطرح في بداية فصل جديد سؤالاً يقول: كيف يرى العالم أجزاء هذه الصورة؟

عرض ومناقشة: محمد الخولي