يقدم المؤلف توم فنتون في هذه الحلقة عنصراً يعد في مقدمة عناصر الأهمية التي يتسم بها هذا الكتاب، حيث يطرح تحليلاً وافياً لمشكلات الإعلام الأميركي، التي لا يتردد في وصفها بالأمراض، وهو في محاولة التصدي لهذه الأمراض يلقي الضوء على سبعة أعراض دالة في طبيعة الداء، ويقترح عشر توصيات يراها السبيل الناجع والشامل للوصول إلى الشفاء من هذه الأمراض.
وهي توصيات بقدر ما تتمتع بالوضوح، إلا أنها غابت عن وعي الغالبية الكاسحة من الإعلاميين الأميركيين، خاصة بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة وما واكبها من استرخاء أقرب إلى الركود في مجمل صناعة الإعلام الأميركية.
على مدى سنوات عديدة ظلت شبكة أي. بي. سي الأميركي (القناة السابعة التي تبث على المستوى القومي) على موعد دائم في الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء أيام الأسبوع (ما عدا يومي الإجازة) مع مشاهدي برنامج «نايت لاين» أو «أول الليل».
كان البرنامج بمثابة الوجبة الأخيرة في المائدة الإخبارية التي تختم بها القناة نشرتها السياسية التي تبدأ في الحادية عشرة وتنتهي بالبرنامج، حيث كان يقدم تعليقا وتحليلا سياسيا من خلال مقابلات وتحقيقات يقوم على أمرها واحد من أشهر نجوم الإعلام السياسي في أميركا وهو المذيع «تيد كوبل» الذي كان يطالع مشاهديه بقدر لا يخفى من الألفة الإعلامية والاعتزاز برصانة المادة التي يقدمها في بلاغة وتعمقّ واحترام للعمل، يستوي في ذلك لقاءاته مع رؤساء الدول أو مع عامة الناس.
يحسب للمذيع «تيد كوبل» مثلا أنه أول من نشر في العالم أخبار اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عقد الثمانينات وهو أول من قدم للمشاهد الأميركي شخصيات فلسطينية تجمع بين الاحترام والثقافة والكفاءة مثل الدكتور حيدر عبد الشافي أو الدكتورة حنان عشراوي.
ومن خلال هذه الشخصيات وأندادها بدأت تتغير صورة الفلسطيني إلى الصورة الإنسانية المتحضرة والفاهمة الواعية والمطالبة بحق مشروع من حقوق الإنسان، وجاء ذلك بالطبع تبديدا للصورة التي ظل الإعلام الصهيوني يبثها لخداع الجمهور الأميركي من ناحية ولتبشيع صورة العربي ـ الفلسطيني من ناحية أخرى.
بين الجدية والطلاوة
إن مؤلف هذا الكتاب يسوق نموذج البرنامج الذي أحلنا إليه مثلا دالا على إمكانية أن يجمع العمل التليفزيوني بين الجدية والجاذبية وبين العمق والتشويق، وهي ليست جدية الجهامة ولا عمق السرد الممل. وهي أيضا ليست جاذبية الإلهاء ولا تشويق التهريج الرخيص، إنها أقرب إلى جاذبية الفكرة وإلى التشويق المنبعث من إجادة الأداء من حيث دقة الأسئلة، وطلاوة إدارة الحوار وقدرة المذيع على أن يتكلم من موقع السفير، المندوب عن جماهير المشاهدين، يطرح أسئلتها ويعبر عن همومها ويعكس اهتماماتها، ويعمل مع كل سؤال وجواب على زيادة وعيها بالقضايا وتعميق خبرتها الحياتية بما يجري من حولها.
في أواخر صفحات الفصل الثاني يقول مؤلف الكتاب: «لا يزال» برنامج «نايت لاين» يجمع في أدائه بين عمق التبادل ونفاذ البصيرة وأسلوب الصحافة الذكية المستنيرة رغم أنه يقدم وسط بيئة التلفزة التجارية التي تشوبها عروض الإثارة اللاهية، ومن ثم فلا «يزال» البرنامج المذكور يشكل دليلا على أن جماهير المشاهدين سوف يصغون إلى مادة الأخبار الخارجية - السياسية إذا ما جاءت جيدة الإعداد، حريصة على الإيضاح والتنوير والتفسير.
ولا «يزال» نجاح هذا البرنامج ومقدمه تيد كوبل يدحض المقولة الكسولة اللاهية السائدة في مهنتنا بأن القصص والتحقيقات الخبرية الوافدة من الخارج ـ وبالذات من أفريقيا ـ نذيرا بالموت أو العدم بالنسبة لنجاح البرامج المتلفزة (وهو نجاح يقاس بمعيارين أولهما نسبة المشاهدة والثاني حصائل الاعلانات).
مع هذا كله، فلا نتصور من ناحيتنا أن في الأمر ما يبعث على الأمل الذي يراود المؤلف فيما عبر عنه من سطور ولهذا فقد وضعنا كلمة «لا يزال» بين هلالين في ضوء ما بتنا نعرفه بحكم الخبرة المباشرة عن تطورات الصناعة الإعلامية في الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
لماذا الأقواس؟
لقد أصدر توم فنتون كتابه الذي بين أيدينا في أواخر عام 2005 وأشاد فيه ـ كما رأينا ـ بالبرامج السياسية والإخبارية الجادة التي يمكن أن تشد اهتمام الجمهور الأميركي، وارجع هذا الفضل إلى الأداء الرصين لمذيع مخضرم ومثقف هو «تيد كوبل». والمشكلة أن كلمة «لا يزال» هذه لم يعد لها مكان بعد صدور هذا الكتاب.
والحاصل أن جاءت مطالع عام 2006 الحالي فإذا «تيد كوبل» نفسه يعلن اعتزاله ومفارقته شبكة القناة السابعة، ومن ثم تخليه عن تقديم برنامجه العتيد. والحاصل أيضا أن عهدوا بالبرنامج إلى عدد من المذيعين الذين ينتمون ولاشك إلى مدرسة الدولار قبل القيمة ودنيا الإعلان قبل الإعلام والتسلية قبل التنوير والشأن الداخلي، حتى ولو كان فضيحة جنسية أهم وأولى بالتقديم والمعالجة من الخبر الخارجي حتى ولو كان مجاعة ملايين البشر في أفريقيا أو عدوان صهيوني بشع وبربري على المدنيين في الشرق الأوسط.
مع هذا كله، تبقى الجدوى والقيمة فيما يذهب إليه مؤلف كتابنا من حيث التأكيد على أهمية التعمق في المعلومات وتحرّي المصداقية فيما يقدمه المراسل الخارجي ما استطاع إلى ذلك سبيلا. يقول المؤلف في هذا الخصوص: عمق المعلومات يخدمنا بسبل شتى، فهو يحول بين قادتنا وبين التحالف مع قوى المصالح الخاصة في الخارج دون أن يدركوا العواقب، على نحو ما حدث من تحالف إدارة كلينتون مثلا مع طالبان قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. ومثل الأمور التي تتم بمعزل عن الإعلاميين تؤدي بأهل الإعلام إلى أن يشاركوا للأسف في غسيل مخ الجماهير لصالح هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراعات الأجنبية.
توصيات
ولاتقاء مثل هذه السلبيات، وعلى الطريقة الأميركية المعروفة في بلورة السلوكيات وجرد المشاكل وتوضيح المطلوب، فقد سعى مؤلفنا من واقع خبرته الطويلة كمراسل أجنبي إلى بلورة 10 توصيات يطرحها في ختام الفصل الثاني من الكتاب متصورا أنها تصلح لترشيد الأداء الإعلامي في فترات الأزمة أو المواجهة أو الصراعات.
وهذه التوصيات العشر تجري على النسق الموجز التالي:
* (1) أن يتصرف الإعلامي بوصفه جهاز الإنذار المبكر لصالح الجمهور محذرا ـ بفضل معارفه وخبراته وحاسة الاستشعار لديه - من أي خطر يلوح في الداخل أو في الخارج،
* (2) أن يرصد أداء الحكومة وخاصة فيما يتعلق بالسهر على أمن الوطن وسلامة مواطنيه.
* (3) أن يتأكد من أن الجمهور العام على وعي تماما بما تقوله حكومته باسم المواطنين خارج الحدود.
* (4) أن لا تستبد به شهوة نشر كل شئ أو أي شئ، بل عليه ألا يكشف ما قد يتناهى إليه من معلومات يمكن أن تضر الصالح العام.
* (5) لكن ليس معنى هذا أن يعتمد الإعلامي المسئول أو المراسل الخارجي نهج الجبن أو يخضع للتخويف بسيف الرقابة الحكومية التي قد يمارسونها متنكرة تحت شعار الوطنية.
* (6) أن لا ينسى الإعلامي قط أهمية تثقيف الجمهور بخلفيات واعية ومعلومات أساسية تاريخية وجغرافية ووقائعية تكمن وراء الأخبار التي يجمعها ويبثها.
* (7) أن يعتمد باستمرار أهمية التدريب المتواصل للكوادر المهنية القادرة على انجاز المهام الإعلامية الواجبة.
* (8) أن يتأكد بالدليل أن القوى والدوائر الحاكمة لا تستغل السلطات الممنوحة لها في الداخل.
* (9) أن لا يسمح يوما بتدخل المؤسسات المالكة أو القابضة التي تتبعها الخدمة الإعلامية ـ الاخبارية ـ ومن ثم فإن رائده في هذا كله هو الأولوية لمصالح الجمهور العام قبل مصلحة هذه المؤسسات الأم.
* (10) أن يساعد بلاده في تركيز جهودها على المهام القومية المطروحة من دون أن يشتت هذا التركيز في مسارب جانبية أو اهتمامات تافهة.
الزهو والاسترخاء
يبادر المؤلف إلى الاعتراف بأن معظم هذه التوصيات العشر يبدو بديهيا أو هي من الوضوح الجليّ بمكان، لكنه يؤكد أيضا على أنها كثيرا ما غابت عن وعي واهتمامات وأداء جمهرة الإعلاميين، خاصة في ضوء الوضع الذي ساد أميركا عقب شعور الانتصار في الحرب الباردة وزوال المنافس السو؟
ييتي الشرس من خريطة العالم، هذا الشعور بالزهو أدى إلى حالة الاسترخاء أو بالأدق الركود والدعة التي أسلمت بدورها إلى كساد صناعة جمع وبث ونشر وتعميق الأخبار الخارجية مما أسلم جماهير الأميركيين ـ بل وقطاعات واسعة من نخبة المثقفين في بلادهم إلى تراجع وعيهم بما يدور في أنحاء الدنيا.
تلك هي بالضبط الحالة الشبيهة بما كانت عليه أميركا في عام 1940، عندما كانت تدور رحى حرب رهيبة اشتعلت بين ألمانيا بقيادة هتلر وبين أطراف شتى في غرب أوروبا:
فرنسا وقعت تحت الاحتلال النازي، انجلترا كانت تتعرض لغارات سلاح الجوي الألماني بوتيرة خطيرة ومدمرة، العالم بدأ يقع تحت سيطرة المحور الذي كان مؤلفا من إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية واليابان الامبريالية، كل هذا بينما كانت أميركا عام 1940 تغط في سبات ودعة وارتياح غريب، لا لأن سكانها كانوا أغبياء ولكنهم لم يكونوا على علم بما يدور على الجانب الآخر من المحيط.
يضيف مؤلفنا في منتصف الفصل الثالث من هذا الكتاب يقول: إنها سيطرة أصحاب الأسهم على مقادير مؤسسات الإعلام الكبرى. وهذه السيطرة أفضت بخبراء وممارسي الميديا (في أميركا) إلى أن يلقوا السلاح ويستسلموا لمقولة في غاية الخطورة وهي: لم يعد بأيدينا شيء نفعله.
تلك بالقطع حالة مَرَضية على نحو ما يصفها مؤلفنا وهو يحاول تشخيص أسباب هذا التدهور: هذا المرض أصاب الإعلام السياسي والخدمات الخبرية في أميركا، ومن البديهي أن ثمة تركيزا على إعلام أميركا، لا بحكم ضخامته من حيث عدد المؤسسات أو من حيث حجم الجمهور فقط، ولكن أيضا بحكم ريادته وخاصة بعد إعلام الدعاية (البروباغاندا) الذي ساد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، سواء بروباغاندا جوبلز النازي أو بروباغاندا راديو لندن أو صوت أميركا أو مكاتب الاستعلامات (الدعاية) التابعة لسفارات واشنطن عبر البحار.
أسباب للتدهور
ومرة أخرى يلجأ مؤلفنا إلى قائمة جديدة سباعية هذه المرة يحاول أن يحصر، بل يجرد فيها، الأسباب التي يراها محورية فيما أصاب الإعلام الأميركي من تدهور في النوعية وهو الموضوع المحوري الذي ينشغل به مؤلف هذا الكتاب:
* السبب الأول لتدهور النوعية في الإعلام الأميركي هو اعتبار البرامج الإخبارية والسياسية مصادر للربح وهذه النظرة تفضي بداهة إلى تحجيم الاهتمام بتلك البرامج، ويرجع ذلك ببساطة إلى أنها بحكم نوعيتها وبحكم جديتها وعمقها، وبرغم أهميتها الحيوية لا يمكن أن تكون مصادر للربح أو جاذبة للإعلانات الخلابة والترفيهية والطائلة المداخيل، فهي لا تستطيع أن تنافس مثلا عروض الأزياء أو التلفيقات الدرامية الخفيفة على عقل المشاهد والثقيلة من حيث حصيلة الإعلانات.
* السبب الثاني يتمثل فيما يصفه المؤلف بأنه تحرير البث الإذاعي ـ على نحو ما تردده أوساط شتى في بلادنا وفي العالم الثالث بأنه تحرير التجارة والقصد الحقيقي هو إزالة كل القيود والضوابط والمعايير والقواعد التنظيمية.
ومن هذه الإزالة أو الإلغاء ما بعد كلمة حق يراد بها باطل فالتحرير كلمة إيجابية والخصخصة معنى مفيد وإزالة القيود عملية مندوب إليها كما يقول الفقهاء، لكن هذا كله باب يفتح ولن يغلق، قصة لها بداية ولن تكتب لها نهاية، وقد يكون إطلاق الخصخصة في المشروع التجاري أو النشاط الاستثماري أمرا مفهوما ومفيدا، لكن إطلاق الخصخصة على مصراعيها في مجال الإعلام.
وما يرادفه من نفي واستبعاد الدولة وحرمانها من الاضطلاع بمسؤولياتها في مجال تثقيف وتنوير مواطنيها، أو على الأقل من المشاركة الفعالة في هذا المجال ـ من شأنه أن يجعل أمر الوعي الوطني والثقافة القومية موكولا بأيدي الأفراد والمصالح الخاصة والأهواء الفئوية بكل ما يجلبه ذلك من أضرار لا سبيل إلى إدراك مغبتها سوى في الأجل الطويل البعيد.
* السبب الثالث: تدهور المعايير المهنية والقواعد المحترمة في ممارسة مهنة الإعلام، وعندنا أنه سبب يرجع إلى سابقه، بمعنى أن وضع مقاليد الإعلام حصريا بيد الأفراد والمصالح الخاصة واستبعاد مسؤولية الدولة كفيل بتغليب مفهوم الربح على أي مفهوم آخر بحيث يظل السؤال المطروح هو: كم وليس كيف؟
وهو: إلى أي حد نرضي المعلنين والكفلاء والمتبرعين ونرتفع بنسبة المشاهدة وإحصائيات الإقبال؟ وعليك أن تنسى بالتبعية حكاية النوعية والجودة والمسئولية الاجتماعية للإعلام.
* السبب الرابع المرتبط بما سبق هو ما يصفه المؤلف بعبارة: هذا الهوس بنسبة المشاهدة ومعايير جاذبية المادة المذاعة (طبعا بصرف النظر عن مدى جودتها أو رقي نوعيتها أو أهمية جدواها في توعية الناس) الذين لا ينظر إليهم بوصفهم مواطنين بقدر ما ينظر إليهم بوصفهم مجرد ، مستهلكين.
* السبب الخامس: أن تكاليف فتح مكاتب خارجية للشبكات المتلفزة، فضلا عن الإبقاء على تلك المكاتب وتشغيل أفضل الكفاءات باتت أمورا باهظة التكاليف وبالتالي أصبحت تتنافى مع منظور الربح الذي يطل منه المديرون والمتنفذون على سير العمل وقواعد الميزانية على صعيد تلك الشبكات.
* السبب السادس: تنامي ظاهرة مستجدة وطريفة في دنيا الإعلام السياسي والخدمات الإخبارية ويصفها المؤلف بأنها ظاهرة التغليف المسبق والتعبئة الجاهزة للأخبار بدلا من العمل الدؤوب والإتقان المهني في سبيل جمع وتحقيق وتوثيق هذه الأخبار والمعلومات من مصادرها الأصلية.
هكذا أصبحت الميديا تستقي الأخبار، لا من المصادر أو المظان الأساسية، بل من الوكالات التي تتولى تجميع وتعبئة وتغليف وتوصيل هذه البضاعة الخبرية إلى المستهلكين وعلى طريقة «تيك أواي» أو «هوم ديلفري» المتبعة في استهلاك شطائر الهامبورغر وفطائر البيتزا، للأسف الشديد.
* السبب السابع والأخير: يتمثل في أن ملكية الميديا الإخبارية (والمَثَل من الولايات المتحدة) آلت حاليا إلى شركات مساهمة، وهذه الشركات ـ على نحو ما ألمحنا سلفا ـ يقوم على أمرها مجالس إدارة يتمثل همهّا الأساسي في عرض ميزانيات رابحة على الجمعيات العمومية المعقودة سنويا، كما يتركز ولاؤها، لا في تعزيز وعي الجمهور وتنوير بصيرة المواطنين، بل في رضا جموع المساهمين أولا وأخيرا.
في هذا المضمار بالذات يتوقف المؤلف عند قضية تكريس الربح العائد من عملية الإعلام، ونحن نذهب من جانبنا إلى أن هذا التكريس للعائد المادي ـ النقدي ما هو إلا نتيجة من نتائج الخصخصة الكاملة للمؤسسات الإعلامية، ومن ثم استبعاد دور الدولة الحديثة المستنيرة كما لابد وأن نؤكد على المشاركة في أداء هذا الدور حيث يمكن أن يتحول الدور إلى رسالة تضطلع بها الدولة إزاء مواطنيها توعيةً وتثقيفا وتعليما وتنويرا.
الربح والفشل
إن المؤلف يؤكد أن هذا السعي الدؤوب لتحقيق الربح هو واحد من الأسباب الجوهرية للفشل الذي يعترِف به في مهنة الإعلام، ولما حاول الإعلاميون تجميع صفوفهم لمواجهة نقص الاعتمادات وخفض الميزانيات كانت النتيجة خيبة فادحة، لماذا؟ لأن الأخطاء أصبحت جماعية ومشتركة بسبب جماعية المصادر والجهود الإعلامية.
لم يعد ثمة انفراد بالخبر ولا ثمة جهد ابتكاري تتجلى في إطاره مواهب الإبداع عند هذا الإعلامي الفرد أو تلك المذيعة الموهوبة، ولم يعد هناك بالتالي المذيع الذي يقرأ الأحداث بفهم، ولا المراسل الذي يستبق الحدث ويقدم لك تحليلا صائبا ينطوي على توقعات تبشر بشئ وقد تنذر بشيء آخر، وحتى لو تواجد هذا المراسل أو المذيع الموهوب فالأرجح أن تحليلاته وتنبؤاته لن تجد طريقها لا إلى الأسماع ولا إلى صفحة الشاشات.
هنا يحكي المؤلف عن تجربة عمله مراسلا لأكبر شبكة أميركية متلفزة من مكتبها في باريس، كان جاره في السكن شابا متفتحا من إيران اسمه (صادق قطب زاده) وكان الشاب ينتمي إلى عناصر المعارضة الإيرانية المنشقة على حكم الشاه في طهران، ومن خلال الحوار المتواصل اقتنع المراسل التليفزيوني أن شاه إيران يواجه متاعب وأن عرشه في خطر وأن شرطته السرية أصبحت مصدر رعب للمواطنين.
وكان أن سافر المراسل إلى طهران واستطاع أن يوثق رؤاه وتوقعاته، ولكن محطته رفضت أن تذيع هذا كله ولم يصغ إليه أحد، وجاءت أحداث الثورة الإيرانية كأنها إنفجار مفاجئ، والسبب أن رؤساء الميديا في نيويورك وواشنطون كانوا أسرى للرؤية الجماعية التي استنامت إلى حكاية استقرار نظام الشاه في طهران ولم يكن أي منهم على استعداد لتصديق مراسل مقيم في باريس كان له مصادره وسافر إلى إيران وحاول أن يبدع وأن يحقق وأن يوثق.
وأن يمحص وأن يحذر وينذر، ولكن صوته ضاع صارخا في برية الذين كانوا راضين عما هم فيه، ولم يكونوا على استعداد لسماع جديد يعكر الصفو أو يتعارض مع ما وقر مستقرا في الأذهان لكن القضايا الإعلامية لها وجه آخر يمكن وصفه بأنه ثقافة الغَزْل والنسج الإعلامي.
عرض ومناقشة: محمد الخولي