يجد القارئ نفسه، عند هذا المنعطف المبكر من الكتاب، على موعد مع تحليل معمق يقدمه المؤلف للعلاقة بين رجال الإعلام وبين صناع القرار السياسي والعسكري، ويلقي الضوء على العلاقة القائمة على الشد والجذب بين الجانبين، وهو يتوج هذا التحليل التفصيلي المستفيض بلفت الأنظار إلى ما يسميه بالنهج الخطير في العمل الإعلامي، والذي يفرض نفسه حالياً في الإعلام الأميركي، وهو نهج الاستسهال والبعد عن التعمق، وتقديم الاعتبارات المتعلقة بتكاليف الأداء الإعلامي على عنصر الجودة والمستوى الرفيع في هذا الأداء.

من إيجابيات هذا الكتاب أن مؤلفه يتميز بعقلية تنظيمية، تعرض القضية ثم تطرح تساؤلات منطقية لاستيفاء كافة جوانبها، تتجلى هذه الميزة مع الفصل الثاني من الكتاب الذي يتطرق إلى موضوع يصفه المؤلف بأنه «واجبات زمن الحرب» ولكنه يبدأ الاقتراب منه بطرح سؤالين مهمين هما: وما هو دورنا؟ (يقصد الصحافيين - المراسلين - الإعلاميين) وهو يقتحم الموضوع بعبارات لاشك ستلقى قبولا لدى جمهرة المحللين والمراقبين السياسيين في أميركا حين يقول: تعيش الولايات المتحدة حاليا تحت طائلة تهديد متزايد بأكثر من أي وقت مضى منذ بيرل هاربور وبهذا أصبحنا، بلدا وشعبا، في حالة حرب أعلن فيها العدو عزمه على إلحاق الضرر بأراضينا.

والإشارة إلى بيرل هاربور تحيل إلى حادثة الهجوم الياباني الصاعق على ذلك الميناء في جزر هاواي يوم 7 ديسمبر عام 1941. ويومها تحطم الأسطول الأميركي بأكمله وقد كان راسيا في ذلك الميناء مما يعد من الكوارث الكبرى التي مني بها الحلفاء خلال حوادث الحرب العالمية الثانية.

الصحافة والحرب

في هذا السياق يشير الكتاب إلى وضع المراسلين الصحافيين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. أصبحوا أيامها جزءاً لا يتجزأ من القوات العسكرية بل كانوا يرتدون الزي العسكري وهم يغطون أخبار الوحدات العاملة في ميادين القتال.انتهت الحرب العالمية عند منتصف الأربعينات،

واشتعلت الحرب الكورية مع مطالع الخمسينات، ومعها أيضا بدأ التليفزيون يدخل الصورة ولو على استحياء جنبا إلى جنب مع الراديو الذي كان سيد الموقف في تلك الفترة حيث كانت الإذاعة المسموعة ومعها الصحف المطبوعة هي المصادر الرئيسية للأخبار. أيامها كانت العلاقات على ما يرام بين الصحافة والميديا بشكل عام وبين صانع القرار في دوائر الحكومة العسكرية والمدنية على السواء.

لكن هذه العلاقات بدأ يصيبها قدر من التوتر ومن ثم نجمت هوة تفصل تدريجيا بين الطرفين: الإعلام وأداة الحكم، كان ذلك مع تورط أميركا في حرب فيتنام في سنوات عقد الستينات وكان على الميديا وقتها أن تتابع وقائع الحرب في المستنقع الآسيوي، ولكن كان عليها في الوقت نفسه أن تعكس حقائق الرفض والتمرد والمظاهرات المناهضة لاستمرار الحرب في ؟يتنام.

عند هذا المنعطف في أداء العمل الإعلامي كان على الممارسين أن يتذكروا جيدا أن الإعلام ليس مجرد صناعة بقدر ما أنه أيضا مهنة، وأنه ليس مجرد وظيفة للاحتراف ولكنه ينطوي أيضا على رسالة مطلوب النهوض بتبعاتها أمام جماهير المتلقين، هنالك تبلور - كما يقول مؤلف كتابنا - (ص26) مفهوم جديد للوطنية واستقرت المهنة على أن الوطنية ليست التهليل بالبروباغاندا الدعائية لحرب ؟يتنام بقدر ما أن الوطنية الصحيحة هي احترام حق الجمهور في أن يعرف موضوعيا ما يدور.

في تلك الفترة بالذات كان المذيع الأول في شبكة سي. بي. إس ، الإعلامي الأشهر والتر كرونكايت من مؤيدي الحرب في البداية ولكن الرجل مع تطور الأحداث ما لبث أن أذاع اقتراحه الشهير بضرورة الانسحاب المشرّف من ؟يتنام، في تلك اللحظة أدرك الرئيس الأميركي (وقتها) ليندون جونسون أن صانع القرار في البيت الأبيض فقد تأييد البلاد.

اتساع الهوة الفاصلة

لقد خاضت أميركا حروبا عديدة (ولو على نطاقات محدودة) خلال عقود الثلث الأخير من القرن العشرين، وفي تلك الفترة يؤكد المؤلف أن هوة التوجس اتسعت بين الطرفين فلا الإعلاميون كانوا يثقون في العسكريين ولا العسكريون كانوا يثقون في الإعلاميين. وفي عملية غرينادا العسكرية التي قرر فيها الرئيس ريجان غزو تلك الجزيرة الكاريبية الصغيرة عام 1983 أمر الجيش بإغلاق كاميرات التليفزيون التجاري.

وفي حرب تحرير الكويت في مستهل التسعينات لم يستطع العسكريون منع وسائل الإعلام من متابعة الأحداث، ولكن الجنرالات الكبار قرروا إبعاد الصحافيين عن مسرح العمليات، وقصارى جهدهم هو أن يزودوا الميديا بسلسلة مستمرة من الإحاطات الإعلامية الموجزة والجاهزة الصنع مزودة بأشرطة فيديو أعدها العسكريون تصور المخابئ والمغارات التي كانت تؤوي الجنود العراقيين في عرض الصحراء.

ثم تغيرت الأمور إلى حد لا يستهان به في عمليات غزو العراق. ويوضح المؤلف كيف تغير الطرفان بزاوية 360 درجة لدرجة بدا عليها أمرهما وكأنما يتطارحان الغرام المشبوب! وهكذا رحب العسكريون بالمراسلين وكاميراتهم في صحبة الوحدات القتالية، ولم يكذّب الطرف الإعلامي خبرا، بل أدى الأمر إلى أن نسي الإعلاميون مهمتهم الأساسية وهي الرصد والبحث والتدقيق والنقد.

وأنّى لهم أن يقوموا بهذا الدور النقدي المستنير بعد أن أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من خطة عمليات البنتاغون؟. أين هذه الأوضاع المهينة من تلك الأوضاع المرموقة التي كان يتمتع بها التلفاز والراديو والصحافة المطبوعة خلال سنوات الحرب الباردة التي دامت قرابة نصف قرن إلا قليلا.

لم تكن حربا بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما كان صراعا مكتوما بين نظريات وثقافات ومواقف ومفاهيم وحضارات، وكان كل طرف أثناءها يبذل قصارى جهده من أجل إحراز النجاح المهني. العسكريون كانوا من جانبهم في غاية التأهب في ضوء ميزان الرعب النووي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.

والصحافيون من جانبهم كانوا في غاية النشاط وخاصة المراسلين الخارجين منهم الذين كانوا يكتشفون كل يوم أخبارا وقصصا إخبارية ومؤامرات وتصريحات وعمليات جديدة ينفردون بنشرها ويشتهرون بها ويحوزون بفضلها كل الاحترام من جانب رؤسائهم. يقول المؤلف: كان الإعلاميون في سنوات الحرب الباردة يوافون الجمهور بكل تطور جديد وخاصة فيما يتعلق بتحولات موازين القوى العالمية وكان الجمهور من جانبه يولي أهمية قصوى لما يفيد به كل هؤلاء الإعلاميين.

في هذا الصدد يقول المذيع التليفزيوني الراحل بيتر جيننجز: أي إشارة ولو بسيطة تلمح إلى أن السوفييت يدبرون أمرا ما، كانت كفيلة بأن يضعك رئيسك على أول طائرة لكي تغطي الحدث المرتقب أيا كانت الظروف. ومن جانبه يعلق المؤلف قائلا: في تلك السنوات، كانت الأخبار الخارجية (العالمية) أخبارا حقيقية.

ان الحرب الباردة شجعت كبرى المؤسسات الإعلامية على الاحتفاظ بشبكات واسعة من المكاتب الخارجية والمراسلين الدوليين، كانت تلك ذروة نشاط هذه الفئة من الإعلاميين، كانت أياما مفعمة بالعمل، ولكنها لم تدم طويلا. السبب هو أن الحرب الباردة انتهت، وانتهى معها الاتحاد السوفييتي وبذلك تبدد التوتر الذي كان سائدا وبدأت أميركا تعيش حالة من الاسترخاء والدعة على حساب آليات اليقظة والتحسب والانتباه.

يشير المؤلف في هذا المضمار بالذات إلى سنوات عقد التسعينات، وبقدر ما كانت تلك سنوات الفائض والازدهار الاقتصادي في أميركا، كانت بالمقياس نفسه سنوات الخفض المستمر في ميزانيات التسليح بعد أن زال الخصم العسكري الروسي، وسنوات الاستقطاعات المتوالية في ميزانية الاستخبارات فقد زالت دولة الكي. جي. بي، الإخطبوط المخابراتي المنافس في موسكو.

تخفيضات خطيرة بالميزانية

على المنوال نفسه نسجت مؤسسات الميديا ، ولم يعد ثمة حاجة للإبقاء على المكاتب الخارجية ولا التمسك بوجود مراسلين في الخارج، فأغلقت معظم المكاتب وخفضت الميزانيات وتم الاستغناء عن جهود العديد من المراسلين الخارجيين.

وأسفر هذا كله عن نتيجتين:

الأولى تحجيم، ومن ثم تقزيم، أهمية الأخبار الخارجية والشؤون الدولية ضمن اهتمامات ونشرات الميديا الأميركية - الأمر الذي عاد بالمواطن الأميركي إلى حكاية التركيز على شؤون الداخل واهتمامات الحيز المحلي، ومن ثم فقد نهضت جدران غير مرئية من عزلة الوعي حول ما يجري على صعيد دول العالم الأخرى.

الثانية تحولت مكانة المراسل الخارجي الذي كانوا يرمقونه في السابق بإعجاب بوصفه خبيرا في العلاقات الدولية - تحولت هذه «المكانة» البارزة إلى مجرد «مكان» يشغله موظف أصبحوا يعتبرونه مجرد مصدر مزعج لإطلاق التحذيرات والإنذارات في كل رسالة يبثها أو في كل معلومات أو أخبار يبعث بها.

يقول المؤلف: هكذا وجدت نفسي وغيري من المراسلين الخارجيين وكأننا أشبه بكائنات غريبة لا تكاد تفعل شيئا سوى التلويح بأيديها من أماكن قصية ومواقع نائية تحذر وتنذر - أماكن ومواقع مثل يوغوسلافيا في أوروبا أو رواندا في افريقيا - وكأن همّ هذه الكائنات هو محاولة لفت الانتباه من جانب رؤساء الميديا وجمهور المشاهدين على السواء.

عبثا حاول المؤلف وأمثاله من المراسلين الخارجيين أن يحذروا من تطورات الأحداث، سواء في وسط أوروبا (البلقان) أو في الشرق الأوسط (الصراع العربي - الإسرائيلي) أو في وسط افريقيا (رواندا - بوروندي) أو غربها (الكونغو وسيراليون) أو في أطراف شبه الجزيرة الهندية إلى آسيا الوسطى (باكستان، أفغانستان) لكنهم لم يجدوا آذانا تصغى كما كان ينبغي.

وربما كان الطرف الآخر معذورا، فقد كان الأميركيون يتطلعون إلى قطف الثمار بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها. كانوا يريدون الاستمتاع بما وصفته المصطلحات السياسية مع مطلع التسعينات وخاصة في أدبيات الأمم المتحدة بأنه «أرباح السلام»،

وتشاء المقادير أيضا أن يحدث هذا كله في إطار حقبة الرئيس كلينتون، وقتها كانت «فتوحات» الرئيس النسائية وأحاديث الثرثرة والنميمة في حياة المشاهير، هي المادة المفضلة في مانشيتات الصحف وفي صدر نشرة الأخبار المسائية التي تكون أول ما يطالعها المواطن الأميركي العائد إلى بيته بعد يوم من العناء.

سياسة إعلامية جديدة

تلك هي الظروف التي تشكلت في غمارها بيئة جديدة للميديا في أميركا، ويصفها المؤلف قائلا:هي بيئة الإرسال بالكوابل لتوصيل خدمات التلفزة، وبيئة الساتل الفضائي (القمر الاصطناعي) وشبكة الانترنت وصحافة الثرثرة والترفيه والأسرار المخملية وقد توسع هذا كله ليشكل فصيلا إعلاميا قادرا على إدرار أرباح طائلة. وقد دامت هذه الحالة حتى بعد عمليتي غزو أفغانستان والعراق،

ومن ثم فلم يجد رؤساء التحرير أمامهم سوى أن يوفدوا صحافيي الإثارة والصالونات لتغطية الأخبار في مسارح العمليات الحربية بسبب النقص الفادح في الكوادر المؤهلة والقادرة على الإنجاز. ومن عجب أن كل هذه المشاعر من الاسترخاء ومن الرضا عن النفس ومن التطلع إلى تذوق ثمار السلام وحلاوة الانتصار - لم تكن تقوم على أساس حقيقي ولا وطيد،

بمعنى أن التسعينات لم تكن بالفعل مرحلة سلام، بل كانت مشغولة بأكثر من حرب وأكثر من صراع في مواقع شتى من عالم السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ولكن أميركا كانت تتعامل مع كل هذه الصراعات المحتدمة وقد وضعتها بعيدا عن هامش الاهتمام، وربما في مناطق اللاشعور، كان هناك حروب وصراعات في الشيشان وفي الصومال وفي صربيا وفي كوسوفو وفي ناغورني كاراباخ (جورجيا - أرمينيا السوفييتية سابقا) وطبعا في حرب العراق - الكويت.

وكان على الميديا أن تنهض إلى أداء دورها المهني والأدبي لتغطية هذه الصراعات وتوعية الجمهور الأميركي بها، وكان لزاما أن يتم إيفاد المراسلين الخارجيين المتخصصين في مثل هذه التغطية، ومنهم من عّرض حياته للخطر لأداء مهمته، لكنه بعد العودة لم يجد من رؤسائه سوى أدنى الاهتمام بل وجد عدم الاكتراث.

هنا يسوق مؤلفنا نموذجا على هذا كله من واقع قصة المدرسة الابتدائية في سرايي؟و عاصمة مسلمي البوسنة والهرسك في البلقان: أصل الحكاية أن التقط المصور التليفزيوني نيكولاس تيرنر صورا حية تابع فيها بحرفية فائقة وجسارة مشهودة حادث الاعتداء بالمدافع على مدرسة ابتدائية في سرايي؟و في أوائل التسعينات.

وكان الحادث نذيرا باشتعال الموقف إلى حرب ضروس في منطقة البلقان وقد راح ضحية القصف الوحشي خمسة أطفال أبرياء فيما أصيب بجراح أكثر من عشرة تلاميذ آخرين إضافة إلى معلمتهم. كانت صور ال؟يديو حية ومعبرة وشديدة التأثير، وزاد من تأثيرها التعليق الساخن والدقيق الذي كتبه وتلاه المراسل باري بيترسون، وبالدقة والمسؤولية المهنية نفسيهما، عمد الزميلان المحرر والمصور إلى مراجعة الشريط وإلى استبعاد أفظع لقطاته التي لا يجوز عرضها على أنظار عامة المشاهدين،

ثم بادرا إلى إرسال الشريط الإخباري عبر القمر الاصطناعي إلى المحطة الأم في نيويورك. واستيقظ الزميلان في صباح اليوم التالي في ترقب لمشاهدة العمل الذي أنجزاه مذاعا ضمن النشرة الاخبارية الصباحية لكن كادا يصعقان عندما اكتشفا أن شريطيهما تم حذفه من أخبار التليفزيون، لقد تعرض الشريط لحادثة (اغتيال) كما يقول مصطلح أهل الكار ثم بادرا بالاتصال بالمركز في نيويورك للاستفسار عن السبب: هل جاء الشريط أفظع من اللازم؟،

هل شابه خطأ سياسي أو مهني ما؟، ثم أردفا هذه التساؤلات بقولهما: نحن نرى أن هذا الخبر بكل مشاهده ومضامينه مهم للغاية لأنه يوضح للعالم من هو المعتدي (الصرب) ومن هو الضحية (مسلمو البوسنة) وإذا لم تذيعوا ما نرسله إليكم وما نجهد ونخاطر من أجل ملاحقته وتحضيره، فلا مكان لنا هنا من الأساس.

من ناحيته ، أخذ مسؤول الأخبار في نيويورك، واسمه إيريك سورنسون نَفَسا عميقا قبل أن يجيب قائلا: المادة التي تسلمناها كانت جيدة بل أكثر من جيدة، لأنها كانت موثقة بقدر ما كانت بالغة التأثير، ولكن كما لا يخفى عليكما فإن الحرب الدائرة هناك (البلقان) تبعث على الكآبة في نفوس مشاهدينا .

هكذا يوضح المؤلف كيف تخلت شبكات الإعلام الكبرى عن مسئوليتها إزاء توعية جماهيرها، وكيف سمح مسؤولوها لأنفسهم أن يقفوا حاجزا بين هذه الجماهير - المغلوبة على أمرها دون أن تدري - وبين حقها في المعرفة والإحاطة والدراية والتنوير.

واقعة صارخة الدلالة

يسوق مؤلف الكتاب واقعة أخرى عاشها شخصيا ولها دلالتها الكبرى يقول (ص32): شبكة سي. بي. إس التي ارتبطْتُ بها على مدى سنوات وعقود كأنما أصيبت بالعمى عندما خذلتني شخصيا فلم أستطع أن «أبيع» لهم (بمعنى إقناعهم) مقابلة تليفزيونية كنت قد أجريتها مع ناشط إسلامي حركي كان وقتها بعيدا عن هالات الضوء وكان اسمه، أسامة بن لادن(!) كان ذلك في ديسمبر من عام 1996،

وكنت قد رتبت مع سعودي يعيش في لندن لكي أجري هذه المقابلة مع بن لادن في أفغانستان، وجاءتني موافقته على الإدلاء بأول حديث إلى شبكة أميركية متلفزة وضمن برنامج «60 دقيقة» - المجلة الإخبارية العتيدة والشهيرة- من ناحيتي كنت أرى في بن لادن قيادة لشبكة إرهابية في المستقبل،

من ناحيتهم كان رؤساؤنا في المحطة التليفزيونية في نيويورك يرون فيه شخصاً خامل الذكر مجهولا ولا يهم مشاهديهم في الولايات المتحدة، كان أكبر همّهم هو توفير مبالغ الدولارات المفروض صرفها على الرحلة وإجراء الحديث في أفغانستان ولهذا تعرض المشروع بدوره إلى «الاغتيال».

ولك في هذا المقام أن تتساءل: يضيف مؤلف الكتاب:كيف يتسنى لمثل هؤلاء الرؤساء أو دهاقنة الميديا أن يحكموا على هذه الشخصية أو تلك.؟ أن يدركوا مدى أهمية، أو عدم أهمية، هذا الفرد أو ذاك؟ كيف يفعلونها من دون أن يرجعوا بالضرورة إلى الاختصاصيين من أمثالنا، بمعنى المراسلين الخارجيين والإعلاميين الناشطين في الميدان؟

بيد أن قصة هذه المقابلة المتلفزة لم تكن لتنتهي عند هذا الحد، لقد حاول المؤلف من موقعه كمراسل للتليفزيون الأميركي في لندن أن يواصل جهوده ولو بتكاليف أقل. يقول (ص33) أنه نجح في استخدام وسيط سوري عرض إجراء المقابلة لقاء مبلغ 25 ألف دولار ورغم أن المبلغ زهيد بمقاييس المهنة إلا أن شبكة سي. بي. إس، وجدته مرتفعا وصرفت النظر تماما عن مقابلة مع بن لادن

فما كان من منافسيها شبكة أي. بي. سي دع عنك شبكة سي. إن. إن إلا أن أجروا مقابلاتهم ومن خلالها أحاط المشاهدون لأول مرة بالصوت والصورة بحكاية بن لادن التي ما لبثت أن تعمقت على نحو أو آخر في السياق والوجدان الأميركي حتى كتابة هذه السطور. في كل حال

ينعي المؤلف على القنوات التليفزيونية أن المسؤولين عنها يحسبونها بالدولار قبل أن يفكروا في المسؤولية الإعلامية، وأن منتجيها ومخرجيها يفرضون نوعا من الوصاية على جماهير المشاهدين حيث يقررون بالنيابة عن المواطنين ما هو الصالح وما هو الطالح، حيث الصالح على طول الخط هو الأقل تكلفة والأربح من حيث جلب الإعلانات وزيادة المداخيل وهو أيضا الأدعى للراحة والدعة وتجنّب انشغال البال و وجع الدماغ.

الخطر على إعلامنا

كل هذا لا يصنع إعلاما ولا توعية ولا يكفل تثقيفا يثري وجدان الناس أو يزيد من خبرتهم ومعرفتهم بما يدور على سطح كوكب أضحى كما تقول البديهة الإعلامية - الاتصالية الذائعة - مجرد قرية عالمية وربما محلة أو حي الكتروني صغير.

هنالك يكمن ما نوافق عليه المؤلف بأنه نهج خطير في العمل الإعلامي: أنه نهج الاستسهال بعيدا عن التعمق والبحث الجاد والأناة وعدم الخضوع الأعمى أو التلقائي للاعتبارات التجارية: وهو أيضا النهج الذي يعكس عدم ثقة الإعلاميين في قدرة جماهير المشاهدين على متابعة وهضم واستيعاب المواد الجادة والمتعمقة،

وقد نصفه من جانبنا اليعربي بأنه النهج اللامسئول أو اللامكترث إزاء مصالح الوطن في بلادنا والمواطنين، تلخصه العبارة التي ذاعت في أواسط السينما العربية بعامية القاهرة وهي «الجمهور عايز كده».والحق أن الجمهور مازال عند حسن الظن، فقط يريد هذا الجمهور أن يوافيه الإعلاميون بمواد تتسم بالعمق نعم، لكن أيضا لا تنقصها الجاذبية، فليست الإثارة في رأي المؤلف،

وفي رأينا أيضا ، مرادفة بالضرورة للهزل أو العبث أو اللهو الساذج الرخيص، ثمة برامج يسوقها المؤلف من واقع الميديا الأميركية تشهد بأن الناس يقبلون على المادة الجادة إذا ما أحسن المهنيون خدمتها وصياغتها، والنموذج الذي يطرحه المؤلف على المواد الإعلامية الجادة والشيقة أيضا نموذج يحمل عنوان «نايت لاين» وتلك قصة تستحق أن تروى.

عرض ومناقشة: محمد الخولي