عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازقيعرض المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من الكتاب، للتفاصيل المتعلقة بتخلي ليبيا عن سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل في الوقت الذي كانت القوات الأميركية تقوم فيه بغزو دولة تعتبر في عداد التصنيف الأميركي من الدول المارقة والمقصود هنا هو العراق. ومن تفاصيل التحول الليبي .

وهي كثيرة يعود بنا المؤلف إلى الحديث عن القاعدة مستعرضا بعض الجوانب المتعلقة بخالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة. لقد كان اعتقال الإثنين من بين العمليات الناجحة للولايات المتحدة في حربها مع القاعدة غير أن سوسكيند يشير إلى أنهما لم يقدما الكثير من الاعترافات رغم عمليات التعذيب المختلفة والبشعة التي مورست عليهما ووصلت إلى حد التهديد بالقتل.

من الجوانب التي تبدو عجيبة ومثيرة للدهشة حول أداء المخابرات الأميركية ونمط تعاملها مع معتقلي القاعدة ما يشير إليه المؤلف من أن الأمر وصل بالنسبة للتحقيق مع رمزي بن الشيبة إلى حد البحث في تدبير مؤامرة تسيء إليه حال إصراره على عدم ا لاعتراف. وقد كان المقترح آنذاك أن يتم الإعلان عن أن رمزي بن الشيبة قد انهار خلال التحقيقات معه وأنه يتعاون الآن بشكل جيد مع المخابرات الأميركية وأنه على ضوء ذلك يعامل معاملة جيدة.

وهو ما كان يعني في حالة الأخذ بهذا السيناريو تحطيم سمعة رمزي بن الشيبة. ولم يقتصر الأمر على هذا وإنما امتد تفكير المخابرات إلى حد فبركة وثائق تتضمن معلومات حصلت عليها من مصادر أخرى ونسبتها إلى ابن الشيبة وهو ما يمكن أن يؤدي بعناصر القاعدة إلى القيام بعمليات ضد أسرة بن الشيبة .

غير أن الوكالة في النهاية استقرت على أن تسعى من خلال أسرة ابن الشيبة نفسه كي تمارس الضغط عليه ليتكلم. غير أن كل المحاولات مع ابن الشيبة باءت بالفشل في النهاية ولم يقدم مما لديه الكثير مما يمكن للسي آي إيه الانتفاع به في مواجهة تنظيم القاعدة وحربها عليها.

كان الأمر مختلفا إلى حد ما مع خالد شيخ محمد خاصة في ضوء أنه يعرف الكثير بما في ذلك مكان وجود بن لادن والظواهري. وهنا يشير المؤلف إلى أنه خلال الأسابيع الأولى من اعتقاله فإن أسلوب التعذيب الذي مورس معه تمثل في إزعاجه بعدم النوم وقد جاء ذلك بنتيجة حيث أنه إزاء الحالة التي وصل اليها خالد شيخ محمد أدلى بالكثير من الاعترافات بما في ذلك بعض العمليات التي كان يجري الإعداد لها ومن ذلك هجمات محتملة لاختطاف طائرات أخرى في لوس أنجلوس خلال عام 2002.

وفي مرحلة أخرى من هذه الحالة أشار خالد شيخ محمد إلى أنه يوجد شخص في لندن اسمه الهندي ولم يقدم أية تفاصيل أخرى. وعلى إثر ذلك بدأت تحريات واسعة بشأن هذا الاسم على مستوى مختلف أجهزة الاستخبارات التي تنسق مع الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، خاصة في بريطانيا، وإن كان المؤلف يشير إلى أنه لم يتم التوصل إلى أية نتيجة على خلفية هذا الاعتراف.

أولادي في الجنة

ويشير المؤلف إلى الضغط الذي كان يمارسه الرئيس على الاستخبارات بشأن هذه القضية حيث أن بوش ما فتئ في كل مرة يلتقي فيها تينيت لتلقي التقارير عن السؤال بشأن تطورات استجواب خالد شيخ محمد. وكان تينيت يرد : ليس هناك جديد. وعلى هذا النحو استمر الأمر عدة مرات.

لقد كان لخالد شيخ محمد طفلان أحدهما صبي يبلغ عمره سبع سنوات والآخر بنت تبلغ تسع سنوات، وقد كانا كذلك رهن الاعتقال حيث اقتيدا مع من تم القبض عليهم خلال المداهمة التي جرت للمنزل الذي كان يوجد فيه خالد شيخ محمد. وإزاء الطريق المسدود الذي بدا أن استجواب خالد شيخ محمد يسير فيه تم توجيه مذكرة من السي آي إيه إلى المحققين مع خالد شيخ محمد في مركز الاعتقال السري في تايلاند بأن يقوموا بأي شيء معه وما يرونه مناسبا لانتزاع الاعترافات منه.

وهنا يذكر المؤلف نقلا عن شهادة عدد من ضباط السي آي إيه السابقين إن المحققين ذكروا لخالد شيخ محمد بأنهم سيلحقون الأذى بأبنائه إذا لم يتعاون ويقدم اعترافات كافية. وكانت إجابة خالد حسبما ذكر أحد المصادر للمؤلف أنهم حسنا ما سيفعلون فإنهم حينئذ سوف يلقون الله حيث المكان الأفضل لهم. لقد ألقى ذلك بتأثيره على طبيعة التحقيقات التي تجريها الإف بي آي والسي آي إيه وأدى إلى إلغاء بعضها في ضوء فشلها مع خالد شيخ محمد.

إسرائيل على الخط

من خالد شيخ محمد ورمزي الشيبة ينقلنا المؤلف إلى جانب آخر من جوانب ما اصطلح على تسميته بالحرب على الإرهاب وهو المصطلح الذي يضعه المؤلف على مدى صفحات الكتاب بين مزدوجين في إشارة على ما يبدو إلى عدم قناعته بفصول ما جرى خلال هذه الحرب المزعومة. هذا الجانب هو المتعلق بدور إسرائيل في هذه الحرب.

لقد دخلت إسرائيل على الخط منذ أول لحظة. فإثر وقوع الهجمات على نيويورك وواشنطن تلقى تينيت اتصالا من آفي ديختر رئيس الشين بيت يبلغه فيه مواساته وإعلانه الاستعداد للقيام بأي شيء من أجل مساعدة أميركا.

وبلغة تودد راح ديختر يذكر لتينيت: إننا ننظر لهذه الأحداث وكأنها وقعت ضدنا نحن بالضبط؟

وقد قام ديختر بزيارات عدة للولايات المتحدة عمل خلالها على الاستفادة من أساليب أجهزة الأمن الأميركية في مواجهة الأعداء من القاعدة أو غيرهم، ومن ذلك قضية تتبع التحويلات المالية من خلال شركة ويسترن يونيون. وفي إحدى المرات راح ديختر يتصل بواشنطن للإبلاغ عن تحويل مالي، على حد ما يذكر المؤلف، من لبنان إلى إسرائيل وأنهم يعرفون من هو المرسل غير أنهم لا يعرفون من هو المستقبل.

في هذا الخصوص يتطرق المؤلف إلى العمليات الاستشهادية التي اعتمدتها المقاومة الفلسطينية مشيرا إلى تزايدها خلال السنوات الأخيرة حتى إن تقريرا لمؤسسة راند أشار إلى أنه من بين نحو 500 عملية انتحارية أو استشهادية جرت خلال الثلاثين سنة الأخيرة فإن ثلاثة أرباع هذه العمليات وقع اعتبارا من عام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

وقد تزايدت هذه العمليات وأخذت منحى تصاعديا اعتبارا من عام 2002. ومع حلول مارس من ذلك العام وصل الموقف إلى مرتبة الأزمة حيث قتل نحو 119 إسرائيلياً بسبب العمليات الاستشهادية. أمام هذا الوضع لم تجد إسرائيل سوى العمل على زيادة كفاءة عملياتها الاستخبارية للحد من هذه العمليات وقد كانت ترى أن مفتاح ذلك الأمر يكمن في الولايات المتحدة؟.

واستفادة من العمليات التي قامت بها الولايات المتحدة في تتبع أعضاء القاعدة من خلال التحويلات المالية زود ديختر الولايات المتحدة بنقطة البدء التي يمكن من خلالها الوصول إلى من يتلقى الأموال المرسلة. وهنا، حسب رواية المؤلف، فإنه بمجرد إتمام عملية التحويل من لبنان وبالتنسيق بين الإف بي آي والسي آي إيه مع مكتب ويسترن يونيون الأم في الولايات المتحدة تم تحديد مكان الإرسال وهو الخليل وقد تلقى الحوالة أحد عناصر حركة الجهاد الإسلامي .

حيث تم تتبعه إلى بيته في الضفة الغربية. ويخلص المؤلف إلى أن ذلك أتاح لإسرائيل فرصة ذهبية لمتابعة التحويلات المالية الأمر الذي كان يصب في مصلحتها في حربها مع الفلسطينيين.

وإن كان يبدو من الغريب أن المؤلف لم يستفض في هذا الجانب حيث أنه من غير المتوقع أن تنحصر عمليات التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الإطار فقط، وقد يعود ذلك إلى أن سوسكيند إنما يركز في كتابه على تناول العمليات الأميركية.

وفي سياق تناوله لمتابعة أجهزة الأمن الأميركية للقاعدة يذكر المؤلف أنه فيما كانت القوات الأميركية تخوض عمليات إسقاط النظام العراقي تم رصد تحركات من عناصر القاعدة للقيام بعمليات في السعودية.

وهو ما حصل بالفعل حيث وقعت انفجارات في الرياض في 12 مايو 2003 في أحد المجمعات ما أدى إلى مقتل نحو 35 شخصا بينهم 9 أميركيين وإصابة نحو 309 آخرين. لقد أدى ذلك إلى تجدد مخاوف الولايات المتحدة من نشاط القاعدة والعمل داخل أراضيها وعلى هذا فإن تشيني راح ينتقد أداء المخابرات بشدة موجها اللوم لتينيت على عدم الكشف حتى الآن عن أبعاد قضية زالمبتكرس.

كان ذلك يحدث فيما كانت العمليات الأميركية تتواصل في العراق وهنا يذكر المؤلف أنه مع حلول يونيو 2003 بدا من الواضح أنه ليس هناك أسلحة دمار شامل يمكن العثور عليها في العراق، خاصة بعد أن مشطت القوات الأميركية البلاد على مدى شهرين من الاحتلال.

كبش الفداء

في تلك الأثناء حدث تطور داخلي على صعيد المخابرات الأميركية ذاتها يكشف عن بوادر إحساس بالإخفاق ما كان يعني البحث عن ضحية.. فقد تنامت شائعات وصلت إلى تينيت نفسه بأن الرئيس بوش يفكر في إقالته وتعيين آخر هو جون موسمان محله. لقد كان لذلك وقع سيئ على تينيت، وحين راح يفكر في الأمر وفيمن يمكن أن تسعده هذه الخطوة فقد انصرف ذهنه إلى تشيني وفريقه، وعلى ذلك فإنه لم يستبعد أن يكون نائب الرئيس ذاته هو وراء هذه الخطوة.

ويقودنا هذا إلى استنتاج رئيسي يتعلق بمادة الكتاب ذاتها وطبيعة النهج الذي يلتزمه المؤلف وأشرنا إليه في بداية استعراضنا لمادته، وهو أن الكتاب قد يمثل في التحليل النهائي نوعاً من الانتقام من قبل تينيت من تشيني حيث إن محور الانتقاد الرئيسي في الكتاب هو تشيني والذي يحمله المؤلف جانبا كبيرا من الأخطاء التي رافقت عمليات ما بعد أحداث سبتمبر وينسبها إلى مذهبه الواحد في المائة وذلك بغض النظر عن صحة مواقف تشيني من عدمها.

فضلا عن ذلك فإنه مما يعزز هذا الاستنتاج طبيعة المعلومات التي يوردها المؤلف وهي معلومات استخبارية من الدرجة الأولى من الواضح أن المؤلف حصل عليها من مصدر كبير في السي آي إيه من المرجح ألا يكون أي شخص آخر سوى تينيت.

لقد جاء ذلك الأمر في سياق انتهاء أعمال لجنة التحقيقات بشأن أحداث سبتمبر والتي تبحث في أسباب الفشل في التنبؤ بها وكذلك في قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق إزاء ما بدا من حقيقة عدم صحة هذه المزاعم، ما يبدو المؤلف معه وكأنه يريد أن يقول لنا إن التحرك على جبهة الحديث عن إقالة تينيت إنما جاء في إطار البحث عن كبش فداء للإدارة الأميركية.

يستفيض المؤلف في استعراض هذه النقطة والتي يبدو أن أركان إدارة بوش كانوا يحاولون على خلفيتها تحميل السي آي إيه المسؤولية فيشير لنا إلى أن تينيت فوجئ باتصال هاتفي في منتصف الليل في أوائل يوليو 2003 ولدى رده على التليفون سمع صوت سيدة تناديه : جورج. وعلى الفور عرف أنها كوندوليزا رايس لقد كانت تتصل به من أفريقيا حيث كانت تقوم بجولة هناك في ذلك الوقت وبعد أن اعتذرت له عن الحديث في هذا الوقت المتأخر، أوضحت له أنها لم تجد مفرا من ذلك.

ما السبب الذي يدعو رايس إلى الاتصال بتينيت من أفريقيا وفي منتصف الليل؟

إنها قضية المزاعم بشأن مساعي صدام للحصول على أسلحة دمار شامل، وهنا يقدم لنا سوسكيند تطورات الأمر بشكل يشعرنا بمدى المأزق الذي وجدت فيه إدارة بوش نفسها، حتى أنه يتجسد أمام القارئ حجم وضخامة الارتباك الذي كان عليه فريق بوش على خلفية هذه القضية.

لقد كان من المقرر أن يلقي تينيت بيانا بشأن هذه القضية يوم 11 يوليو أمام لجنة خاصة، غير أن الأمور كانت تسير بشكل متسارع فقد نشر جوزيف ويلسون السفير الأميركي السابق في الغابون، والذي تم إرساله من قبل السي آي إيه بناء على طلب من تشيني في فبراير 2002 للتحقق من مزاعم سعي صدام لشراء اليورانيوم من النيجر من أجل برنامجه النووي، نشر مقالا في النيويورك تايمز في 6 يوليو تسبب في عاصفة مدوية، حيث انتقد فيه تعامل إدارة بوش مع هذه القضية مشيرا إلى أنها استخدمتها من أجل تبرير غزو العراق.

وقد أشار ويلسون في مقاله إلى أنه بناء على خبرته مع الإدارة خلال الشهور الماضية التي قادت إلى الحرب فإن الكثير من المعلومات المتعلقة ببرنامج العراق النووي إنما تم المبالغة فيها من أجل الارتقاء بالعراق إلى مستوى كونه يمثل خطرا يجب الإجهاز عليه ومواجهته.

عزز ما أشار إليه ويلسون التقرير الذي نشرته وكالة الطاقة الذرية في مارس والذي أشار إلى أن الوثائق المتعلقة بمزاعم شراء اليورانيوم وهي وثائق بريطانية وأميركية غير سليمة. وعلى هذا فقد انصرف جانب من جهد إدارة بوش إلى لملمة القضية حرصا على عدم فقدان مصداقية الولايات المتحدة.

وبدا أن إدارة بوش حائرة بين الإنكار وبين الاعتراف ببعض الجوانب المتعلقة بهذه التقارير التي تخالف موقفها. وقد كان الهدف في النهاية هو تجنب الإحراج الذي سيلقاه الرئيس بوش نفسه، ومن هنا كان التفكير في الصيغة التي يمكن بها تجنب الاعتراف أن بوش لدى إلقائه خطابه الذي أشار فيه إلى هذه النقطة كانت الإدارة تعلم بعدم صحة التقارير المتعلقة بها.

وتتضح أهمية هذه النقطة في ضوء أن بوش اعتمد عليها بشكل أساسي في خطابه في يناير كأحد المبررات الرئيسية لشن الحرب على العراق. غير أن الموقف تغير تماما بعد مقال ويلسون ولم يعد هناك مجال للإنكار.

وعودة إلى مكالمة رايس لتينيت فقد كانت تريد أن تستوثق من السياق الذي ورد في خطاب بوش بشأن هذه القضية. لقد كان تينيت حينئذ ما زال في حالة لم يفق فيها من نومه.

وبعد لحظة ولدى سؤاله بهذا الشأن راح يقدم لها تفصيلات القضية، الأمر الذي يكشف عن تورطها هي شخصيا، وهى تفصيلات أشرنا إليها من قبل، ومن ذلك أنه حاول إثناء نائبها هادلي عن هذه النقطة وأنه كتب لها هي شخصيا مذكرة بهذا الأمر. ورغم ذلك فإن رايس أخذت فيما بعد ورغم المكالمة التي تمت مع تينيت تلقي باللوم على السي آي إيه بشأن هذه القضية والذي حاول فريق بوش جعلها كبش فداء.

قنبلة خان

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تناول قضية انتشار السلاح النووي عارضا رؤية بانورامية بشأن امتلاك هذا السلاح والأوضاع التي أفرزت حالة تم معها السماح لمجموعة دول بامتلاكه فيما تم حظره على بقية أعضاء المجتمع الدولي وهو الوضع الذي صادف تمردا من قبل بعض الدول وانتهى بدخول الهند ثم باكستان ما اصطلح على تسميته بالنادي النووي.

ويعرض هنا بالتفصيل لما يعتبره دوراً لعبد القدير خان في التحول بالسلاح النووي من مستوى المحدود على مجموعة دول إلى مستوى الانتشار على نطاق أكبر متطرقا إلى مساعي ليبيا للحصول على أسلحة نووية عبر هذا الطريق الأمر الذي سرعان ما تخلت عنه. ويوضح كيف أن الرئيس بوش استغل هذا التحول من أجل التأكيد على صحة نهج الإدارة الأميركية.

حيث راح يعلن أنه بسبب القيادة الأميركية فإن العالم يتغير نحو الأفضل ذاكرا أن الرئيس الليبي قرر طواعية التخلي عن برامجه لامتلاك أسلحة دمار شامل.

ويوضح انه إزاء عدم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق فإن بوش حرص على التأكيد على صحة سياسات الإدارة بالإشارة إلى ما آل إليه العراق من وضع أفضل حسب تقييم الرئيس الأميركي الذي حرص على التأكيد على أن العراق والعالم أصبحا أفضل وضعا بكثير عما كانا عليه في ظل وجود صدام.

ورغم ذلك يشير سوسكيند إلى أن الأمور لم تكن تسير حسبما أراد لها بوش أو فريقه حيث أنه فيما بعد ما يمكن اعتباره فضيحة يورانيوم النيجر كانت هناك فضائح أخرى تكشف عدم صحة موقف الإدارة الأميركية وهو ما تمثل في تقرير كاي الذي نفى وجود أسلحة دمار شامل في العراق. وقد وصل الأمر إلى حد إدانة كاي لنفسه أمام لجنة استماع في الكونجرس حيث راح يقول: اسمحوا لي بالإشارة إلى أننا كلنا كنا مخطئين بما فيهم أنا شخصيا.

ومما زاد الأوضاع سوءا في مواجهة إدارة بوش أن باول خرج بتصريحات وضعت الإدارة في مأزق جديد حيث أعلن في تصريحات في أوائل عام 2004 عن أنه لم يكن ليؤيد قرار الحرب على العراق لو كان قد نما إلى علمه عدم وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق، مضيفا أن الولايات المتحدة ذهبت إلى الحرب على أساس وجود أسلحة دمار شامل.

وقد يبدو ذلك محاولة لتبرئة نفسه بعد أن انكشفت حقيقة الأوضاع التي بنت عليها بلاده الحرب على العراق وإن كان يمكن القول إن مواقف باول سواء تلك التي تناولها وعرض لها سوسكيند أو آخرون تشير إلى أنه كان يعد بحق من الحمائم في إدارة بوش ولعل ذلك هو السبب الرئيسي الذي انتهى به إلى الخروج من فريق بوش حيث كانت توجهاته تختلف كثيرا عن توجهات الثلاثي تشيني ورامسفيلد ورايس.

وهنا يشير المؤلف إلى أن تصريحات باول سببت حالة من الفزع في البيت الأبيض وعلى هذا نشطت الجهود لإثناء باول عن تصريحاته وهو ما كان بالفعل بتراجعه عن تصريحه وتأكيده أن الرئيس اتخذ القرار الصحيح في ضوء تاريخ النظام العراقي. وفي 11 مارس وقعت انفجارات مدريد وسط إشارات إلى أن نمطها يعكس أسلوب القاعدة وهو الأمر الذي كان يكشف على أي حال أن الحرب على الإرهاب لم تؤت ثمارها تماما.

ويختتم المؤلف كتابه بالإشارة إلى ما يعتبره صراعا بين مجلس الأمن القومي الأميركي مع السي آي إيه الأمر الذي يعدد مظاهره. وقد كان محور هذا الصراع الأخطاء العديدة التي شابت أداء الإدارة بما فيها العديد من إشارات بوش. وهنا فإنه كان يتم تحميل المخابرات المسؤولية باعتبارها مصدر أغلب المعلومات التي يدلي بها الرئيس. ومن بين الوقائع التي أشارت إلى هذا الاتجاه الشهادة التي أدلت بها رايس أمام لجنة التحقيق بشأن أحداث سبتمبر.

لقد راحت رايس تستشير تينيت بشأن ما يجب عليها فعله؟ وكان رده عليها أنها إذا كان لديها شيء تقوله فإنه من الأفضل أن تفعل ذلك.

وقد كان ذلك بالفعل ولكنها قلبت المائدة على تينيت نفسه حيث إنها لدى إدلائها بشهادتها في 8 أبريل أطلقت بعض سهامها على السي آي إيه متهمة الجهاز بعدم التنسيق الكامل مع الإف بي اي، منتقدة أداءه وعدم تعامله بالشكل الواجب مع تهديدات ماقبل 11 سبتمبر. كان تينيت يتابع الشهادة مع أفراد من الجهاز عبر شاشات التلفزة وقد راح يعلق لهم ساخرا قائلا: إنها سيدة بالغة المهارة!

وفيما بعد وفي 18 أبريل نشرت الواشنطن بوست مقتطفات من كتاب بوب وودورد الجديد«خطة الهجوم» وهي مقتطفات اشتم منها تينيت أن بوش طعنه بخنجر وأن الحديث عن إقالته أمر يتجاوز الشائعات، الأمر الذي يعتبره المؤلف تعزيزا للحديث عن أن المخابرات كانت ضحية فشل الأداء السياسي لإدارة بوش التي وقعت في أخطاء عديدة على مدى سنوات توليها الحكم.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق