يتطرق المؤلف في هذه الحلقة، و في إطار سرده لخبايا حرب أميركا على أعدائها فيما بعد أحداث 11 سبتمبر، إلى وجه آخر من وجوه السياسة الأميركية بشأن الحرب على الإرهاب ويتمثل في القضاء على ما تراه الإدارة مصادر تمويل الجماعات التي تصفها الولايات المتحدة بأنها إرهابية. وعلى هذا الأساس بدأت وزارة الخزانة بتجميد الأرصدة التي يشتبه في أنها تمثل مصدرا لتمويل هذه الجماعات والتنظيمات.

وفي ذلك الصدد كشف النقاب عن قائمة تضم نحو 27 جهة تمول الإرهاب منها نحو 13 تم تصنيفها على أنها إرهابية و11 شخصاً و3 هيئات خيرية. وبالطبع فقد كانت هذه الإجراءات، والتي تم إطلاق اسم «استراتيجية الحديقة الوردية» عليها، موجهة في الأساس نحو الأشخاص أو الهيئات ذات الأسماء أو الانتماءات العربية.

يشير المؤلف إلى أن بوش كان يستهدف من وراء تجميد الأرصدة ما يمكن اعتباره تجفيف منابع الإرهاب حيث قال إن النجاح في مثل ذلك العمل سيقوض مساعي الإرهابيين. ولتحقيق ذلك الهدف دعا وزير الخزانة إلى اجتماع بالوزارة ضم ممثلي نحو 40 مؤسسة مالية لتقديم قوائم بكبار الداعمين ماليا للإرهاب. هنا يشير المؤلف إلى جوانب عديدة تتعلق بتفاصيل هذه العمليات مما لا مجال لأسباب عديدة للإفاضة فيها.

وفي سياق استعراضه لصراع الاستخبارات الأميركية مع بن لادن وتنظيم القاعدة يشير سوسكيند إلى بعض أساليب القاعدة في الاتصال ومن ذلك مثلا أن بن لادن لم يكن يستخدم الهواتف الخلوية أو هواتف الأقمار الصناعية منذ 1998، حيث أصبح منذ ذلك الوقت يمارس نوعا من الحرص.

وعلى ذلك فقد كانت هناك سلسلة من الوكلاء من المستويات الدنيا في التنظيم يقومون بإيصال رسائل بن لادن. وقد استطاعت الولايات المتحدة تحديد هذه المجموعة التي تقوم بمثل هذا العمل وتمكنت من رصد بعض الاتصالات التي قاموا بها و رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلوها.

كان من بين الرسائل التي تم التقاطها رسالة من بن لادن أكدت من ناحية أنه ما زال حيا ويعمل من إحدى المناطق القبلية في منطقة الحدود الأفغانية الباكستانية، كما كانت الرسالة تكشف عن وجود أعضاء للقاعدة في دول عربية حيث طلب في إحدى هذه الرسائل العمل على الترتيب للإطاحة بنظام الحكم في إحدى هذه الدول.

وينتقل بنا المؤلف في لمحة سريعة إلى استعراض جانب من تأثيرات أحداث سبتمبر في الداخل الأميركي حيث يشير إلى أن هذه الأحداث ألقت بأعباء كبيرة على العرب والمسلمين الأميركيين، وهو الوضع الذي يشبهه بما كان عليه اليابانيون الأميركيون بعد واقعة بيرل هاربر. وعلى ذلك، فإنه يكفي، حسبما يذكر سوسكيند، أن تكون عربيا لتبدأ عملية الاشتباه فيك، حتى أن أي تصرف كان يتم تأويله والتحسب له وقد ينتهي بالعربي أو المسلم إلى الاعتقال.

ويذكر أن هناك الكثير من العرب والمسلمين اعتقلوا في سجون بروكلين ونيوجيرسي وغيرهما لمجرد أحداث بسيطة تحت دعوى شبهة الإرهاب ولمجرد أنهم عرب ومسلمون. ومع حلول صيف 2002 وصلت أعداد العرب والمسلمين الذين جرى اعتقالهم بدون توجيه تهم محددة إليهم إلى مستويات غير مسبوقة.

شيفرة الزفاف

وفي إشارة إلى حالة الرعب التي سادت الولايات المتحدة في تلك الفترة، يذكر أنه ذات مرة تم رصد رسالة بالبريد الالكتروني مرسلة من أحد العرب المسلمين، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة وكان ينتمي إلى تنظيم القاعدة وعاد إلى موطنه في الشرق الأوسط، يذكر فيها أنه يعد لحفل زفافه،.

وهو التعبير الذي كان قد تم اعتماده على أنه تعبير مشفر من قبل القاعدة على أنه يعني شن هجوم، وعلى هذا تم إعلان حالة الاستنفار القصوى على جميع المستويات المسؤولة في الولايات المتحدة إلى أن تم معرفة أن الأمر يتعلق بحفل زفاف حقيقي وليس مشفراً.

غير أن الغريب هنا أن المؤلف يذكر لنا أن هذا الشخص جرى اعتقاله ليلة زفافه بناء على توجيهات من قبل الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني رغم تحفظات وممانعة من قبل السي آي إيه والإف بي آي.

غير أنه في محاولة الاجتهاد يشير إلى احتمال أن تكون هذه الخطوة قد تمت في إطار احترازي أو أنها جاءت، حسبما ذهب رجال السي آي إيه و الإف بي، كشكل من ممارسة الرئيس ونائبه للصلاحيات الممنوحة لهما بمقتضى الحرب على الإرهاب.

وقد طار ضابط من المخابرات الأميركية، كان مسلما وقد يكون ذلك مقصودا، للتحقيق مع العريس الذي أدلى بالعديد من الاعترافات بشأن فترة انضمامه للقاعدة، كما أرشد عن خمسة آخرين من أعضاء القاعدة من قطر عربي آخر حيث تم اعتقال بعضهم وجرى تضخيم تلك العملية إعلاميا إزاء كونها جاءت في سياق ذكرى الاحتفال بأحداث سبتمبر.

لقد ثبت أن تلك المجموعة - مجموعة الست - لم تكن تعتزم القيام بأي عمل وهو الأمر الذي أثار قدرا من الانتقادات لدى رجال السي آي إيه والإف بي أي للرئيس ونائبه، واعتبره البعض منهم أنه يتم تطبيقا لمبدأ التحرك حتى ولو كانت نسبة الاشتباه تصل إلى واحد في المئة حسب مذهب تشيني.

يشير المؤلف إلى أنه خلال صيف 2002 ومع قرب انتهائه دارت مناقشات واسعة حول تطورات الحرب على الإرهاب وتلك المعتزمة في مواجهة العراق. وفي هذا الصدد فإنه كان هناك دليل يربط مرتكبي أحداث 11 سبتمبر بالقاعدة ويربط ما قامت به القاعدة بمساندة طالبان واستضافتها لها.

غير أن السياسات الأميركية بعد ذلك كان يعوزها الدليل إلى حد كبير بشأن موقفها من العراق، ويحكمها بالأساس الشبهات التي تمثل جوهر مبدأ تشيني. لقد كانت الشبهات هي الأساس في العمل سواء داخل أميركا أو خارجها. ومن ذلك أنه فيما لم يكن هناك ما يشير إلى وجود خلايا نشطة للقاعدة داخل الولايات المتحدة فإن سياسات الإدارة لم تكن تتم على هذا النحو.

وفي إدانة واضحة لمذهب الواحد في المئة الذي سنه تشيني، ويرى المؤلف أنه كان يحرك السياسة الأميركية، يقرر سوسكيند، أن من بين النتائج التي قاد إليها هذا المبدأ تعزيز مسعى الإدارة الأميركية لغزو العراق، وهو ما انعكس في مبدأ الضربة الاستباقية لبوش الذي أشار إليه في خطاب له في يونيو وضع قواعد جديدة للتعامل الدولي.

التحذير من غزو العراق

لقد أدى هذا النهج إلى إثارة المزيد من النقاش بشأن العراق، في ضوء الحديث عن سعيه لامتلاك سلاح نووي والترويج لاحتمالات انتقالها إلى تنظيمات إرهابية. لقد دفع تشيني ورامسفيلد ومن والاهم في اتجاه اتمام عملية الغزو في اللحظة التي تختارها الولايات المتحدة. بينما كان كولين باول والذي، يصفه المؤلف، بأنه لم يكن من بين الدائرة الداخلية للرئيس يبدي معارضته وقد تمكن من لقاء بوش وعبر عن قلقه بشأن هذا الأمر.

لقد حرص باول على التأكيد لبوش على أنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تسيطر على الأوضاع في العراق دون مساندة دولية ممثلة سواء كانت مساندة لوجستية أو تتعلق بالشرعية. غير أن سوسكيند يشير إلى الطبيعة البراغماتية للمناقشة حتى من قبل باول حيث أنها كانت تدور حول كيفية الغزو وليس مبرراته؟

وعلى نفس الشاكلة فإن برنت سكوكروفت والذي يضعه المؤلف في خانة باول وعلى أنه من الحرس القديم راح يعلن معارضته للحرب في مقال له نشره في15 أغسطس في «وول ستريت جورنال» تحت عنوان «لا تهاجموا صدام» أشار فيه إلى أن الغزو يتطلب من الولايات المتحدة الذهاب وحدها وسوف يؤدي إلى شروخ في المجتمع الدولي بشأن الحرب على الإرهاب، مؤكدا في الوقت ذاته على أن واشنطن لا تستطيع بدون التعاون الدولي خاصة في المجال الاستخباري مواصلة العملية بنجاح.

كان الرئيس بوش في إجازة في كراوفورد في ذلك الوقت وخلال اجتماع لمجلس الأمن القومي عبر الفيديو وافق على إلقاء خطاب أمام الأمم المتحدة الشهر المقبل. وهكذا وجد تشيني الفرصة سانحة له لكي ينبري للدفاع عن موقف الإدارة وأعلن في خطاب له في 26 أغسطس خطورة الحديث بلغة مبهمة. وعلى ذلك أخذ يتحدث بما اعتبره لغة واضحة مشيرا إلى أن قادة الولايات المتحدة والذين جرى انتخابهم عليهم مسؤولية النظر إلى الخيارات المختلفة، وقد فعلوا ذلك.

وأضاف : ما لا يجب علينا فعله إزاء خطر ماثل أمامنا هو مواجهته بالأمنيات أو بغض الطرف عنه. إننا لن نصرف النظر عن مثل هذا الخطر، آملين فيما هو أفضل، تاركين الأمر لكي يتم مواجهته حسب الظروف.

وراح تشيني يؤكد على أن حصول منظمة إرهابية أو دولة يقوم عليها ديكتاتور على سلاح نووي أو التنسيق على الأقل فيما بينهما في هذا الشأن إنما يمثل تهديدا جديا لا يمكن تجاهله، وإن مخاطر عدم التحرك أكبر بكثير من خطورة التحرك. وهو ما مثل تأكيدا من قبل تشيني على ضرورة العمل بمبدأ الضربة الاستباقية.

أسلحة الدمار الشامل

وعلى عكس باول، فإن تشيني ورامسفيلد زينا للرئيس خيار الغزو بدون مساعدة المجتمع الدولي. ولتهيئة الأجواء لذلك، حرص تشيني في خطبته المشار اليها على التطرق إلى أن النظام العراقي يسعى بكل جهده في مجال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وأنه يواصل برنامجه النووي الذي بدأه منذ عدة سنوات.

هنا يذكر المؤلف، وفيما يدحض ادعاءات تشيني عن الصلات بين القاعدة ونظام صدام، أن مسؤولة في الاستخبارات الأميركية راحت تشكك في هذه المزاعم وتتساءل من أين أتى تشيني بهذه المعلومات، وهل لديه مصدر لا تعلم المخابرات عنه شيئا؟ وهكذا بدأت حالة من الجدل داخل السي آي إيه خاصة في ضوء ضعف مصادر الاستخبارات الأميركية داخل العراق إزاء إحكام صدام قبضته على البلاد.

ومع ذلك، وفيما يشير إلى تعزيز لأطروحاته يشير المؤلف إلى أن الاستخبارات رغم ذلك بدأت منذ فبراير 2002 بالتركيز على العراق في ضوء الأمر الرئاسي بذلك مضيفا ان ذلك التركيز لم يسفر عن الكشف عن شيء يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.

يشير المؤلف إلى ما يسميه صراع بين جناح تشيني - رامسفيلد من ناحية وباول من ناحية أخرى بشأن ما يجب أن يطرحه الرئيس في خطابه أمام الأمم المتحدة. لقد كان باول يقترح أن يطلب بوش من الأمم المتحدة إصدار قرار بشأن مساندة العمل ضد العراق وهو ما عارضه تشيني ورامسفيلد بشدة.

راحت رايس تضفي مزيدا من الجدل بشأن الموقف، حيث أدلت بتصريحات لقناة الـ «سي إن إن» تشير فيها إلى أن الغموض يحيط بالسرعة التي يمكن لصدام الوصول بها إلى امتلاك سلاح نووي، مضيفة: غير أننا يجب ألا أن ننتظر إلى أن يتحول الموقف إلى حقيقة.

لقد كان حديث رايس يعني صراحة عدم وجود دلائل على صدام سلاح نووي، غير أنها كانت تشير إلى أن الفعل والمبادرة أمر واجب في كل الأحوال، بمعنى التحرك رغم كل شيء درءا لأي شبهات! ويخلص المؤلف من استعراض تفصيلات هذا الجانب إلى أن الإدارة الأميركية كانت بشكل عام تتحرك على خلفية عدم وجود دليل بشأن ما تخطط له أو تزمع القيام به من غزو شامل للعراق.

ومع خطاب بوش أمام الأمم المتحدة واتجاه المنظمة الدولية إلى البحث في صيغة قرار بشأن العراق، يشير المؤلف إلى أن ما تنبأ به سكوكروفت تحقق وإن كان على مستوى الاستخبارات، حيث وجدت السي آي إيه نفسها حائرة بين مواصلة جهود الحرب على الإرهاب و تكثيف جهدها للإعداد لغزو العراق وتحديد حالة التسلح العراقي وهو ما ساده قدر من عدم الوضوح خاصة وأن حرب الخليج الأولى كان قد مضى عليها نحو 11 سنة.

ويكشف المؤلف جانبا من تفاصيل المزاعم التي راجت خلال الإعداد لغزو العراق بشأن مساعي نظام صدام لشراء يورانيوم من النيجر فيذكر أنه في 5 أكتوبر 2002 تلقى تينيت مسودة من خطاب كان مقررا لبوش أن يلقيه ويتضمن مزاعم عن هذه القضية، وعلى الفور تم إرسال مذكرة إلى ستيفن هادلي، نائب مسشار مجلس الأمن القومي.

وكذلك إلى مايك جيرسون كاتب خطاب الرئيس بأن هذه الجزئية الواردة في الخطاب خطأ، كما تم كتابة خطاب آخر في اليوم التالي وتسليمه كذلك إلى مكتب رايس يؤكد على أن الدليل الخاص بشأن قضية النيجر ضعيف .

وأنه لم تحدث أي عمليات شراء يورانيوم من النيجر لنظام صدام. ولعل ذلك يكشف عن التهافت الذي كانت عليه إدارة بوش ولهاثها وراء أدلة ضعيفة تدين بها نظام صدام على شاكلة الاتهام بأن محمد عطا التقى مسؤولين من نظام صدام في محاولة الإدارة للربط بين القاعدة وصدام.

وفي محاولة للتأكيد على موقف الاستخبارات،اتصل تينيت بهادلي في اليوم التالي وقبل يوم واحد من إلقاء بوش لخطابه وأكد له عدم صحة الحديث عن شراء صدام لليورانيوم من النيجر ولكن حديثه لم يجد آذانا صاغية وكانت تلك، كما يصفها سوسكيند، إحدى معارك الاستخبارات في عملية غزو العراق.

ينقلنا المؤلف بعد ذلك إلى هوس الخوف من الإرهاب الذي ساد الولايات المتحدة على مختلف المستويات فيشير إلى ورود تقرير عن وجود مجموعة أفراد عرب في ولاية كانساس يشتبه في أمرهم. وتم مناقشة الأمر خلال اجتماع أجهزة الاستخبارات مع بوش. لقد كانوا نحو ستة ويبحثون عن مخزن زراعي كبير وعلى استعداد للدفع نقدا. بدا الأمر مثيرا للريبة، وعلى ذلك طلب بوش سرعة التحري عنهم وإفادته بحقيقة مهمتهم. وبعد جهد اتضح أنهم ليسوا سوى تجار أدوات مستعملة!

حصاد عام

مع قرب نهاية عام 2002 اجتمع بوش مع كبار المسؤولين في 13 ديسمبر في لقاء استهدف تقييم حصاد عام كامل من «الحرب على الإرهاب»، وهو التعبير المطاطي الذي رأت الإدارة فيه فرصة لتنفيذ مخططاتها ووضع أسس استراتيجية المرحلة المقبلة.

وكان الحصاد كالتالي: لقد تم تحقيق قدر من التقدم في افغانستان حيث تم تقويض قدرات القاعدة، كما تم اعتقال عدد من عناصر التنظيم رغم عدم الحصول على معلومات مهمة منهم تحت التعذيب، وكذا تم احتواء خطر تسرب قدرات نووية من علماء باكستان إلى التنظيم. غير أن الواقع أشار في نفس الوقت إلى أن بن لادن والظواهري ما زالا طليقين، وإلى بروز خطر جديد في العراق هو الزرقاوي.

كان بوش يستمع إلى التقارير والتقييمات المختلفة وهو يتناول ساندويتشا مبديا دهشته ورغبته في أن يتم الوصول إلى طريقة يمكن من خلالها توجيه ضربة قوية إلى القاعدة. وهنا توجه بالسؤال إلى كينيث دام، نائب وزير الخزانة، بشأن عمليات تمويل القاعدة؟

فأشار له إلى استمرار بعضها. وهنا راح بوش يسأل كينيث بشأن سبل معرفة هؤلاء الممولين. فنبهه إلى أن أسماءهم في القائمة الموجودة أمامه، في تأكيد من المؤلف على أن بوش لم يكن يقرأ في أغلب الأحيان التقارير التي كانت ترده.

تقارير مشبوهة

بعد ذلك بأيام وبالتحديد في 21 ديسمبر، عقد بوش اجتماعاً آخر تركز حول العراق، وخلال الاجتماع تم التطرق إلى الاعترافات التي أدلى بها ابن الشيخ الليبي وأشار فيها إلى تزويد العراق للقاعدة بأسلحة بيولوجية وكيماوية.

وهي الاعترافات التي تراجع عنها فيما بعد. وهنا يخلص المؤلف من استعراض ما دار في الاجتماع إلى أن الحرب على العراق جرت على غير رغبة السي آي إيه، وأن بوش في كل الأحوال كان يعتزم القيام بالعملية بغض النظر عن موقف المخابرات المركزية الأميركية.

ليس ذلك فحسب بل إن سوسكيند يصل إلى حد التأكيد على أن المخابرات المركزية الأميركية تعرضت لضغط شديد في هذه القضية.وفي هذا الخصوص يذكر أن جامي ميسيك، رئيسة أحد أجهزة الاستخبارات بدت غاضبة يوم الجمعة 10 يناير 2003 ، الأمر الذي لاحظه جون موسمان، مدير مكتب تينيت لدى مروروها عليه فراح يسألها :

هل أنت بخير؟

فكان ردها : لست على ما يرام. بالتأكيد لست على ما يرام. لقد اتصل بها ستيفن هادلي نائب كوندي من مكتب تشيني في البيت الأبيض ..و طلب منها أن تأتي إلى المكتب في البيت الأبيض الساعة الخامسة مساء، بهدف فحص العديد من التقارير التي تشير إلى وجود صلة بين صدام حسين والقاعدة. وهنا يشير المؤلف إلى أن هذا الضغط تواصل من قبل إدارات الارتباط الاستخبارية في مكتب نائب تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد بعد نحو أسبوع فقط من 11 سبتمبر.

لقد كان تشيني يزعم أن لديه تقارير بهذا الخصوص تؤكد العلاقة بين الجانبين وكذلك الأمر بالنسبة لرامسفيلد، وقد واظبوا على توجيهها إلى جامي ميسيك والسي آي إيه. وقد تم حذف جزء أساسي منها يتمثل في أن المصدر الذي قدم اعترافاته تراجع عنها فيما بعد، وهي المعلومات حول لقاء محمد عطا مع مسؤولين من نظام صدام والتي أكدت السي آي إيه أكثر من مرة أنه لم يتم.

يقول المؤلف إن ميسيك ليست غبية وقد كانت تعرف أو تتوقع ما سيحدث، وحسبما يشير فإن الأمر لم يكن يتعلق بالبحث عن الحقيقة أو التحقق من مدى صحة ما ورد بشأن القضية العراقية، وإنما هو اتخاذ موقف دفاعي، أو على الأقل المماطلة في الأمر لحين دخول القوات بغداد حيث سيتم الترحيب بها كقوات تحرير، حسبما ساد الاعتقاد في ذلك الوقت.

ويبدو هنا أن المؤلف يحاول التأكيد على أن تشيني ورامسفيلد حاولا اتخاذ موقف دفاعي يتمثل في توريط السي آي إيه بدعوى أن المعلومات والتقارير المتعلقة بعلاقة صدام بالقاعدة إنما تم تأكيدها بموافقتها أو على الأقل أنها أقرتها. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية .. إضاعة الوقت في مزيد من البحث إلى أن يتم غزو العراق تحت هذه الذريعة وبعدها فإن ما حصل يكون قد حصل ولا شيء يهم بعد ذلك.

بعد أن شعرت بالملل مما يجري في لقاءاتها مع ممثلي مكتب تشيني ورامسفيلد، قررت جامي ميسيك عدم العودة إلى المكتب. وفي لقاء لها مع جورج تينيت أكدت له: اذا كان سيفرض على الذهاب مرة أخرى من أجل سماع تقاريرهم - واصفة إياها بأنها دون المستوى - فإنني سوف أقدم استقالتي فورا.

لحظتها بدا وكأنها تغالب الدموع في عينيها. هنا لم يجد تينيت بداً من أن يرفع سماعة التليفون ليتحدث إلى هادلي بصوت عال ينم عن الغضب مخبرا إياه بأن ميسيك لن تأتي ثانية. مضيفا: إننا لن نعيد كتابة هذه التقارير المبتذلة مرة ثانية. إنها تقارير مبتذلة .. هل تسمعني. وعليك ألا تتعامل مع من ينتمون إلى جهازي بهذه الطريقة المبتذلة.

وقد كان ذلك هو السبب في أنه بعد نحو ثلاثة أسابيع، وفيما كان بوش يعد لخطابه عن حالة الاتحاد، لم يتمكن من طرح ما كان يأمل الحديث عنه بشأن الصلة بين القاعدة وصدام.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق