نظرت وفاء إلى المرآة بعدما هجرتها، وجهها، وكأنها تراه لأول مرة، فاجأتها تلك الملامح البائسة المرتسمة على وجهها وتلك الخطوط الغامقة المتوزعة في بعض الأنحاء، وبعض شعيرات قد تغير لونها ليعلن الشعر الأشيب بداية غزوه لشعرها الأسود الفاحم، لوحة بائسة أطلّت في المرآة، لم تصدق وفاء الصورة التي رأتها، أ معقول هذه هي وفاء الشابة الجميلة التي تمتلئ غنجاً ودلالاً قد أصبحت الآن واحدةً أخرى أشد بعداً واختلافاً عن وفاء التي تعرفها.
أطالت وفاء النظر، ولم تفق إلا على صوت أبنائها الثلاثة يتعاركون حولها ويصدرون أصواتاً تتباين بين الصراخ حين أرغمت على الزواج من رجل يكبرها بعشرين عاماً، اضطرت للقبول به لحالة أهلها المتردية حيث هي الكبرى بين أخواتها الخمس ولا يستطيع أبوها المقعد أن يعيلهم بعد أن ضاقت به الدنيا في البحث عن وظيفة والقبول به وحالته هذه، أقنعت نفسها بعد أن ألح الجميع عليها بالقبول به وحالته هذه، أقنعت نفسها بعد أن ألح الجميع عليها بالقبول به لثرائه، وفي التخفيف عن المعاناة التي يعيشونها.
منذ البداية ربما أحست ببعض العطف والحب والحنان مما أعطاها شعوراً بالأمان، ولكنها مع مرور الوقت وخلال فترة إنجابها أبنائها الثلاثة أحست بأن هذا الحب كان وهماً وسراباً كانت تسعى إليه..
فسرعان ما تبدل الحال إلى أسوأ حال، وبدأت تلاحظ تراجع هذا الحب واتساع هوة الخلاف بينها وبينه، وباتت تصرفاته فيها من الغموض والغرابة، ومن العنف والقسوة ما يكفي لأن تتسع دائرة الخلاف بينهما، حاولت مراراً وتكراراً أن تعيد الأمور إلى ما كانت عليها دون أن تلجأ لأحد من أهلها حتى لا تزداد الأمور تعقيداً، فكانت بالصبر تارة.
وبالتفاهم والتقرب إليه تارة أخرى، ولكن دون جدوى، حيث يبدو أنه قد صنع لنفسه برجاً عاجياً، وأصم الآذان عن كل كلمة مهما كانت أو خطرت في الأذهان.. حتى جاء اليوم الذي لم يكن في الحسبان ولم يخطر ببال إنسان، لقد عرفت الحقيقة المرة التي كانت تختبئ وراء هذه التصرفات المبهمة، رجل ثري يجد متعته في تناول المسكرات.
ويقضي الليالي بعيداً عن زوجته وأبنائه، كانت قد تعودت على غيابه عن البيت حتى اقتنعت بهجره لها، وتركها وحيدة تصارع أفكارها وهمومها حتى انقطعت عمن حولها، وعاشت على أمل أن يرجع لها ويجمع شملهما من جديد، كان أبناؤها هم أملها الوحيد وثمرة زواجهما التي ذبلت .
وكانت ضحية فراقهما؛ فوضعت نصب عينيها الاهتمام بأبنائها وتوفير سبل السعادة لهم.. ذلك هدف قررت أن تصل إليه، وأمل تنشده وتسعى جاهدة لتحقيقه، فلم تعد ترى أمامها سوى المستقبل الذي رسمته لهم، وعملت أقصى ما في وسعها لتراه حقيقة لا خيالاً.
عاشت حياتها لهم، فيومها ملك لهم، تسهر على راحتهم، وتوفر لهم سبل العيش الرغيد وتعطي اهتمامها الأول لدروسهم وتلقي العلم، حتى غدوا أبناء يفخر بهم كل من رآهم ويشار لهم بالبنان.. كبر الأولاد وكبرت تساؤلاتهم معهم، وبدت علامات الاستفهام على وجوههم؛ فمن هو أبوهم؟ وأين هو؟ وما مصيرهم؟
ومرت مدة طويلة دون أن يطرق الباب أحد فقد انقطعت الأم عن زيارة الأهل والجيران، وكان عجباً أن تسمع صوت طرق الباب، فأسرعت نحوه وكأنها تبحث عن أمل يعيد لها البهجة لحياتها البائسة.
وما أن امتدت يدها الراجفة لتفتح الباب، حتى فوجئت بأحد الجيران يخبرها بأن زوجها قد تعرض لحادث، وهو يرقد في المستشفى، فأسرعت تجر أذيال دهشتها وفجعها وألمها، وجدته يرقد في سريره في إحدى غرف المستشفى، وقد وضعت الضمادات على وجهه وعلقت رجله المكسورة، وصوته يئن حيناً، وينام حيناً آخر، أمسكت بيده تشد عليها، وقد اعتصر قلبها حزناً لحاله، آفاق ليحس بالحب الهائل الذي تكنه له زوجته، وهي تكرر حمداً لله على سلامتك، لقد اشتقنا لك، وطال غيابك عنا، أولادك بخير ويسألون عنك دوماً، ولم تفق إلا على دموعه تنهال على يدها وهو يقبلها يطلب منها السماح.
لم تترك وفاء زوجها في تلك الأوقات العصيبة؛ حيث كان يتعالج من المسكرات التي أدمنها ومن الكسور التي تعرض لها.. أثبتت له بحق أنها إلى جانبه وأنها قد نسيت الماضي وقررت أن تبدأ حياتها معه بصفحة بيضاء جديدة كلها أمل وحب ونقاء وتقرب إلى الله.
دانة مروان
مدرسة زعبيل للتعليم الثانوي