مثلما يؤكد الباحث السياسي جمال سنقري في كتابه ( فضل الله ، تكوين قائد شيعي متطرف) ، فإن السيد محمد حسين فضل الله لا يعد أهم منظر للحركات الإسلامية المعاصرة في لبنان فحسب ، ولكنه يعتبر أحد أكثر المفكرين تأثيرا في العالم العربي أيضا.
وكما يقول نعيم قاسم، مؤسس حزب الله والرجل الثاني فيه حاليا، فإن اسم فضل الله ظل، طوال السنوات الأولى من عمر الحزب، لصيقا جدا به. فلقد كان رمزا لكثير من المفاهيم الأيديولوجية ووجه المنظمة عن طريق رؤية ناضجة للإسلام.
ويكتنز فضل الله، الذي منح لقب آية الله في عام 1986 من قبل آية الله الخميني نفسه، أعمالا واسعة حول الإسلام تحمل عناوين باتت معروفة مثل (الإسلام ومنطق السلطة) الصادر عام 1976 والذي يستخدم فيه عبارة حزب الله لأول مرة.
صحيفة ( الموندو) الاسبانية التقت السيد محمد حسين فضل الله وأجرت معه الحوار التالي:
* ما هو تقييمك للحرب الأخيرة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي؟
- الحرب ضد لبنان كانت حربا للولايات المتحدة بواسطة الآلة الحربية الإسرائيلية. فلقد خطط الأميركيون لقصف المقاومة لأنها تشكل قوة حالت دون نجاح سياستهم في لبنان . ناهيك عن أن الولايات المتحدة تحاول أن تكون إسرائيل القوة المسيطرة في المنطقة والصخرة الوحيدة التي وجدت المقاومة بسببها تحديدا.
لذلك، فإن كوندوليزا رايس عندما أتت إلى المنطقة لم تتكلم عن الجنديين الإسرائيليين المحتجزين من قبل حزب الله وإنما عن مشروعها الخاص بشرق أوسط جديد . فلقد ظنوا أن هذه الحرب كانت ستشكل أداة لفرض خطتهم. وحتى أن البعض من الإسرائيليين قد أقروا بأنه قد جرى استغلالهم من قبل واشنطن.
* ما رأيكم بالقرار 1701 ، الذي ثبت وقف الأعمال العدائية في هذه المواجهة المفتوحة؟
- القرار 1701 مؤامرة ، فخ أميركي. إنه وثيقة غامضة تسمح لإسرائيل بتأويلها وفقا لمصالحها . إنه نص يمكن أن يقود إلى حرب أخرى.
* هل أنتم مع أو ضد وجود قوات إسبانية في الجنوب اللبناني؟
- نحن نحترم الأسبان لأنهم يتبعون سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة وهذه السياسة أقرب إلى الشعب العربي من سياسات البلدان الأوروبية الأخرى. ولذلك فإنني لا أعتقد أن المشاركة الاسبانية في قوات اليونيفيل تواجه أي مشكلة ونحن متأكدون من أن المقاومة لن تلحق أي ضرر بأولئك الجنود.
* لكن ما الذي سيحصل إذا ما وجدت تلك القوات نفسها ، في لحظة ما، متورطة في محاولة لنزع سلاح قوات حزب الله؟
ـ إن أي محاولة في هذا الاتجاه ستثير رد فعل دفاعي من جانب المقاومة ولا أعتقد أن القوات الدولية مستعدة لأن يدخل جنودها في حرب مع الشعب اللبناني. إنهم جنود سلام وليسوا جنود حرب.
* لقد أكد حسن نصر الله بنفسه على أنه لو كان يتوقع رد الفعل الإسرائيلي لما كان أمر بأسر الجنديين الإسرائيليين. هل كان ذلك العمل يستحق العناء؟
- إنه سؤال ينبغي توجيهه إلى حزب الله نفسه. لكن المقاومة كانت قد حققت نجاحات في أعمال مماثلة في الماضي. وحتى شارون، الذي كان ميالا للحرب، قبل بتبادل السجناء، ولذلك اعتقدوا أن عملية 12 يونيو ما كانت لتؤدي إلى حرب.
* في 5 أغسطس الماضي، وجه مفكر ليبي إصلاحي يدعى دكتور محمد حوني انتقادا شديد اللهجة على صفحات موقع إيلاف الإلكتروني وأشار إلى أن مصطلح المقاومة يستخدم بصورة تعسفية في المنطقة وأضاف أنه (لم يجلب سوى الدمار) لهذه المنطقة؟
- المقاومة رسخت سياسة قوة قادرة على مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. فلقد كان العرب يظنون حتى الآن أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر. كان لديهم خوف. ولذلك، فإن المقاومة تمكنت من تحقيق انتصار كبير أمام جيش النخبة. لقد كتب رجال المقاومة صفحة جديدة في تاريخ العالم العربي.
من هنا تأتي التظاهرات التضامنية الكبيرة التي خرجت إلى الشوارع في بلدان أخرى من المنطقة، حيث ينتقد المواطنون هناك موقف تلك الأنظمة أيضا. صحيح أن اللبنانيين تعرضوا لدمار هائل، لكن الإسرائيليين تعرضوا لدمار مماثل كذلك. والناس الذين يتكلمون كما يتكلم ذلك المثقف هم مثال للعربي الواهن، الذي لم يكسب أبدا وذاك سلوك اعتيادي لدى أنظمة كثيرة في المنطقة.
* حوني انتقد تحديدا اللجوء إلى العمليات الانتحارية وأكد أنها (أسلوب قتال بربري)...
- أعتقد أن أي حركة تهاجم أهدافا مدنية هي ضد الإنسان ولذلك أصدرت فتوى تدين هجمات 11 سبتمبر مع أنني ضد سياسة الولايات المتحدة. ذلك أنه لا يمكن تبرير ذلك النوع من الأعمال. كما أدنت اعتداءات مدريد ولندن والدار البيضاء . لكن ينبغي التمييز بشكل واضح بين تلك الأعمال والمقاومة ضد الاحتلال التي يقوم بها المقاتلون الفلسطينيون والتي نراها في العراق أو لبنان. فالتاريخ مليء بأمثلة تشرع الدفاع عن الأمة والحرية.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا بد أيضا من شجب سلوك جورج بوش، الذي يقدم، بحروبه الاستباقية ودعمه المعلن لإسرائيل ، أجنحة للإرهاب العالمي.
* يحمل أحد أعمالك عنوان (حوار بين الإسلام والمسيحية). هل تعتقد بضرورة أن يكون هناك تبادل أوسع بين كلتا الحضارتين لمنع ما يسمى (صدام الحضارات).
- من نافلة القول. فالحوار هو الطريق لتذويب الاختلافات بين الشعوب . العنف يعقد الأمور فقط ولذلك نحن نعارض الإرهاب. ولهذا السبب لا بد وأن أعرب عن امتناني للموقف الحضاري لرئيس الحكومة الإسبانية خوسيه لويس رودريغيز ثباتيرو ، الذي يدافع عن سياسة تقوم على الالتقاء بين المسيحيين والمسلمين.
*هل فاجأتكم الأزمة التي اندلعت جراء الرسومات الكاريكاتورية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
- ما أظهره ذلك هو أنه في الغرب ثمة أناس كثيرون يجهلون حقيقة صورة النبي والإسلام. ولهذا نقول لهم إنه ينبغي السعي إلى معرفة الإسلام من مصادره الحقيقية وليس مما كتبه أعداء هذا الدين. كما نطلب من المسلمين الذين يعيشون في تلك البلدان أن يشرحوا الصورة الحقيقية للنبي محمد والإسلام.
* في المكتبة المعروفة التي أقيمت في الضاحية الجنوبية من بيروت، بوسع المرء قراءة عناوين لسياسيين إسرائيليين مثل بنيامين نتانياهو أو لشيوعيين مثل كارل ماركس. لماذا هذه الكتب؟
- أعتقد أنه لا يمكن فهم العلاقة بين العالم الغربي والإسلام من دون معرفة ما يجري في الساحة الدولية. يتعين علينا معرفة العدو وبهذه الطريقة سنتمكن من التصدي له.
* حين سجل الاعتداء على الضريح الشيعي المقدس في مدينة سامراء العراقية ، الذي شجع بشكل حاد الصراع الداخلي الذي يعصف بالبلاد، أكدتم أن الحرب الأهلية تشجعها الولايات المتحدة. كيف تبرر ذلك الاتهام؟
- لأنه ثمة معلومات تثبت أن الأميركيين يدعمون الإرهابيين سعيا وراء حجج تسمح لهم في البقاء لزمن طويل في ذلك البلد والسيطرة على نفطه. والعراق هو جسر للولايات المتحدة في المنطقة. والأميركيون مسؤولون عن كل ما يجري ، بما في ذلك قتل آلاف المدنيين.
* صرحت في عام 1970 أن ( الثورة ) في إيران هي الحلم الأكبر لأولئك الذين كرسوا حياتهم للعمل من أجل الإسلام. ألم ترتكب تلك (الثورة) أخطاء؟
- لا نستطيع التكلم عن أخطاء. ما حدث هو أن بعض الأهداف، مثلما يحصل لكل ثورة تطرح أهدافا كبيرة، لم يتمكنوا من بلوغها، لكن الحصيلة إيجابية للغاية.
ترجمة : باسل أبو حمدة
عن (الموندو) ـ اسبانيا