إبراهيم فرهد في ورطة غريبة للغاية. فهو يمكنه التحدث بكل سعادة وفخار عن المحطة التلفزيونية التي يعمل معها، وهي قناة المنار، لسان حال حزب الله. المشكلة تكمن في أنه لا يمكنه القول من أين تبث القناة إرسالها!

يقول فرهد، مدير العلاقات العامة في القناة: «صدقا ليست لدي أي فكرة عن المكان الذي يجري منه البث». ويضيف فرهد المرتدي زياً أسود والابتسامة واضحة على محياه: «وحتى إن كنت أعلم فلن أخبرك».

لقد انتقل مقر قناة «المنار»، التي يلفها جو السرية والنظام الحديدي ذاته الذي يحيط بحزب الله، فعليا وعمليا إلى تحت الأرض.

فقد قصفت إسرائيل المقر الرئيسي للمحطة في بيروت أثناء الأيام الأولى للحرب الأخيرة، وسوته بالأرض. ولكن في غضون دقائق انتقلت المحطة إلى موقع جديد استأنفت منه إرسالها بما يتضمنه من أخبار وصلوات وأدعية ومواد إعلانية ترويجية.

و يبقى الموقع الجديد سرا حصينا للغاية لا يفوقه أهمية إلا سر مكان زعيم حزب الله الشيخ حسن نصر الله. وهناك شائعة تقول إن المحطة موجودة داخل مستودع سري محصن تحت الأرض، الأمر الذي يفسر كيف استطاعت القناة أن تنجو من القصف خلال الحرب.

وعلى الرغم من الهجمات السبعة التي شنتها إسرائيل على منشآت القناة خلال 34 يوما من الحرب، إلا أن القناة تدعي أن إرسالها لم ينقطع سوى دقيقتين. يقول فرهد: «نحن فخورون بهذا جدا. فقناتنا كانت هدفا رئيسيا للقصف ولكنهم لم يستطيعوا منعنا من الظهور على الهواء».

وإسرائيل ليست هي الدولة الوحيدة التي تحاول منع القناة من الظهور. فقد صنفت الحكومة الأميركية القناة باعتبارها «جهة إرهابية عالمية». وفي أواخر الشهر الماضي قامت السلطات الفيدرالية الأميركية باعتقال الموزع التلفزيوني للقناة الفضائية في نيويورك الذي كان يقدمها لعملائه. كما قامت فرنسا وإسبانيا وهولندا بفرض حظر على القناة.

غير أن الرقابة فشلت في وقف انتشارها في الشرق الأوسط؛ ففي أوج الصراع الأخير في أواخر شهر يوليو، كانت المنار عاشر أكثر قناة مشاهدة في العالم العربي، وفقا لاستطلاع أجرته وكالة إبسوس ـ ستيت وذلك بعد أن كانت تحتل المرتبة الثالثة والثمانين بحسب الاستطلاع ذاته الذي تم في الوقت نفسه من العام الماضي.

لقد كانت القناة عنصرا رئيسيا في ترسانة حزب الله. ففي الوقت الذي كانت إسرائيل تمطر فيه القرى الجنوبية بمنشورات تحذر بها السكان وتأمرهم بالمغادرة وإلا تعرضوا للقتل، فإن صحافيي ومراسلي المنار كانوا يقدمون تقارير من على خط النار عن النجاحات التي كان يحققها حزب الله وما يشنه من هجمات على شمال إسرائيل.

كما أن القناة تمثل عنصرا رئيسيا في زيادة شعبية ومكانة حسن نصر الله. فظهوره على شاشات القناة بأسلوبه الهادئ ولحيته المميزة وابتسامته الواثقة ساهم في جعله واحدا من أكثر الشخصيات شهرة في العالمين العربي والإسلامي.

ففي اشد لحظات القتال، ظهر السيد نصر الله على الهواء من خلال القناة ليهدئ من روع مناصريه. وفي غضون ساعات من وقف إطلاق النار في الرابع عشر من أغسطس، أعلن نصر الله «انتصارا تاريخيا وإستراتيجيا»، وأعلن كذلك عن مساعدات بالملايين لنحو 15ألف عائلة دمر القصف منازلها.

و في المقابل يرى منتقدو القناة، التي بدأت بثها في 1990، أنها تمثل جبهة مشؤومة لتكريس الإرهاب والتحريض عليه. فصندوق الدفاع عن الديمقراطية، وهو إحدى المؤسسات البحثية المحافظة في واشنطن، يقول إن برامجها تحرض على ارتكاب الأعمال الانتحارية وتدّعى أن اليهود قتلوا المسيح.

و قد قامت محكمة فرنسية بمنع إرسال القناة في فرنسا في 2004 على أساس أن برامجها معادية للسامية. وقبل ذلك بعامين صرح حسن فضل الله، أحد مسؤولي الأخبار في القناة، في مقابلة مع صحيفة «نيويوركر»: «نحن لا نتطلع إلى عقد مقابلة مع (رئيس الوزراء الإسرائيلي) ارييل شارون. فنحن نريد أن نقترب منه كي نقتله».

غير أن القناة تتبنى في الآونة الحالية خطا أكثر اعتدالا. فعلى الرغم من أنها لا تزال تبُث الأغاني الوطنية التي تُمجد «المقاومة الإسلامية» بوصفها مرادفا لحزب الله وتلعن «الشيطان الأكبر» المتمثل في أميركا، إلا أن معظم أوقات البث مخصصة للنقاشات السياسية والتقارير حول جهود إعادة الإعمار.

يقول فرهد إن إسرائيل تحاول إفساد صورة القناة في الغرب بسبب موقفها المساند للفلسطينيين. ويضيف في هذا الصدد: «نحن ببساطة نعكس حقيقة ما يقوم به الإسرائيليون مع الفلسطينيين. ولهذا السبب فإنهم يصنفوننا كإرهابيين».

كما نفى المسؤول أن تكون القناة لسان حل حزب الله. فعلى الرغم من أن مسؤولي الحزب يملكون 30% من أسهمها إلى أن النسبة الباقية يملكها نحو 50 رجل أعمال، منهم سُنة ومسيحيون. ويوضح فرهد في هذا الصدد: نحن لا نمثل طائفة واحدة بعينها، فنحن قناة متوازنة».

لكن يبدو أن أيام مجد المنار آخذة في التلاشي ؛ فمنذ فترة وجيزة أجرى نصر الله مقابلة مهمة للغاية مع قناة «إن تي في» المنافسة. وهناك تكهنات بين المراقبين تفيد بأن نصر الله أراد من تلك المقابلة توسيع دائرة أنصاره بين اللبنانيين غير الشيعة.

ترجمة: حاتم حسين

عن: «غارديان»