يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى أنه مع إعطاء إشارة الانطلاق للحرب على الإرهاب في أفغانستان، بدأت المخابرات الأميركية بجهود شراء ولاء القبائل وبتجهيز نحو 300 من رجال القوات الخاصة مع مساندة جوية.

وخلال تلك العمليات تم إلقاء القبض على أحد العناصر المهمة في التنظيم هو ابن الشيخ الليبي الذي تم الحصول على معلومات بشأنه من خلال العميل العربي. وكان ذلك بمثابة نصر مهم رغم أن ابن الشيخ الليبي كان من الوزن المتوسط في التنظيم.

غير أن المشكلة التي واجهت الولايات المتحدة هي التعامل مع من سيتم أسرهم من رجال القاعدة؟ الأمر الذي لم يكن قد تم الإعداد له مسبقا. وفيما اقترح البعض أن يتم وضعهم في سفن ترسو في البحر فإن آخرين راحوا يشيرون إلى أهمية أن يكون هناك مكان محدد يتم من خلاله استجوابهم للحصول على معلومات بشأن القاعدة.

في 16 نوفمبر 2001 نالت القوات الأميركية من أحد القادة العسكريين للقاعدة وهو محمد عاطف، ضابط شرطة مصري سابق، في غارة دمرت فندقاً كان يقيم فيه قرب كابول وقد كان عاطف من بين الذين خططوا للهجمات على السفارتين الأميركيتين في نيروبي وتنزانيا وعضو فاعل في القاعدة سواء في نقل الأموال أو في اتخاذ القرارات بشأن توزيعها وأولويات إنفاقها.

وبقدر ما كان النيل منه مهما بقدر أهمية ما تم العثور عليه من بين الدمار الذي كان يضم شريط فيديو يصور مواقع عديدة في سنغافورة بما فيها مواقع عسكرية أميركية كانت مستهدفة فضلا عن شريط آخر يكشف عن مؤامرة لاغتيال قادة عرب خلال قمة مقبلة لهم.

وبعد نحو أسبوع من العمليات أخذ تينيت عددا من كبار رجال السي أي أيه المشرفين على العمليات في أفغانستان للقاء مع بوش ونائبه تشيني لتقديم تقرير بشأن تطورات الموقف، وهناك عرض أحدهم كيف تمكنت القوات الأميركية بمساعدة أحد السياسيين المحليين - جرى تعيينه في منصب قيادي بارز في أفغانستان فيما بعد - من اختراق صفوف طالبان من خلال توجيهه لرجال القبائل بمساعدة نحو 11 من رجال القوات الخاصة الأميركية ما أسفر عن دحر نحو 700 من عناصر طالبان.

وهنا أبدى بوش إعجابه بما قام به السياسي الأفغاني وراح يطلب المزيد من التفصيلات عما قام به .. ذاكرا إياه بالاسم؟ ويبدو أن بوش منذ تلك اللحظة وضعه في اعتباره فاستحوذ هذا السياسي على نصيب الأسد في الحكومة الأفغانية نتيجة لمساعدته في العمليات التي جرت في أفغانستان.

إخفاق الحملة

على الرغم من أن ذلك زاد من الآمال باعتقال بن لادن إلا أن هانك كرمبتون، مسؤول المخابرات المكلف بهذا الملف عاد بعد أيام وبالتحديد في نهاية نوفمبر ليشير إلى أن الحملة من أجل إيقاع بن لادن قد أخفقت.

وراح كرمبتون يوضح لبوش من واقع الخرائط المعروضة الصعوبات التي حالت دون تحقيق هذا الهدف، وطبيعة منطقة تورا بورا حيث يتمركز بن لادن مع نحو ألف من المقاتلين الإسلاميين، مشيرا إلى مشكلة السيطرة على الحدود بين باكستان وأفغانستان الأمر الذي كان يمكن مقاتلي القاعدة من التسلل عبرها ويتيح لهم قدرا من حرية الحركة.

وهنا يشير إلى بعض جوانب سوء الإدارة على مستوى العمليات في أفغانستان وعدم استجابة البيت الأبيض لما راحت المخابرات توصي به مما عزز من فشل مهمتها، ليس فقط في الإيقاع ببن لادن وإنما أيضا في التوصل إلى خيوط تتعلق بمنظمة الإحياء الإسلامي التي سادت شكوك لدى الولايات المتحدة بأنها تقف وراء القاعدة وإزاء تزايد المخاوف من أن تنقل التكنولوجيا النووية إلى القاعدة.

وهنا يشير المؤلف إلى أن التعاطي مع هذه القضية في لقاء جمع تشيني ورايس مع تينيت كشف عن مدى سيطرة نائب الرئيس على مقدرات الأمور خاصة الملف النووي وهو ما قد يعكس تزايد المخاوف التي سادت واشنطن والتي يمكن القول في الواقع أنها كانت تعكس مخاوف تشيني.

في وسط تلك المناقشات راح تشيني يعيد التذكير بمذهبه الذي يبني المؤلف عليه مادة كتابه حيث ذكر تشيني: لو أن هناك احتمالا بنسبة واحد في المئة أن العلماء الباكستانيين يساعدون القاعدة في تطوير قدرات نووية فإننا يجب أن نتعامل على أن ذلك حقيقة. وبناء على هذا المبدأ فإن الأمر سيقتضي من الولايات المتحدة مجموعة من السياسات تمثل رد فعل على هذا الاحتمال.

وراح تشيني يشكك في الاعتماد على آخرين في التعامل مع هذه القضية متسائلا هل يمكن لنا أن نثق بالباكستانيين. لقد تم القبض على العلماء النوويين ثم أطلق سراحهم، وقد زعمت أسرة العالم محمود أنه مريض فتم إطلاق سراحه مع آخرين تحت ضغوط على الحكم هناك.

وحين راح تينيت يؤكد لتشيني عدم دقة هذا الحديث استوقفته رايس طالبة منه أن يتوجه إلى باكستان لبحث تطورات الموضوع، مع التشديد على ضرورة أن يؤكد للقادة هناك على أنه يتحدث بلسان الرئيس.

لقد تمثلت أجندة الحكم منذ اليوم التالي لأحداث سبتمبر في العثور على الإرهابيين أينما وجدوا، وقد عزز ذلك من العمليات العسكرية في أفغانستان، حيث مأوى تنظيم القاعدة، كما تم شن عمليات استخبارية شملت أكثر من 80 دولة.

عند هذا المستوى يستعرض المؤلف جانبا من التحولات التي شابت السياسات الأميركية والتي كانت تعكسها الإدارة الجديدة لبوش الابن. فقد كان الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي حتى التسعينيات هو التوازن الدولي الأمر الذي انعكس في الاتفاقات التي تم إبرامها بين حلفي وارسو والأطلسي.

أما بعد انهيار القطبية الثنائية فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها، وعلى يد مجموعة المحافظين الجدد، بحسب ما يشير المؤلف، مطلقة اليدين وحرة التصرف كيفما تشاء.

ومن هنا أصبح المبدأ الأساسي هو أنه يجب استخدام القوة دون خجل أو مراعاة لأي اعتبارات أخرى غير اعتبارات المصلحة، فأميركا في نظر هؤلاء، تشيني ورامسفيلد ووولفويتز وبيرل، تتربع الآن على قمة النظام الدولي، ومن هنا كان اتجاه الإدارة إلى التراجع عن كثير من الاتفاقات الدولية بما فيها تلك المتعلقة بالحفاظ على البيئة.

التحدي الأميركي

من خلال النظر إلى النظام الدولي انطلاقا من هذه الزاوية قدم رامسفيلد مذكرة بشأن التحديات التي يمكن أن تنتج من جراء مواقف بعض الدول التي تمثل تحديا للولايات المتحدة ذاهبا فيها إلى ضرورة العمل على إقناعها بالتخلي عن مواقفها تلك. غير أن المشكلة، حسبما يذكر سوسكيند، هي أنه بعد أحداث سبتمبر، بات العدو فاعلا في غير صورة الدولة الأمر الذي عزز صعوبة التعامل معه.

وقد وصلت خطورته إلى الحد الذي مكنه من القيام بهجمات على الأراضي الأميركية، الأمر الذي يتعذر على أي دولة القيام به. ويتجسد الخطر في أنه حتى لو كانت الدول المارقة لا تجرؤ على القيام بعمل معاد فإن التكنولوجيا النووية يمكنها أن تنتقل من هذه الدول إلى التنظيمات الدولية العابرة للقوميات.

لقد ذهب تفكير تشيني في هذا الصدد بعيدا حيث أنه إزاء تصور صعوبة قيام دولة محددة بعمل يعتبر انتحاريا من جانبها فإن ذهنه انصرف إلى أنه إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تقوم دولة من الدول المارقة بتصدير هذه التكنولوجيا إلى الجماعات الإرهابية من وجهة نظر واشنطن للقيام بهذا العمل بالنيابة وحتى تجنب نفسها تبعات مثل هذا العمل؟

لقد أدى هذا الفهم الذي يعبر عن جوهر تفكير تشيني إلى توسيع نطاق وأمد الحرب على الإرهاب، فبينما كانت العمليات على القاعدة في ملجأها بأفغانستان تتواصل، تواصل في الوقت ذاته الجهد من أجل البحث عن العدو وتدميره حيثما كان، انطلاقاً من مبدئه القائل بأنه إذا كانت الدول المارقة تمثل خطرا فإنه يوجد الآن شريك صامت لها.

تنفيذا لطلب رايس وصل تينيت إلى إسلام آباد على رأس وفد من المخابرات المركزية لبحث احتمال تسرب سلاح نووي إلى القاعدة الأمر الذي أفاض الوفد في تناوله مع الرئيس برويز مشرف.

لقد راح تينيت يمهد للحديث في الموضوع بالإشارة إلى أن هناك قضية تمثل مشكلة للولايات المتحدة ولباكستان كذلك وهي تسرب التكنولوجيا النووية إلى القاعدة، مضيفا أن أمل القاعدة في الوصول إلى هذه التكنولوجيا بات قريبا، وهذا أمر غير مقبول من قبل الولايات المتحدة ولا يمكن التهاون بشأنه.

بعد فترة صمت بدأ مشرف الحديث قائلا : «إن هذا أمر غير ممكن يا سيد تينيت. لقد تطلب الأمر من باكستان قدرا كبيرا من النفقات للتوصل إلى إنتاج القنبلة النووية. عن أي شيء تتحدث.. إن وصول القاعدة إلى مرحلة إنتاج القنبلة أمر مستحيل».

وهنا رد تينيت بلسان الرئيس، كما طلبت منه رايس والتي أخبرته أن عليه أن يتحدث كما لو كان الرئيس بوش: لو أن الأمر كذلك لما أرسلني الرئيس إلى هنا؟

فكان رد مشرف أن مستشاره الخاص بشأن هذه القضايا ناقشه في هذا الشأن وأخبره أن لا خطورة في هذا الصدد. لقد كان الشيء الذي ورد في ذهن تينيت أن مشرف يتحدث عن عبد القدير خان، وأن مشرف لا يعلم ما توصلت اليه المخابرات الأميركية من أن خان متورط في شبكة لبيع التكنولوجيا النووية لدول معادية للولايات المتحدة.

وهنا لم يجدا مفرا، حسب الاتفاق فيما بين أعضاء الوفد من إخبار مشرف بحقيقة عبد القدير خان. هنا بدأ موقف مشرف يلين بعدما نما أمر خان إلى علمه. ورغم ذلك يعبر المؤلف عن شكه في إمكان تحقيق هذا الهدف في ظل طبيعة باكستان والتي يتنامى لدى شعبها شعور معاد للأميركيين.

احتواء الخطر

لم يكتف تينيت خلال اللقاء بأن يطلب من مشرف القبض على عالمي الذرة وإنما أيضا طلب القبض على أحد السياسيين البارزين المؤيد لهما وهنا فإن مشرف راح يسأله عن وجود أي شيء يدين هذا السياسي. المهم أن اللقاء انتهى بحصول تينيت على ما يريد وهو وعد من مشرف بالا يكون العلماء الباكستانيون مظلة لبن لادن للوصول إلى سلاح نووي.

وقد اتخذت إسلام أباد مجموعة خطوات على طريق تحقيق المطالب الأميركية وجرت حملة اعتقالات واستجوابات استخدم خلالها جهاز كشف الكذب بإشراف خبراء أميركيين وتم التوصل من خلالها إلى نتائج هامة بشأن مساعي بن لادن للحصول على سلاح نووي حيث أفاض هو والظواهري مع محمود وعبد المجيد في هذا الشأن في حديث تطرقوا خلاله إلى الصراع ضد الإمبريالية العالمية والصليبية.

ورغم تأكيد محمود لبن لادن أن العملية مكلفة بما يتجاوز إمكانيات دول، فضلا عن أن تكون في إمكانية منظمات، فإن بن لادن كان يفكر في كافة السبل التي تمكنه من الوصول إلى هذا السلاح.

ثم يشير سوسكيند إلى تعرض الولايات المتحدة لغاز الإنثراكس وقد كتب على بعض الرسائل التي تم إرسالها وتحمل الغاز عبارات مثل إننا نكره أميركا .. إننا نكره إسرائيل .. الله أكبر.

وهنا يشير المؤلف إلى ان التقارير الإستخباراتية توصلت إلى أن القاعدة تسعى كذلك إلى الحصول على الأنثراكس وأن هذا البرنامج كان يشرف عليه الظواهري بنفسه ويساعده في ذلك محمد عاطف الذي تم الإشارة إلى أنه لقي مصرعه في غارة .

وهو ما أثار قدرا من الحيرة داخل الأوساط الأميركية بشأن ما إذا كانت رسائل الأنثراكس التي وصلت إلى بعض الجهات الأميركية من عملاء للقاعدة داخل الولايات المتحدة أم لا؟ رغم أنه لم يتم التوصل إلى ما يثبت ذلك.

لقد راح تشيني يجد في ذلك ما يعزز مذهب الواحد في المئة الذي يمثله تصريحه المشار إليه وهنا أخذ يؤكد على أنه لا يجب أن تكون هناك أولوية للحكومة الأميركية أكثر أهمية من اكتشاف ما إذا كان ما جرى على الأرض الأميركية له صلة بالقاعدة أم لا؟ فقد ثبت أن بن لادن كان يسعى للحصول على قنبلة نووية وثبت أن الظواهري يرأس مجموعة خاصة بالأنثراكس، كما وقعت حوادث فعلية داخل الولايات المتحدة بهذه المادة.

وعلى ذلك فاللغز الذي كان يشغل بال تشيني هو: من فعل هذا؟ وما هي حدود صلة القاعدة بالأمر؟ لقد أمر رجال الإف بي آي الذين كانوا يعرضون عليه تطورات القضية بحضور ممثلين من السي أي أيه بأن يكثفوا تحرياتهم لمعرفة مدى وجود عنصر أجنبي وراء رسائل الأنثراكس الداخلية؟

تعاظم دور تشيني

يكشف لنا سوسكيند عن الدور الكبير الذي لعبه تشيني في صياغة حرب إدارة بوش على الإرهاب. ولعل ما يشير إليه المؤلف لاحقاً قد يقدم لنا تفسيرا لهذا الوضع. حيث يذكر أن بوش كان قابعا في البيت الأبيض يتابع التقارير. وهنا يقدم لنا الرؤية السائدة بشأن بوش في أوساط صنع القرار الأميركي.

وهي عدم فعالية الرئيس، فخلال الشهور التسعة الأولى من توليه المنصب كان بوش يتخذ القرارات دون دراسة وحتى دون أن يقرأ التقارير المتعلقة بأبعادها وفي ذلك يشير سوسكيند إلى أن ذلك أثار قدرا من المخاوف وسط الدوائر الأميركية سواء في البيت الأبيض ذاته أم في الكونغرس بشأن ما إذا كان يقرأ مواد القرارات التي يتخذها، أو يفكر بشأنها؟

وفي إشارة إلى لهفة بوش وحلمه بالقضاء على رجال القاعدة يشير المؤلف إلى أنه وردت إليه ذات يوم رسالة تفيد بأن الظواهري لقي حتفه خلال إحدى الغارات الأميركية في أفغانستان، فما كان منه تعبيرا عن سروره إلا أن قام بوضع علامة X على صورة الظواهري من بين مجموعة لصور قادة القاعدة المطلوبين.

غير أن فرحة بوش لم تكد تكتمل حتى جاءه الخبر السيئ المتمثل في أن الظواهري ما زال حيا وأن من قتل في الغارة التي وقعت في الأول من ديسمبر إنما كان زوجته وأطفاله. لم يجد بوش أمامه سوى أن يمسح علامة الـ X التي وضعها على صورة الظواهري.

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على هجمات 11 سبتمبر كان نحو 250 من رجال القاعدة قد قتلوا أو تم أسرهم بينما تمكن حوالي 800 آخرين من الفرار. وفي منتصف يناير 2002 استقر رأي الإدارة الأميركية على أن يتم إيداع الأسرى في سجن غوانتانامو بعد طول جدال بشأن سبل الاحتفاظ بهم.

ومن النقاط الهامة التي يشير اليها المؤلف هنا أن أحد البدائل التي كانت مطروحة على أجندة البحث أمام السي آي ايه هو الاستعانة بجهاز مخابرات عربي للتحقيق مع المتهمين في ضوء الميزة التي يمكن أن يحققها هذا البديل لجهة أن القائمين على هذا الجهاز إنما يتكلمون العربية.. لغة أعضاء تنظيم القاعدة وأنهم يمكن أن يمارسوا كل ما يريده الأميركيون بالنيابة،.

وفي هذا الخصوص يشير الكتاب إلى أن أبو الشيخ الليبي والذي يعتبر من الأعضاء ذوي الوزن المتوسط في تنظيم القاعدة تم الاتفاق على تسليمه لجهاز المخابرات العربي الذي تم الاستقرار عليه، وهناك وضمن عمليات الاستجواب جرى تعذيبه.

ووفقا لما يذكره سوسكيند، فقد اقتيد الليبي وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين من أحد المطارات في أفغانستان وقد راح أحد رجال السي أي أيه يهدده بأفعال مشينة إذا لم يعترف! ويذكر المؤلف أنه حتى هذه المرحلة وهي يناير 2002 فإن معلومات المخابرات الأميركية عن تنظيم القاعدة لم تكن بالقدر الكافي للتعامل الناجح مع تطورات الموقف على أرض الواقع في أفغانستان.

عودة إلى العراق

ويشير المؤلف إلى انه مع فشل الاستخبارات في القبض على قادة القاعدة وسقوط نظام طالبان بدأت الأنظار تتجه نحو العراق تفعيلا لمذهب تشيني والذي كان يعتبر أن الوقت ليس وقت تحليل ومناقشة وإنما وقت الفعل واتخاذ المواقف ضد الأعداء الحقيقيين أو المحتملين.

وهنا، وفيما يعزز ما يذهب اليه سوسكيند، يذكر المؤلف أن سيطرة المحافظين الجدد بقيادة تشيني كانت قد وصلت إلى أقصى مدى لها حتى انه تم تهميش شخصية مثل كولين باول في إدارة دفة الأمور.

غير أن ما يتطرق إليه فيما بعد يبقى هو الأهم ، ومن الواضح في الحدود التي تناولناها حتى الآن أن المؤلف مطلع بما فيه الكفاية حتى أن البعض يشير إلى أن تينيت شخصيا قد يكون هو مصدر المعلومات الرئيسي له.

الطريف أن المؤلف يذكر أن بوش من كثرة مزاحمة تشيني له في سلطاته راح يطلب منه ما يمكن اعتباره «فرملة» لهذا التدخل، ففي ربيع 2002 طلب بوش من تشيني أن يحد من تدخله خلال الاجتماعات الكبرى وأن يعطي للرئيس قدرا أكبر من حرية الحركة والكلام وتحمل المسؤولية، بل وصل الأمر، والكلام لسوسكيند، أن طلب بوش من تشيني ألا يوجه له نصائح في اللقاءات العامة وإذا فعل ذلك فإن ذلك يجب أن يقتصر على اللقاءات الخاصة فيما بينهما فقط.

هنا يذهب المؤلف، مقدما رؤية منطقية، إلى أن الحرب على الإرهاب وفقا لمنطق الإدارة الأميركية لم يكن لها ان تتجاوز نطاق ما حدث في أفغانستان لعدة اعتبارات على رأسها أنه كان من الصعب على أي دولة أن تأوي أفرادا من تنظيم القاعدة على غرار ما كان قائما قبل تطورات أحداث سبتمبر، خاصة في ضوء ما بدا من نتائج لمثل هذا الإيواء على غرار ما تم مع نظام طالبان.

فضلا عن انه إذا كان بن لادن أو الظواهري قد نجحا في الإفلات من الاعتقال فإنهما سيظلان على كل حال في إطار الأراضي الأفغانية ومنطقة الحدود مع باكستان باعتبار أن ذلك أفضل ملاذ لهما حيث يمكن أن تتوفر لهما الحماية القبلية، في ضوء غياب سلطة الدولة إلى حد كبير.

لكن الأمور لم تسر على النحو المنطقي الذي يشير إليه سوسكيند، فقد كان يسعى إلى تطبيق رؤيته هو الآخر والمتمثلة في ضرورة تطويع الدول المارقة وأن هذا هو أوان تطبيق هذه السياسة، وعلى ذلك عاد العراق إلى الواجهة مرة أخرى ليحتل المرتبة الأولى على الأجندة الأميركية.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق