يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى الغموض الذي اكتنف مفهوم الحرب على الإرهاب بحيث أن إدارة بوش وجدت نفسها موزعة بين أكثر من جبهة بدأتها بأفغانستان وتلتها بالعراق وما زالت فصول الحرب تتوالي.

فبينما كانت الحرب في أفغانستان توشك على تحقيق أحد أهدافها المتمثل في إسقاط نظام طالبان، بدأت الإدارة الأميركية في تحويل دفة الاهتمام نحو العراق.

والتمهيد لذلك كان إعلان الرئيس بوش في لقاء له مع أعضاء الكونجرس بأن الخطر الحالي هو العراق. ويتطرق المؤلف كذلك إلى تجاهل بوش لمطالب العرب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وإصراره على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون رجل سلام.

واصلت إدارة بوش موقفها من العراق من أجل تحقيق هدف قديم كان معداً له سلفا فيما قبل أحداث سبتمبر، حسبما يشير المؤلف. وهنا، وفيما يبدو لتعزيز أجواء التخويف من النظام العراقي وسلوكياته أشار بوش إلى أن النظام العراقي استخدم فعليا الغاز السام لقتل الآلاف من مواطنيه.

وفي إطار تعداد ما يراه مساوئ راح بوش يذكر أن نظام صدام هو الذي وافق على التفتيش على برامجه النووية ثم عاد ليطرد المفتشين الدوليين، مختتما حديثه بالإشارة إلى أنه من الواضح أن هذا النظام لديه ما يسعى إلى إخفائه عن العالم المتحضر. وعلى ذلك فإن النتيجة التي خلص اليها بوش وكان يريدها ان تصبح على رأس أولويات سياسة إدارته هي أن دولا مثل هذه الدول وحلفائها من «الإرهابيين» إنما يشكلون محورا للشر، ويهددون السلام العالمي خاصة مع سعيهم للحصول على السلاح النووي.

ويعرض المؤلف في هذا الإطار للكثير من الرؤى التكميلية لما طرحه الرئيس بشأن التهديد النووي على أمن الولايات المتحدة والعالم ومنها رؤية ريتشارد بيرل.

غير أن التعليق الذي يصب في صلب الحقيقة هو ما ذهب اليه أحد كتاب الأعمدة المحافظين وهو تشارلز كروثامرحيث قال في مقال ب«الواشنطن بوست» في تعليق له على خطاب الرئيس الأميركي:إنه إذا كانت هناك مناقشة حقيقية بشأن ما يجب القيام به تجاه العراق، فإن المناقشة انتهت.

إن الخطاب ليس سوى إعلان للحرب على العراق. وفيما يشير إلى تبني المؤلف لموقف السي أي أيه يذكر أنه فيما بدأ الرئيس ونائبه والبنتاغون الإعداد للمرحلة المقبلة والمتمثلة في غزو واحتلال العراق، فإن تينيت أخذ يعمل على مواصلة فصول الحرب على الإرهاب.

سؤال يومي

لقد كان التحدي الذي يواجه الإدارة الأميركية هو القبض على بن لادن أو الظواهري أو الملا عمر، غير أنه مع مرور الوقت وعدم تحقق هذا الهدف فإن بوش أخذ يحرص على التقليل من أهمية هذا الهدف، فيما ان التقارير الخاصة بالبيت الأبيض كانت تشير إلى أن بوش كان حريصا على السؤال يوميا عما تم بشأنهم، بل إنه كان يسأل عن تطورات مساعي القبض عليهم أكثر من مرة في اليوم الواحد. وفي ذلك وصف أحد رجال السي اي أيه القريبين من البيت الأبيض بوش بأنه كان مزعجا بشأن سؤاله عن أسامة.

وفيما يشير إلى حساسية الإدارة في هذا الصدد يذكر سوسكيند أن صحيفة الواشنطن بوست نشرت في 17 أبريل تقريرا يشير إلى أن القوات الأميركية فشلت في حصار بن لادن في كهوف تورا بورا وأن مثل هذه الخطوة كان يمكن أن تمنع بن لادن من الهرب،وهنا إنبرى رامسفيلد للدفاع حيث عقد مؤتمراً صحافياً يكذب فيه الصحيفة قائلا انه ليس هناك أي دليل على أن بن لادن موجود في تورا بورا، أو أنه غادرها، بل انه لا يوجد ما يشير إلى مكان وجوده بالتحديد؟

وإزاء هذا الإخفاق فإن الرئيس بوش لم يجد أمامه سوى الإعلاء من شأن القبض على أحد أعضاء القاعدة والتعظيم من دوره وهو أبو زبيدة حتى يبدو وكأن الادارة حققت نصرا في حربها على الإرهاب، وقد غلف بوش ذلك الأمر باستعراض كبير خلال خطبته التي ألقاها في 9 أبريل 2002 حيث راح يشير إلى أن ما تقوم به الإدارة الأميركية إنما يمثل عملا تاريخيا بكل المعاني وحماية للعالم من الأشرار على شاكلة رجال تنظيم القاعدة.

وفي ذلك يشير سوسكيند إلى ما يذكره أحد رجال المخابرات من ان أبو زبيدة لم يكن بالأهمية التي حاول بوش اظهاره بها، وحسبما يفسر مسؤول المخابرات فإن أبو زبيدة لم يكن يتجاوز دوره حجز تذاكر السفر المتعلقة بأفراد وأسر أعضاء التنظيم، ولم يكن يعرف الكثير عن عمليات القاعدة أو إستراتيجيتها، وإن كان سياق التفاصيل التي يوردها المؤلف ذاته فيما بعد تشير إلى أنه أدلى بالكثير من المعلومات التي صبت في مصلحة تحقيق الهدف الأميركي.

وما يريد المؤلف الإشارة إليه رغم ذلك هو أن بوش حاول تعويض فشله في القبض على رؤوس قيادات القاعدة بالتضخيم من اعتقال أية عناصر أخرى من التنظيم بغض النظر عن مستوى أهميتها. وعلى ذلك يشير سوسكيند إلى أن تضخيم بوش بشأن أبو زبيدة شكل حرجا للاستخبارات، وعلى ذلك جرى العمل على توصيل الرسالة إلى الرئيس من خلال تينيت.

حيث أوضح له ان أبو زبيدة ليس بالأهمية التي أشار اليها، وهنا فإن بوش لم يجد أمامه سوى أن يذكر لتينيت أنه أما وقد أشار إلى ذلك فإنه يجب تمرير المسألة كما يجب وعدم إحراجه، الأمر الذي لم يجد تينيت مفرا من إقرار الرئيس عليه. أما على صعيد أبو زبيدة نفسه والذي يفصل المؤلف في مسعى السي أي ايه للتحقيق معه واستجوابه فيشير المؤلف إلى أنه كان مصابا إصابات خطيرة تفاقمت نتيجة نقله من مكان إلى آخر خلال رحلة اعتقاله من فيصل آباد.

غير ان المفارقة هنا تكمن فيما يشير إليه المؤلف من أن استجوابه كان مؤجلا لحين تماثله للشفاء من إصاباته ولدى مباشرة ذلك فإن أحد مسؤولي المخابرات راح يشير إلى أن أبو زبيدة لقي عناية فائقة من أجل شفائه حتى أنه يذكر «لقد تلقى أفضل رعاية طبية على مستوى العالم» مضيفا «لقد أصبح الآن في حالة صحية جيدة» غير أنه يضيف في النهاية «اعتقد أن الوقت قد حان لتعذيبه»!

وفي هذا الخصوص يعرض المؤلف لبعض الجوانب التي مثلت عقبات قانونية أمام التحقيق واستجواب معتقلي الحرب على أفغانستان خاصة لجهة ضرورة معاملتهم وفقا لاتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب، غير ان البيت الأبيض أصدر مذكرة تقضي بأن الاتفاقية لا تنطبق على هؤلاء المحتجزين في غوانتانامو.

شارون رجل السلام!

وفي سياق استعراضه لتحركات الإدارة الأميركية يتطرق المؤلف إلى زيارة أحد القادة العرب للولايات المتحدة متطرقا إلى الموقف من القضية الفلسطينية باعتبارها القضية التي ستشكل محور المحادثات وفي ذلك يشير سوسكيند إلى التحول في موقف إدارة بوش مقارنة بما كانت عليه إدارة كلينتون وهو الأمر الذي أشار إليه بوش نفسه خلال الاجتماع الأول لمجلس الأمن القومي.

حيث عاب بوش الإبن على سلفه أنه بدا في أيامه الأخيرة وكأنه يميل إلى جانب عرفات، مشيراً إلى أن مواقف الرئيس الفلسطيني في مفاوضات كامب ديفيد التي جاءت في اللحظات الأخيرة للإدارة الأميركية السابقة خذلت رؤية كلينتون.

وهنا فإن بوش حرص على الإعلان صراحة أن إدارته ستميل بشكل أكبر في مواقفها إلى جانب إسرائيل. الأمر الذي لم يلق قبولا من باول حيث أكد له أن مثل هذه الخطوة ستمثل عودة بسياسة الولايات المتحدة نحو 30 سنة إلى الوراء، وأن تلك السياسة يمكن أن تطلق يد أرييل شارون والقوات الإسرائيلية على نحو يسبب ضررا بالغا للفلسطينيين. وهنا كان رد بوش : «في بعض الأحيان فإن استعراض القوة من جانب طرف واحد يمكن أن يكون له نتائج حاسمة».

ووسط المواجهات التي كانت دائرة في الأراضي المحتلة وحصار القوات الإسرائيلية لمقر عرفات ومنعه من حضور القمة العربية التي كان مقررا عقدها في تلك الفترة.

وبينما راح الزعيم العربي يؤكد لبوش أن مفارقة المواجهات أنها بين أطفال ودبابات، فإن بوش لم يجد وسط حديثه سوى أن يشير إلى شارون على أنه رجل سلام! ولأن الحديث بدا غير موات ولوجود بوادر على عدم الاتفاق والصدام في وجهات نظر الزعيم العربي ونظرائه الأميركيين ..

بوش وتشيني ورامسفليد، فإن قائد العمليات المشتركة ريتشارد مايرز حاول أن يتدخل بتغيير مجرى الحديث تلافيا لمزيد من تكهرب الأجواء في تلك المحادثات، بالإشارة إلى ما يجري في مسألة التسلح الأميركي مقارنة بما كان عليه الوضع خلال حرب الخليج الأولى، مستشهدا في ذلك بالنصر المتحقق في أفغانستان.

وهنا فإن القائد العربي لم يجد بداً من أن يرد عليه قائلا : «ولكن بن لادن ما زال حرا طليقا». فما كان من تشيني إلا أن تدخل قائلا : «إن ذلك حقيقة غير أننا وراءه وقريبون من القبض عليه» وهو ما لم يتم بعد نحو أربع سنوات من هذا التأكيد!

في إطار الغرائب التي يكشف عنها المؤلف يذكر أن الوفد العربي راح يعرض مجموعة القضايا التي تعبر عن أولوياته وأن بوش خلال اللقاء كان يومئ برأسه وسط حالة تشير إلى عدم التركيز أو حتى الاستعداد للخوض في هذه القضايا.

ورغم أن إشاراته كانت توحي بنوع من الاتفاق مع القضايا المطروحة إلا أنه لم يقدم إجابات تعكس الموقف الأميركي. لقد كان القائد العربي يطلب أن يحد بوش من مساندته الواضحة لمواقف شارون وأن يسعى في الوقت ذاته للحصول على موافقة إسرائيلية بأن يحضر عرفات القمة العربية في القاهرة.

لقد بدا الأمر مثيرا للدهشة لبعض أعضاء فريق البيت الأبيض الذين حضروا الجلسة.. فبوش ظهر وكأنه لم يقرأ جدول الأعمال الذي أرسله مسؤولو القطر العربي إلى البيت الأبيض والذي يعبر عن مجمل ما يودون التطرق اليه في المحادثات. وما أثار دهشة فريق البيت الأبيض هو ان بوش حتى لم يحاول أن يحصل من الوفد على ما يهم الولايات المتحدة بشأن الحرب على الإرهاب. المهم أنه بعد فحص المسألة تم اكتشاف ان هذه الأوراق تم تحويلها إلى مكتب تشيني، وأن الرئيس لم يحصل عليها ولم يقرأها على الإطلاق.

من هذه المسألة ينتقل المؤلف إلى قضية أسرى الحرب أو معتقليها ويشير إلى حجم الجدال الذي تزايد مع وقوع العديد من أعضاء القاعدة وعناصر طالبان في أيدي القوات الأميركية وفيما كان البيت الأبيض يميل إلى ترجيح معاملتهم كمجرمين فإن باول كان يؤكد على ان ذلك يخلق سابقة يمكن أن يتم معاملة الجنود الأميركيين على شاكلتها، وهنا فإن بوش اجتهد من خلال وسطاء في تغيير موقف باول.

وعودة إلى أبو زبيدة مرة أخرى والذي جرى تعذيبه من أجل الحصول على معلومات يشير المؤلف في هذا السياق إلى حجم الهوس الذي انتاب الإدارة الأميركية، فقد أشار أبو زبيدة تحت التعذيب إلى أن القاعدة تستهدف المراكز التجارية وعلى الفور تم تكثيف الخطط لتأمين هذه المراكز، ثم أشار إلى استهداف البنوك وبالفعل تم مباشرة تكليف الإف بي أي بتعزيز إجراءات تأمينها، حتى بدا للبعض أنه، إذا تم التعامل مع هذه الاعترافات على هذا النحو، فإن الحياة يمكن أن تتوقف تماما وتشل حركة الاقتصاد في الولايات المتحدة.

كما أشار أبو زبيدة في اعترافاته إلى بعض الأميركيين الذين انضموا إلى القاعدة ومنهم خوسيه باديلا من بروكلين والذي أعلن إسلامه ثم غادر الولايات المتحدة إلى مصر ثم إلى أفغانستان حيث تلقى تدريبا على يد محمد عاطف المصري ثم فر إلى فيصل آباد إثر الغارة التي استهدفت عاطف. لقد أشارت اعترافات أبو زبيدة إلى أن باديلا كان يريد الحصول على قنبلة نووية صغيرة وتفجيرها في الولايات المتحدة.

عودة إلى العراق يشير المؤلف إلى أن الدافع وراء غزوه، وفق أغلب من حضروا جلسات مجلس الأمن القومي، هو تقديم مثال او نموذج بشأن المصير الذي ينتظر من يسعى إلى امتلاك السلاح النووي وعدم الإنصياع للموقف الأميركي.

ومرة أخرى يشير سوسكيند إلى أن الأمر على ساحة بن لادن والعلماء الباكستانيين وبرنامج الظواهري للاستحواذ على غاز الإنثراكس كان يختلف تماما باعتبارهم مجرد أشخاص أو فاعلين غير دوليين لا يمثلون دولا بعينها، فضلا عن عدم وجود ما يشير أو يثبت ارتباط القاعدة بصدام. وهنا يشير المؤلف إلى أن التقارير الإستخبارية التي أشارت إلى ذلك تم تجاهلها من قبل نائب الرئيس ورامسفيلد وطاقمهما.

رأس الظواهري

يشير المؤلف إلى أن الوصول إلى رأس الظواهري كان من بين أولويات المخابرات الأميركية ولهذا تم رصد مبلغ 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه. وعلى هذا كانت هناك عدة تقارير تشير إلى وفاته غير أنه سرعان ما كان يثبت خطؤها. ويذكر المؤلف هنا واقعة مختلفة تشير إلى مدى اللهفة الأميركية في الوصول إلى رأس بن لادن أو الظواهري لتقديم إنجاز يبرر حربها الطويلة في أفغانستان.

فقد أخبر وفد إحدى القبائل الأفغانية أفراد قوة كندية خاصة كانت تعمل ضمن القوات التي شكلتها الولايات المتحدة للحرب في أفغانستان بأن الظواهري قد لقي حتفه في أواخر ديسمبر 2001 وأنه دفن في أحد الوديان التي غطتها الثلوج.

وقد كان ذلك يتوافق مع أحد التقارير التي أشارت إلى وفاته في تلك الفترة فطلب أحد مسؤولي المخابرات الأميركية من الوفد تقديم دليل يثبت صحة ما يقولون قبل أن يتم تسليمهم المكافأة المخصصة لمن يرشد عن موت الظواهري. فقبل وفد القبائل مع طلب تأجيل الأمر إلى حين حلول الربيع وذوبان الجليد، وحينئذ يمكن تسليم جثته كدليل مادي على وفاته وهو ما كان.

وما أن تم تسليم الرأس المزعوم للظواهري حتى تم شحنه إلى الولايات المتحدة للتأكد من أنه له وليس لأحد غيره. وبعد أيام تسلمت الإف بي أي الرأس وبدأ الإعداد لإجراء تحليل الحامض النووي لتحديد هوية صاحب هذه الرأس، وهو التحليل الذي يمكن أن يحدد نوع وسن الشخص. غير أنه لتحديد جوانب أخرى أكثر دقة كان الأمر يتطلب الحصول على عينة من شقيق الظواهري.

ولم تكن هناك مشكلة بالنسبة لهذا الأمر حيث أن أخاه محمد كان من المقبوض عليهم ورهن الاعتقال في القاهرة، وعلى هذا اتصل المختص في المخابرات الأميركية بمصر من أجل الحصول على عينة دم أخ الظواهري فكان الرد ليس هناك مشكلة نحن سنقطع لكم يديه ونرسلهما. فجاء الحديث من واشنطن لا نريد أكثر من عينة من دمه. غير أن النتيجة جاءت مخيبة للآمال .. فالرأس ليس للظواهري.

الحرب على «الجزيرة»

في إطار استعراضه لتفاصيل السياسات الأميركية فيما بعد أحداث 11 سبتمبر يعرج المؤلف على الموقف من قناة الجزيرة والتي برزت كلاعب رئيسي في تغطية الحرب. بعد أن يستعرض الجوانب المختلفة المتعلقة بظروف نشأتها، يتطرق إلى المناوشات التي حدثت مع القناة على خلفية تغطيتها للحرب في أفغانستان الأمر الذي وصلت معه الإدارة الأميركية إلى حد اتهامها بأنها لسان حال بن لادن.

وبشكل عام يقرر المؤلف أن تجربة القناة توضح إلى أي حد يمكن أن تزدهر العملية الإعلامية وتفعل فعلها في ظل أجواء من الحرية، وهو الأمر الذي كان يلقى ترحيبا من الإدارة الأميركية.

وعلى هذا فإنه رغم أن قدرا كبيرا من التغطية العامة للقناة فضلا عن أغلب من تستضيفهم ينتقدون الولايات المتحدة، إلا أن واشنطن كانت ترى أن ذلك ثمنا مقبولا لقناة تعد الوحيدة على مستوى المنطقة التي لا تمثل بوقا للنظام. غير أن الموقف من الجزيرة بدأ يختلف إزاء تغطيتها لتطورات الحرب في أفغانستان، وإزاء كشفها عن الأعداد الكبيرة من القتلى الذين راحوا ضحية القصف الأميركي للبلاد.

وقد انعكس ذلك في مساع لتلجيم القناة وهو ما حاوله كولين باول مع قادة قطر خلال زيارتهم للولايات المتحدة غير أن الرد الرسمي من قبل الدوحة كان يبدي حرصا على الحرية على أساس.. «إن الحياة البرلمانية تتطلب أن يكون هناك وسائل إعلام ذات مصداقية.. وأن هذا هو ما نحاوله».

الأكثر إثارة لغضب الأميركان فضلا عن عرض جثث الأطفال وغيرهم من ضحايا القصف في جلال آباد، أن الإدارة الأميركية كانت ترى القناة لسان حال بن لادن، الذي ظهر على القناة، بعد وقت قليل من القصف الأميركي للبلاد في أوائل أكتوبر من 2001، حيث أطل على العالم حاملا الكلاشينكوف، معلنا أن الحرب إنما هي بين الإسلام والغرب، وأن «.. أمريكا لن تذوق طعم الأمن ما لم نشعر به نحن على أرضنا».

لقد كانت العديد من بيانات بن لادن تبث عبر الجزيرة بشكل متكرر، وهو ما أدى بكوندوليزا رايس إلى حد الشكوى من ان القاعدة ترسل رسائل مشفرة عبر هذه البيانات، وعملت على الضغط على وسائل الإعلام الأميركية من اجل عدم بث هذه الرسائل أو على الأقل الحذر عند بث أجزاء منها.

ويخلص سوسكيند من هذه الجزئية إلى أن ذلك يشير إلى أن الفاعلين غير الدوليين كذلك يمكن أن يملكوا تأثيرا إعلاميا. إن منظر بن لادن وهو يبتسم أمام مأواه أو وهو يتكلم العربية الفصحى عن تحدي المسلمين للعملاق الأميركي .. كانت تقدم صورة رجل فرد يقف أمام إمبراطورية.

ومع حلول نوفمبر تعمق الشعور في الأوساط السياسية الأميركية بأن الجزيرة قناة بن لادن وإزاء ذلك تدخل الرئيس بنفسه لدى قيادة قطر من خلال تينيت. وهنا فقد كان رد قطر أن القناة تثير العديد من الحساسيات لدى العديد من الدول العربية وكذلك لدى الولايات المتحدة، وأنها في كل الأحوال اتخذت قرارا بألا تتدخل في القضايا المتعلقة بالتغطية وأنه ليس هناك ما يمكن القيام به. غير أن الولايات المتحدة من جانبها كانت قد اهتدت إلى ما يمكنها أن تقوم به.

ففي 13 نوفمبر وإثر سقوط كابول في أيدي التحالف الشمالي وبينما كانت الاحتفالات تقام في الشوارع، استهدفت القوات الأميركية عمدا، حسب رواية سوسكيند،مكتب القناة في كابول فدمرته تماما فيما كان مراسلو الجزيرة غير موجودين فيه لقيامهم بأعمال التغطية.

ويؤكد المؤلف على أنه إثر هذه الضربة سادت حالة من الرضا داخل وكالة المخابرات المركزية والبيت الأبيض من أن الرسالة قد وصلت إلى الجزيرة. وفيما يمثل تعزيزا لفرضيته يشير إلى أن الطائرات الأميركية كانت تعرف موقع المكتب بالطبع وهو ما ينفي فكرة القصف الخطأ.

ولعل ما يؤكد ما ذهب إليه المؤلف القصف الذي تعرض له مبنى القناة في بغداد خلال الحرب على العراق، ما أدى إلى مقتل المراسل طارق أيوب الذي كان متواجدا على السطح.

فضلا عما سبق فقد ألمح الرئيس بوش بنفسه إلى فكرة قصف مكاتب الجزيرة خلال اجتماع مع بلير في أبريل 2004 ورغم نفي ذلك فيما بعد والتأكيد على أن الأمر لا يعدو أن يكون مزاحا فإن المزاح في كثير من الأحيان إنما يعبر عن النوايا الحقيقية هذا بغض النظر عن أي تحفظات ترد على الجزيرة ذاتها وعلى أدائها الإعلامي.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق