الحكومات الأوروبية احتفلت بالتوصل إلى اتفاق حول إرسال قوات لحفظ السلام إلى لبنان باعتبارها خطوة تمثل نجاحا للسياسة الأمنية للإتحاد الأوروبي. غير أن الصعوبة التي تكتنف عملية تجميع تلك القوة تُظهر كيف أن أوروبا لا تزال أمامها الكثير قبل أن تستطيع القول إن لديها سياسة خارجية مشتركة.

في النهاية لم يكن الأمر مجرد نجاح بل نجاح كبير. بل إنه إنجاز. هكذا كان تعليق أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان، الذي أضاف: «لقد تحملت أوروبا مسؤولياتها وقدمت العمود الفقري للقوة الدولية».

ثم جاء وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينمر ليعلن أن ما حدث كان انتصارا لأوروبا. وقال وزير الخارجية الإيطالي ماسيمو داليما إنه إذا سارت الأمور بشكل جيد في لبنان، فإن قوة حفظ السلام الدولي هناك يمكن أن تنتقل لاستعادة النظام في قطاع غزة.

ولكن في النهاية جاء اجتماع وزير الخارجية الألماني في بروكسل أخيرا ليكون بمثابة عرض مسرحي كبير. هذا الاجتماع جاء بالنهاية السعيدة لشيء كان القادة الأوروبيون قد هددوا من قبل بتحويله إلى مسرحية هزلية.

لقد أوجد ذلك الاتفاق الذي استغرق التوصل إليه 11 ساعة والذي يقضي بإرسال قوة أوروبية قوامها 7 ألاف جندي ضمن قوة الأمم المتحدة التي ستعمل على حفظ السلام في لبنان ـ أوجد وهما يفيد بأن هناك ما يسمى بسياسة خارجية أوروبية مشتركة بين دول الإتحاد الأوروبي، وهي سياسة ليس لها أي وجود في الأساس. إن حقيقة السياسة الخارجية المشتركة لدول الإتحاد الأوروبي عبر عنها بشكل ممتاز وزير الخارجية الفنلندي إريك توميوكا.

فقد قال توميوكا والغضب يتملكه في تصريحات لصحيفة فنلندية في أوائل شهر أغسطس إن 24 من زملائه في الإتحاد الأوروبي يمارسون «لعبة المكائد» وإنهم يستعدون لعقد اجتماعات مشتركة وكأنهم يستعدون إلى «مفاوضات مع دول لديها ميول عدوانية محتملة.

أي وثيقة لها علاقة بصراع الشرق الأوسط يتم إرسال مضمونها في غضون ساعة إلى تل أبيب وكذلك إلى واشنطن وموسكو أيضا»، على حد تعبيره. ويرى فين أن مثل هذا الأسلوب لا يعني المضي قدما بأي شكل من الأشكال نحو سياسة خارجية مشتركة.

على امتداد السنوات السبع الماضية، ظل الأوربيون يحاولون توسيع اتحاد لا يزال حتى الآن محصورا في إطار اقتصادي فقط ليتناول المسائل الخارجية والأمنية بجانب القضايا الاقتصادية. الهدف الذي كان يسعى إليه الأوروبيون كان منع ذلك النوع من الشلل الذي شهدته منطقة البلقان في عقد التسعينيات بسبب ما دار هناك من صراع دموي. في تلك الفترة، لم تكن أوروبا قادرة على إيقاف الحروب وعمليات التطهير العرقي في الوقت الذي كانت فيه يوغسلافيا تنهار.

ونتيجة لذلك، وافق القادة الأوروبيون في عام 1999 على تشكيل قوة أوروبية للتدخل السريع قوامها 60 أ لف جندي. وعلى الرغم من أن هناك قوات أوروبية موجودة بالفعل في البوسنة والهيرسك وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية تعمل تحت راية الإتحاد الأوروبي، فإن درجة استعداد قوة التدخل السريع الأوروبية يمكن وصفها بالمحدودة.

والحقيقة في هذا الصدد تتمثل في أن فكرة أن يصعد الإتحاد الأوروبي إلى قمة النظام العالمي ويكون لديه سياسة خارجية مشتركة وقوة عسكرية متكاملة- هذه الفكرة تظل مجرد خيال قصصي.

ولم تكن تلك الحقيقة واضحة بشكل أكثر مما كانت عليه أخيرا عندما استمرت أوروبا في مواصلة أسلوبها القائم على المساومة والتفاوض لفترة طويلة وذلك بعد أن قامت دول نامية مثل نيبال وبنغلاديش وماليزيا بتقديم تعهدات واضحة لإرسال قوات تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة. وكان الفرنسيون هم من أربكوا جميع الحسابات.

في بداية شهر أغسطس، أوضحت باريس أنها مستعدة للمساهمة ب 5000 جندي لقوة حفظ السلام. وبعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع سحب شيراك تعهده .و أخذ الجميع في كل أنحاء أوروبا يحاولون التوصل إلى سبب التراجع الفرنسي، الذي فسره البعض بأنه محاولة من فرنسا للحصول على مزيد من التنازلات تماما كما حدث أثناء النقاش حول القرار رقم 1701.

وبسبب ضغوط من القادة العسكريين تراجع شيراك بسرعة. ولكن بدلا من إرسال قوة كبيرة كما كان مأمولا، هبط عدد صغير من الجنود الفرنسيين في جنوب لبنان أخيرا وكان مشهد الزورقين المطاطين الفرنسيين وهما يحملان العلم الفرنسي مثار قدر كبير من السخرية.

وعلى الرغم من ذلك فإن الفرنسيين حصلوا في النهاية على التعهدات التي يحتاجونها من أجل توفير إطار واضح لمهمة القوات التي سيرسلونها إلى الشرق الأوسط. فقد ظهر الرئيس الفرنسي جاك شيراك لاحقا ليقول: «فرنسا أعلنت أنها سترسل نحو 2000 جندي وأنها مستعدة لأن تتولى قيادة القوة المرسلة إلى لبنان».

وقد جاء القرار الفرنسي ليثلج صدور الألمان الذين كانوا متخوفين من إمكانية تراجع فرنسا عن إرسال جنود إلى لبنان، وهو الأمر الذي لو حدث لتزايدت معه الضغوط عليها لإرسال جنود إلى لبنان. وكان هذا هو بالتحديد الأمر الذي سعت الحكومة في برلين إلى تفاديه.

ترجمة: حاتم حسين

عن «دير شبيغل»