أجرت مجلة « دير شبيغل» الألمانية حواراً أخيراً مع زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، تحدث فيه عن الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في حربها على «الإرهاب» و الخطر الذي يكمن في استمرار حالة اللامساواة والظلم في العالم. وأكد الدبلوماسي البارز أن أميركا تواجه خطر فقدان زعامتها السياسية في العالم في حال إصرارها على سياساتها الحالية. و فيما يلي جانب من الحوار:
ـ يقارن الرئيس بوش بين أخطار الإرهاب وأخطار الحرب الباردة. بل إنه تحدث بشكل متكرر عن أن زالبلاد في حالة حربس و أنه لن يقبل إلا « بنصر كامل».
هل هو محق في استخدامه تلك العبارات النارية؟
ـ إنه مخطئ حتى أخمص قدميه. أنا لا أعلم ما إذا كان هذا غوغائية متعمدة أم ببساطة جهل بالتاريخ. منذ أربعة أعوام كنت مسؤولا عن إدارة ردة الفعل الأميركية في حال تعرض البلاد لهجوم نووي. و أنا بوسعي أن أؤكد لك أن حربا نووية على نطاق واسع بين أميركا و الاتحاد السوفييتي السابق كان من الممكن أن تقتل ما يتراوح بين 160 مليوناً و 180 مليون شخص خلال 24 ساعة فقط.
لا يوجد تهديد بهذا الحجم الآن ولا في المستقبل المنظور. فضلا عن ذلك فإن الإرهاب في الأساس هو أسلوب لقتل الناس و ليس لقتل العدو. فإذا شن المرء حربا على سراب لا يُرى و لا يُحدد، فإنه يلج في حالة عقلية تدفعه دفعا إلى المبالغة الخطرة و تشويه الحقيقة.
ـ ما هي تلك التشويهات؟
ـ بعد هجوم اليابان على بيرل هاربر في 1941، كانت الولايات المتحدة متقدة النشاط وعاقدة العزم و أثناء السنوات الأربعين للحرب الباردة كانت صبورة و متعقلة. وفي الحالتين لم يقم أي رئيس أميركي بتصدير الخوف و الهلع إلى الشعب. و لكن على العكس تماما مع الرئيس الأميركي الحالي يتبين أنه يخلق مناخا من الخوف من شأنه أن يدمر الروح المعنوية للشعب الأميركي و يشوه السياسة الأميركية.
ـ أليس طبيعيا هذا الخوف الذي يظهر على سبيل المثال جراء إمكانية وقوع أسلحة نووية في أيدي الإرهابيين؟
ـ بالتأكيد الأمر يتماشى مع المنطق والواقع و لكن على الوجه الآخر يتبين أننا لسنا في مواجهة مع الترسانة النووية للاتحاد السوفييتي. أنا لا أريد أن أنتقص من خطر هجوم إرهابي فردي أو هجمات إرهابية متعددة ، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن قياس حجم تهديد تلك الأعمال بالتهديد النووي من الاتحاد السوفييتي.
ـ غير أن هناك نقاشا بين الحين و الآخر في الولايات المتحدة و كذلك في أوروبا يفيد بأن الإسلام المتشدد قد أخذ مكان الاتحاد السوفييتي السابق و أنه لا يزال هناك شكل ما من أشكال الحرب الباردة في العالم الآن.
ـ الإسلام المتشدد مجرد ظاهرة غامضة مجهولة ظهرت في بعض الدول ولم تظهر في البعض الآخر. و يجب التعامل معها بشكل جاد للغاية. و لكنه يظل يمثل خطرا إقليميا متصلا بشكل أكبر بمنطقة الشرق الأوسط وبالتحديد بشرق المنطقة. بل إنه حتى في تلك المناطق يتبين أن المتشددين الإسلاميين لا يمثلون غالبية.
ـ و من ثم فإنك ترى أن الاتجار بالخوف ليس برد الفعل المناسب؟
ـ يتعين علينا أن نتوصل إلى سياسة من أجل هذه المنطقة تساعدنا على حشد أصدقاء محتملين واستقطابهم.فالتعاون معهم هو السبيل الوحيد لاحتوائهم و التخلص من ظاهرة الإرهاب بشكل نهائي. إن الأمر ينطوي على تناقض. ففي أثناء الحرب الباردة كانت سياستنا تتركز على جمع أصدقائنا و تفريق أعدائنا. ولكن أسلوبنا الآن للأسف يميل إلى توحيد أعدائنا ضدنا وإبعاد أصدقائنا عنا.
ـ إذاً أنت ترى أنه من قبيل المبالغة أن يوصف أسامة بن لادن بأنه ماو أو ستالين؟
ـ نعم هذا صحيح. وهذا بالطبع تشويه للواقع و ذلك على الرغم من أن أسامة بن لادن قاتل. إنه مجرم و يجب توصيفه على هذا المستوى بدلا من الارتقاء به عمدا إلى مرتبة زعيم ذي مكانة عالمية يقود حركة شبه دينية.
ـ ألا يوجد هناك أي تقدم في الحرب على الإرهاب طوال السنوات الخمس الماضية؟
ـ نعم و لا في آن. لنمُسك الخشب. فحتى الآن لا يوجد تكرار لهجوم واحد على الولايات المتحدة، الأمر الذي يرجع في جزء منه إلى الإجراءات الوقائية التي اتخذناها. كما أن هناك إدراكا متناميا بين النخبة المعاصرة في العالم الإسلامي بأن التشدد الإسلامي يمثل تهديدا عليهم جميعا.
ولكن الأمر يحدث ببطء. كما إن الحرب على الإرهاب هي بمثابة حرب عرجاء معوقة مثل غزونا للعراق الذي تسبب في إثارة غضب وعداوة العالم الإسلامي على الولايات المتحدة. علاوة على أن موقفنا الغامض و السلبي تجاه الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني هو سبب آخر مهم للغاية وراء معاداة الآخر لنا. كل هذه الأمور تذكي جذوة الإرهاب.
ـ هل هناك إمكانية في تحقيق النصر الكامل الذي يطالب به الرئيس؟
ـ الأمر يعتمد على تعريفك للنصر. إذا تصرفنا بشكل ذكي و كوّنا التحالفات المطلوبة فإن قدر الجاذبية التي يتمتع بها الإرهاب لدى البعض يمكن أن يتقلص و ينحسر، و من ثم سيبدأ في التلاشي بالتدريج. ولكن إذا كنا نتصور نصرا على غرار قيام هتلر بضرب نفسه بالنار داخل مخبأ سري، فإن هذا لن يحدث.
هذا هو بالتحديد السبب في أن توصيف الأمر بالحرب هو أمر مضلل. فليس من المجدي جعل الشعب يفهم أننا نتعامل مع مشكلة طويلة الأجل في منطقة هشة مليئة بالمتغيرات، فيما يكمن الحل في الاعتماد على تعبئة القوى المعتدلة و عزل المتشددين.
ـ ما هي الفائدة التي يرجوها بوش عندما يتحدث بتلك العبارات الطنانة عن الحرب؟
ـ أولا وقبل كل شيء تلك العبارات هي التي ساعدته على الفوز بفترة رئاسية ثانية. فدولة في حالة حرب لا يمكن لها أن تطرد قائدها. ثانيا، هذا الأسلوب يساعده على بسط قدرته و نفوذه وممارسة سلطاته بشكل لم يصل إليه رئيس أميركي من قبله.
هذا الأمر بالطبع له مخاطره كما يتضح من عمليات انتهاك الحقوق المدنية. كما إن هذا الأسلوب يُمكّنه من الإدعاء بأنه يمكنه استخدام القوات المسلحة الأميركية كما يرى حتى من دون موافقة الكونغرس فيما يتعلق بإعلان الحرب.
ـ هل الديمقراطية تنطوي على خطر كامن؟
ـ على المستوى البعيد نعم.غير أن الديمقراطية منهج ضارب الجذور في التركيبة النفسية والنسيج الخاص بالمجتمع الأميركي. لدرجة أن مثل هذا الخطر يمكن أن يظهر فقط في حالة أن يتمكن رئيس مثل بوش من تنفيذ سياسات كتلك التي يستخدمها لفترة طويلة جدا من الزمن. غير أن بوش لا يمكنه الفوز بجولة جديدة من الانتخابات. و من ثم فإن الأمر سينتهي خلال عام أو عامين.
ـ هل هناك شروط يمكن في حال تحققها أن تفقد أميركا زعامتها السياسية في العالم؟
ـ الاستمرار على السياسات الحالية و عدم إبداء أية ردة فعل إيجابية تجاه الشكاوى المتزايدة المتعلقة بتفاقم حجم الظلم وعدم المساواة في العالم. نحن الآن نتعامل مع جنس بشري أكثر وعيا على المستوى السياسي ومن ثم فإنه يطالبنا بردة فعل على شكواه من الغرب.
ترجمة: حاتم حسين
عن«دير شبيغل»
