بينما يتبدد الدخان عن أرض المعركة بعد 34 يوما من المعارك في لبنان، سيكون من الخطأ قياس تكلفة الحرب بمعيار ما وقع من ضحايا وما سقط من المبادئ الماسونية. فكل شيء قد تغير بشكل كامل بعد انتهاء تلك الحرب وبعد الهزيمة التي تتحدث عنها الآن كل إسرائيل ابتداءً من مجلس الوزراء مرورا بالصحافة الحية و انتهاء بقوات الاحتياط الجالسين في محال الفلافل والحسرة تملؤهم. إن الشخص الوحيد في العالم الذي يدّعي أن إسرائيل قد انتصرت هو الرئيس الأميركي جورج بوش و جميعنا يعلم ما هو تعريفه لعبارة (المهمة أُنجزت)

لقد كانت التقارير التي ظهرت الأسبوع الماضي و أفادت أن زعيم حزب الله حسن نصر الله أعرب عن ندمه لأنه أساء تقدير ردة فعل إسرائيل على أسر جنديين من جنودها-تلك التقارير كانت مضللة. إن نصر الله في حقيقة الأمر يشكر الله على أن الهجوم جاء عندما كانت المقاومة مستعدة له وذلك لأنه كان مقتنعا بأن إسرائيل كانت ستغزو في وقت لاحق من العام وفي توقيت من اختيارها هي.

وإذا كانت جيوب المقاومة الكثيفة في العراق قد أوقفت حرب بوش من الامتداد إلى سوريا فإن النصر غير الطبيعي الذي حققه حزب الله بالتأكيد جعل العالم يعيد التفكير في مغبة أي هجوم على إيران. غير أن التغير الرئيسي وربما التغير الأكثر إيجابية الذي حدث في الصراع بين العرب و إسرائيل و هو الصراع الذي يمتد الآن إلى أكثر من أربعين عاما، يتمثل في تحطم عقيدة تفوق إسرائيل العسكري على كل جيرانها و انكسار الغطرسة التي تتملك القادة الإسرائيليين ابتداء من شيمون بيريز ومرورا ببنيامين نتانياهو و انتهاء بالمتخبط رئيس الوزراء إيهود أولمرت.

إن أسطورة القوة التي لا تقهر هي أكذوبة لا يمكن أن تُصدق مرتين. لقد أعلنت إسرائيل مرات عديدة أنها استولت على بنت جبيل و لكنها في الحقيقة لم تسيطر أبدا على البلدة أو على أي بلدة أخرى طوال أيام الحرب. وعلى الرغم من قيامها بإمطار ألوف الأطنان من المواد المتفجرة على المنازل و المدارس و المستشفيات و الطرق و الجسور و سيارات الإسعاف

ونقاط المراقبة التابعة للأمم المتحدة ومستودعات النفط ومصانع الكهرباء وعلى كل محطات الوقود في ضاحية بيروت الجنوبية- على الرغم من كل هذا إلا أن الإسرائيليين نالوا عقابا رهيبا وقاسيا على أيدي مقاتلي حزب الله عندما كانت تتم المعارك على الأرض وجها لوجه.

و بشكل مخالف للحقيقة يعتقد البعض أن ما حدث قد فتح نافذة يمكن من خلالها التفكير في إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية للصراعات التي يمتد تاريخها إلى قرن من الزمن والتي تقف وراء الحرب الأخيرة. لقد انتظر قائد القبائل البيضاء إبان النظام العنصري في جنوب أفريقيا حتى هددت المعارضة بسحق مركز الأقلية التي كانت في السابق لا تقهر وروّج لعملية نقل السلطة على أساس مبدأ أن التوصل إلى تسوية بشكل لاحق وبشروط أكثر إجحافا سيكون أمرا أقل قبولا. إن مسيرة إسرائيل الآن متجهة إلى لحظة كتلك.

إن أي تسوية شاملة الآن ستبدو بالطبع كما كانت تبدو منذ عقود ، حيث ستكون على أساس انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في 1967 و احترام الحقوق القانونية للاجئين الفلسطينيين في العودة و قيام دولة فلسطينية فعلية وعاصمتها القدس الشرقية، أي دولة مجاورة للدولة الإسرائيلية بحدود عربية لا توجد بها أي مستوطنات يهودية أو شوارع عسكرية مع توفير سيطرة فلسطينية على أراضي تلك الدولة و أجوائها و بحرها و مائها بضمان دولي.

وفي المقابل يكون هناك اعتراف عربي بإسرائيل و تطبيع وفي الوقت المناسب تنضم إسرائيل إلى الشرق الأوسط بشكل يختلف عن كونها حامية استيطانية تتبع الغرب الإمبريالي. تماما كما لا يمكن للمرأة أن تكون شبه حامل، فإن التسوية لا يمكن أن تكون شبه شاملة. و أي محاولات لإضفاء غموض و إبهام على مثل تلك التسوية على غرار المحاولات التي بُذلت منذ أكثر من 10 أعوام في أوسلو- تلك المحاولات ستنهار على أرض الواقع الجديد.

لقد استيقظ العالم العربي على وجود قوة محتملة. لقد رأى العراقيون وهم يربكون الخطط الأنجلو- أميركية لإعادة احتلال بلادهم و شاهدوا صمود المقاومة الفلسطينية على الرغم من الخسائر والآن يرى انتصار حزب الله. إن لم تكن هناك تسوية فلن يكون هناك إلا مزيد من الحرب و الحرب حتى يأتي اليوم الذي تجد تل أبيب نفسها تحت النار و يتسبب الإسرائيليون بتعنتهم في تحطيم معبدهم فوق رؤوسهم.

غير أنه ليست إسرائيل هي وحدها التي ستدفع ثمن تواصل الصراع؛ فقد سمم الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون وحرمانهم العلاقات بين الغرب و المسلمين وساعد على انتشار العنف ووصول الكره إلى شوارعنا. لا يزال هناك وقت لاختيار السلام، لكن لا مجال للخطأ. فمع انتصار حزب الله هناك مولود جميل للغاية ظهر على الساحة.

ترجمة: حاتم حسين

عن: « غارديان»