خلال الفترة الماضية احترقت المدن اللبنانية وانهمرت دموع أهلها تحت نيران القصف الإسرائيلي وغرق العراق في ظلام حرب أهلية وقتل رجال طالبان جنوداً بريطانيين قبل أن يطلقوا النار على مدرسين أمام بوابة مدرستهم لأنهم ارتكبوا «جرم» تعليم الفتيات. وسط كل هذا دعا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى إحداث «نهضة شاملة» في سياستنا الخارجية من أجل محاربة ما أسماه «الإسلام الرجعي».
ماذا يدور بذهن رئيس وزرائنا؟ فعندما يكون صائباً فهو صائب بالفعل. ولكن عندما يخطئ فهو يخطئ بشكل كارثي. فبلير يرى أنه يجب علينا «الربط» بين أحداث العنف التي يقوم بها متشددون إسلاميون على امتداد العالم. ويقول بهذا الخصوص: «الحادي عشر من سبتمبر في أميركا والسابع من يوليو في المملكة المتحدة والحادي عشر من مارس في مدريد وأحداث العنف الكثيرة التي تقع في دول متباعدة عن بعضها البعض
مثل إندونيسيا والجزائر وما يحدث حالياً في أفغانستان والصراع المتواصل في لبنان وفلسطين ـ كل تلك الأحداث هي جزء من شيء واحد». كثيرون يسخرون بشكل بديهي مما يقوله رئيس الوزراء ويرون أن تلك الأحداث هي مجرد ردود أفعال لمشكلات محلية: احتلال هنا ومحاولة لفرض الشريعة الإسلامية هناك.
ولكن في حال فتح حوار مع المتشددين، كما أفعل أنا غالباً، سواء أكانوا من سوريا أم لندن أم فلسطين، فإنك تكتشف أنهم يرون ما يحدث باعتباره معركة عالمية ذات قضية عالمية. إنهم يربطون بين ما يحدث كل يوم في مختلف أنحاء العالم.
هناك ثلاثة تفسيرات عامة لتلك المعركة. أما الأول فهو ما يطرحه اليمين الإسرائيلي والأميركي ويفيد أن ما يجري هو حرب بين الغرب وبين مليار مسلم مصابين بالجنون ومهووسين بالعنف. أما تفسير معسكر اليسار فهو أن ما يجري هو معركة ضد الإمبراطورية الأميركية حيث يمثل المتشددون رد فعل للعنف الإمبريالي الذي تقوده أميركا.
أما التفسير الثالث فهو خاص ببلير الذي يرى أن هناك حرباً أهلية ممتدة داخل الإسلام، وهي معركة بين المعتدلين من المسلمين الذين يبحثون عن الديمقراطية والتعاون مثل أي أفراد آخرين وبين المسلمين الرجعيين الذي يسعون إلى فرض قراءة العصور الوسطى للشريعة والخلافة الإسلامية التي يريدون إنشاءها لتكون بمثابة إمبراطورية لهم.
إنني أرى أن قراءة بلير للمعركة داخل الإسلام قراءة صحيحة بشكل كبير. ولكن كيف تسببت تلك المعركة في الكارثة الموجودة في العالم حالياً؟ إن الكارثة الحالية ترجع إلى قراءته الخاطئة والساذجة لحلفائه. فبلير يبدو وأنه يعتقد بشكل قوي أن الولايات المتحدة هي الذراع المسلحة لمنظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشونال»,
ويرى أنها الآلة التي ستخصص قدراتها وإمكاناتها من أجل ضمان انتصار الحق والصواب في هذه الحرب الأهلية التي يتحدث عنها. بل إنه في لحظات انفعال عاطفية يجعل تحليله هذا ينسحب أيضاً على إسرائيل. غير أن الحقيقة تشير إلى أن الحكومة الأميركية تحركها عوامل كثيرة قبيحة منها قراءة بلير نفسه الخيرية للوضع العالمي.
لا نحتاج سوى إلى النظر في الحرب التي شنتها إسرائيل أخيراً ضد حزب الله كي نعرف أنه لم تكن هناك أي ضرورة لها وأنها لم تؤد إلا إلى تقوية شوكة القوى الرجعية في الإسلام.هذه هي مأساة توني بلير. فهو لديه تحليل سليم وصحيح للمعركة الدائرة داخل الإسلام، ولكنه لا يملك الأدوات التي تمكنه من خوضها سوى جيش أميركي يسعى نحو أهداف مختلفة لا يدركها بلير نفسه.
ترجمة: حاتم حسين
عن: «اندبندنت»
جوهان هاري
