يحافظ أمين الجميل على هالة الشخصية التاريخية في لبنان، متمكنا بذلك تقريبا من تجنب ثقل المسؤولية الذي يحمله على كاهله. كان رئيس البلاد بين عامي 1982 و1988 وذلك أثناء الحرب الأهلية وكان عهده من أشد العهود الرئاسية تشنجاً وجدلاً في التاريخ اللبناني. فلقد بدأ من الصفر إثر موت شقيقه بشير مقتولا في سبتمبر 1982 بعد شهر واحد فقط من اعتلائه سدة الرئاسة وانتهى بانقسام الحكومة والجيش على يد حكومة انتفاضة عسكرية.
في محاولة منه لتهدئة الوضع، اضطر أمين الجميل لمغادرة البلد والعيش في المهجر طوال 12 عاماً ولم يعد إلى البلاد حتى عام 2000، عندما استهل تنظيم المعارضة ضد الرئيس إميل لحود. وقام أمين، المقرب من قيادة حزب الكتائب الذي أسسه والده بيير الجميل، بإعادة تأسيس التشكيل السياسي الراديكالي المسيحي وأسماه قاعدة الكتائب.
ينتمي أمين الجميل لإحدى العائلات التقليدية المنخرطة في الحياة السياسية اللبنانية، وهو منصب يورثه الآباء للأبناء ومن جيل لآخر في هذا البلد. وآل الجميل هم عائلة مسيحية مارونية لبنانية مرموقة تعود جذورها إلى القرن السادس عشر،
رغم أن أفرادها لم يبرزوا في الحقل السياسي سوى في القرن العشرين عندما تم في عام 1936 إنشاء حزب الكتائب، وهو تشكيل سياسي مستوحى من الكتائب الاسبانية والحركة الفاشية الإيطالية، عارض الاستعمار الفرنسي والوجود الفلسطيني في لبنان.
الأمر يتعلق بتشكيل سياسي قومي يطالب باسترداد الهوية اللبنانية القائمة على الماضي الفينيقي للبلاد، الأمر الذي يتعارض مع القومية العربية. صفحة ماضيه الأكثر سوادا كتبها بين 16 و17 سبتمبر 1982، عندما قامت وحدات كتائبية مدعومة من قبل الجيش الإسرائيلي بقتل مابين 1500 و3000 من المدنيين الفلسطينيين في مخيمي اللاجئين صبرا وشاتيلا.
بالإضافة إلى أن الجميل، البالغ من العمر 63 عاماً، يعتبر أكثر اعتدالاً من شقيقه، فإن صورته راحت تتحسن في السنوات الأخيرة. كما أنه يشكل جزءاً من تحالف 14 آذار، الذي وضع في عام 2005 حداً لثلاثين عاماً من السيطرة السورية على البلاد. نجله بيير يواصل درب أبيه ويشارك في الحكومة اللبنانية من موقع وزير الصناعة.
أمين الجميل استقبل مندوبي صحيفة «الموندو» الاسبانية في المقر التاريخي للكتائب، وهو قلعة قديمة للجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية وشاهد أصم على الحرب الأهلية، وكان لهم معه الحوار التالي:
ـ من كسب الحرب؟
ـ لا أدري إذا ما كسب حزب الله الحرب أم لا. ما أعرفه هو أن لبنان هو الخاسر، مع أكثر من ألف ضحية وخسائر تقدر بأكثر من 10 مليارات دولار.
ـ من هو المسؤول عن كل هذا الدمار؟
ـ حزب الله هو الذي بدأ الحرب، والقرار 1701 يحمله مسؤولية ذلك.
ـ لكن البعض يعتقد بأن إسرائيل كانت قد أعدت العدة للحرب وبأن عملية خطف الجنديين الإسرائيليين لم تكن سوى ذريعة لمهاجمة لبنان...
ـ حزب الله أعطى الذريعة التامة للإسرائيليين. ولا يوجد هناك من يفعل ذلك عندما يعلم بأن العدو مستعد للهجوم.
ـ ومع ذلك، فإن حزب الله ينادي بالنصر...
ـ حققت مقاومته نجاحا، لكن ما هي الفائدة بالنسبة للبلاد؟ هل هي الكرامة والشرف؟ أنا لست قادراً على فهم أي نوع من الشرف ينشد حين يكون البلد مدمراً. هل هناك كرامة لكل النساء والأطفال النازحين عن بيوتهم؟ ثمة مكر سياسي في أوساط من ينادون بالنصر، فنحن نعرف أن اللبنانيين يدفعون ثمنا باهظا جراء ما يحدث. لا منافع في هذه الحرب.
ـ يقوم حزب الله بدفع الأموال للعائلات من أجل إعادة اعمار بيوتها المهدمة، ما رأيكم بهذا؟
ـ ليس سرا أن المال يأتي من إيران والليرة اللبنانية مستقرة لأن أحداً ما يستورد الدولارات وفي ظرف 24 ساعة فقط، تمكن حزب الله من ترتيب أموره لدفع أكثر من 200 مليون دولار على شكل تعويضات مستعجلة. ثمة أكوام من الأموال تصل في حقائب من طهران. بعد الكاتيوشا، تصل الآن الحقائب وربما تصل في الوقت نفسه...
ـ هل تعتقد أن حزب الله يبني بلدا خاصا به في الجنوب؟
ـ نعم. في الماضي، كان الجنوب أرضا لحركة فتح والآن هو لحزب الله.
ـ هل سيقبل حزب الله نزع أسلحته؟
ـ حزب الله سيفهم أن من مصلحته إعادة اعمار البلاد والمؤسسات الديمقراطية. ويتعين عليه الانضمام إلى الميدان السياسي وتسليم الأسلحة للجيش اللبناني.
ـ هل الشعب اللبناني أكثر اتحادا أم أكثر انقساما بعد هذه الحرب؟
ـ يتعين علينا بذل جهد كبير للحفاظ على البلد موحدا. عندما يكون هناك حزب يسيطر على منطقة جغرافية ولديه معدات عسكرية وقادر على تمويل عملية لإعادة الاعمار فذلك خطير، علينا إقناع مجتمعنا كله بأن لا يثق بالأحزاب الأجنبية، وإنما عليه التركيز على مصالح البلد. فليس من مصلحة الشيعة أن يكونوا معزولين أمام السنة والمسيحيين. ترى ما الذي سيفعله الشيعة في حال وجدوا أنفسهم معزولين؟ هل سيطالبون بالمشاركة؟
ـ هل أجهضت هذه الحرب عملية التحول التي استهلت عام 2005 إثر مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري؟
ـ لا. لكنها تأخرت بشكل جدي فقط. ونحن نواجه الآن مشكلة أخرى لابد من حلها وتتمثل بالمصالحة. فالجمهورية نفسها على شفير الهاوية وعلينا إعادة بنائها وكذلك الأمر بالنسبة لفكرة المؤسسات الوطنية.
ـ هل ينبغي على الرئيس إميل لحود الموالي لسوريا أن يستمر في الحكم؟
ـ قد تكون مشكلة حقيقة بالنسبة للبنان في حال جدد ولايته، فهو يمثل عقبة حقيقية أمام التغيير الحقيقي، إذ انه يمثل الحقبة السورية في لبنان، لكنه لم يعد يمارس الرئاسة على اللبنانيين. هل رأيتم لحود يروج لأي مبادرة ضد الحرب؟ لكنه لا ينشغل إلا بالسباحة وقضاء أوقات ممتعة.
ـ ما رأيكم حول تحالف زعيم مسيحي آخر، هو ميشيل عون، مع حزب الله؟
ـ لست قادرا على فهم عون. فقبل سنتين فقط، شارك في فعالية في الكونغرس الأميركي التي هدفت لإدانة سوريا والآن يقف إلى جانب دمشق كي تدين هذه الولايات المتحدة.
ترجمة: باسل أبوحمدة
عن «الموندو» ـ اسبانيا
