فرض المجتمع عليهم مسمى «ذوي الاحتياجات الخاصة» إلا أنهم يرفضونه مؤكدين أنهم ذوو التحديات الخاصة فمن بينهم خرج أبطال نجحوا وأثبتوا جدارتهم في مختلف المحافل الدولية وحققوا لبلادهم ما لم يحققه الأسوياء وفاز منهم البطل محمد خميس بالمركز الأول ونال الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الاولمبية للمعاقين الأخيرة، فهم بحق فرسان الظلام أصحاب همم عالية لا تثنيهم الإعاقة عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي ولاترضيهم نظرة العطف والشفقة بقدر ما تعنيهم نظرة التقدير والاهتمام التي تنسيهم همومهم وتدفعهم لمواصلة مسيرتهم بجد واجتهاد.

جاء مشروع «تكامل» الذي أطلقه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي ليعنى بذوي الاحتياجات الخاصة تحت إشراف مجلس دبي للتعليم ليثلج صدور الفرسان الذين نسوا فقدهم للبصر، فالآن أصبحت لديهم جهات ترعاهم وتعمل على تشجيعهم ودعمهم باستمرار وهو ما شدد عليه حيدر سعيد اليوسف المدير التنفيذي للمشروع حيث يحوي المشروع عناصر عدة يستفيد منها ذوو الاحتياجات الخاصة إذ سيتم إنشاء مركز للتشخيص والتدخل المبكر يعمل على الرصد المبكر لحالات الإعاقة بكافة أشكالها والتدخل عبر فريق متخصص لعلاجها بالإضافة إلى تقديم الدعم التقني للوحدات الصحية والمستشفيات وتعزيز قدراتها نحو رفع كفاءة التشخيص وتحديد سبل التدخل الطبي الممكنة خاصة وانه في هذه الحالة سيؤدي إلى الوقاية من الإعاقة في مجموعة من الحالات والحد من أثرها في الغالبية الأخرى.

وقال اليوسف إنه من إحدى الركائز الأساسية لهذا المشروع الدمج في التعليم من خلال العمل على دمج الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة في مؤسسات التعليم النظامية من مدراس ومعاهد وجامعات وكذلك تدريب المدرسين ليصبحوا قادرين على التعامل بشكل فعال مع هؤلاء الطلبة، موضحاً أن المشروع يتضمن مركزاً للتدريب والدراسات يعمل على بناء الموارد البشرية المحلية وتفعيلها في المجالات والخدمات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة من خلال التدريب والإشراف والتطبيق العملي للبرامج النموذجية المعترف بها عالمياً.

كما يعمل المشروع على تهيئة المؤسسات للتعامل مع الموظفين من ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل ملائم يجعل عملهم مثمراً عبر فريق من اختصاصيي التأهيل والتدريب، ويسعى المشروع أيضاً إلى إيجاد البيئة الملائمة لهم التي تساعدهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي ومراعاة ذلك في تصميمات الأبنية ونوعيات المواصلات وكذلك وسائل الاتصال وشبكة الإنترنت.

وتشير دراسة لخبراء محليين عالميين على أوضاع ذوي الاحتياجات الخاصة في الدولة إلى أن هناك حاجة ماسة لوجود خدمات خاصة للفئات العمرية ما بعد الولادة وحتى 5 سنوات والتي تكون أكثر عرضه للإصابة بأمراض الإعاقة كشلل الأطفال وكذلك من هم فوق 18 عاماً الذين يكونون عرضة للحوادث التي تخلف إصابات مزمنة تسبب لهم إعاقة. وتوضح الدراسة التي أجريت في دبي أن عدد المستفيدين من خدمات التعليم والتأهيل لمن هم دون سن الثامنة عشره في دبي يبلغ ألف شخص فقط في حين أن كثيرين غيرهم مازالوا على قائمة الانتظار.

وأرجعت الأسباب المختلفة للإعاقة إلى التأخر في التشخيص وقلة مصادر التمويل وغياب الوعي عند المجتمع بحاجات ذوي الاحتياجات الخاصة وغياب برامج المساندة الأسرية للوالدين والأهل مما يؤدي إلى الانعزال عن المجتمع وعدم حصول ذوي الاحتياجات الخاصة على تعليم رسمي وبالتالي شهادات دراسية تضمن لهم العمل والاستقلالية بحياتهم.

وقالت الدارسة إن حل مشكلة ذوي الاحتياجات الخاصة يجب أن يكون شاملاً فلابد من حدوث تطوير على مستوى الأنظمة الصحية والتعليمية والتوظيف وغيرهم على أن يتم هذا التطوير بشكل متناغم لجميع الفروع.

نماذج حية

خرج محمد خميس وهو مواطن يعمل في قسم الأرشيف الإلكتروني بدائرة محاكم دبي عن الإطار المألوف الذي عوده عليه المجتمع فلم تمنعه إعاقته التي لازمته منذ كان عمره سنتان حين تعرض للإصابة بمرض شلل الأطفال من ممارسة حياته بشكل طبيعي وتمكن من الحصول على فرصة عمل بسهولة بعد نهاية دراسته

كما حرص على ممارسة الرياضة وهو في سن صغير حيث احترف رياضة رفع الأثقال التي أوصلته إلى تحقيق المركز الأول والميدالية الذهبية في دورة الألعاب الاولمبية للمعاقين الأخيرة في أثينا ليثبت للجميع أن الإعاقة ليست سوى حافز انطلق من خلاله ليحقق ما لم يقدر على تحقيقه الأسوياء.

وقال محمد خميس إنه لم يشعر يومياً باختلاف كبير بينه وبين زملائه الأسوياء إذ سارع عقب نهاية دراسته الأساسية بالبحث عن فرصة عمل ولم تكن الإعاقة مدعاة له للتخاذل والاستكانة بل كانت حافز له كي يثبت قدرته على تحقيق ما لم يقدر عليه الأسوياء

حيث نجح في حجز مكان له ضمن العاملين في محاكم دبي ولم يصادفه أي تعنت من جانب المسؤولين عند تعيينه بحجة انه معاق خاصة وانه نجح في إثبات جدارته في عمله وأظهر قدرات خارقة على استيعاب متطلباته التي كان أهمها إتقانه للكمبيوتر.

وأضاف: رياضة رفع الأثقال هي الحلقة الأهم في مشواري لتحدي الإعاقة حيث كانت بداية احترافي في عام 1996 واحتضنني نادي دبي للمعاقين وتولى مسؤولية تدريبي بالإضافة إلى مشاركتي في العديد من المعسكرات الخارجية التي ساعدتني على تحقيق مراكز متقدمة في مختلف البطولات التي شاركت بها

حيث نجحت في تحقيق المركز التاسع في أول بطولة أشارك وكانت بطولة العالم لرفع الأثقال للمعاقين التي استضافتها دبي في عام 98 وكان هذا المركز إنجاز جيد لي خاصة مع وجود عدد كبير من اللاعبين المحترفين لهذه اللعبة منذ سنوات بينما لم يمر على احترافي للعبة حتى مشاركتي في البطولة سوى عامين فقط.

كان هذا المركز، والكلام لمحمد خميس، الدافع الأكبر لي على تطوير أدائي وزيادة الجرعات التدريبية لكي أحقق إنجازاً اكبر لبلدي ولنفسي بطبيعة الحال وبالفعل قفزت في اولمبياد سيدني للمعاقين خمسة مراكز دفعة واحدة ونجحت في الحصول على المركز الرابع، وأدركت في هذه اللحظة قربي من الصعود على منصة التتويج وتحقيق التحدي الذي دخلت فيه مع نفسي بأن أحقق ما لم يقدر على تحقيقه الأسوياء حتى جاءت بطولة العالم لرفع الأثقال للمعاقين في ماليزيا عام 2002 التي نجحت فيها أن أصعد على منصة التتويج بعد تحقيقي للمركز الثالث.

واستطرد: لم أضع حدوداً لطموحاتي خاصة في ظل الدعم الذي وجدته من جانب المسؤولين والقيادات المختلفة في الدولة وهو ما نتج عنه تحقيقي للمركز الأول والميدالية الذهبية في أولمبياد أثينا للمعاقين 2004 لأسجل لنفسي ولأقراني من ذوي الاحتياجات الخاصة إنجازاً يؤكد للجميع أن هذه الفئة ليست من ذوي الاحتياجات الخاصة وإنما نستطيع أن نطلق عليها فئة ذوي التحديات الخاصة.

ويؤكد محمد خميس أن ذوي الاحتياجات الخاصة ليسوا بحاجة إلى نظرات العطف والشفقة لأنهم لا يشعرون بأي نقص ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي ولكن ما ينقصهم هو مزيد من الاهتمام وتسليط الضوء على إنجازاتهم فهم قادرون على تحدي الصعاب وتحقيق ما لم يقدر على الوصول إليه الآخرون.

ويشير إلى أن إطلاق مشروع تكامل يعد النواة حقيقية لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة وتسليط الضوء على مجهوداتهم وكذلك مطالبهم حيث يسهم بدرجة كبيرة في دمج العديد من فئات ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من التهميش ويساعدهم مثل هذه المشروع أن يصبحوا أعضاء فاعلين في مجتمعهم.

الضمان الوحيد

قال محمد خميس إن إهمال الأهالي وتدني مستويات الرعاية الصحية يعدان من أهم أسباب الإعاقة بالنسبة للأطفال فاللامبالاة في تربيتهم قد تحرمهم من أن يكونوا أعضاء فاعلين في مجتمعهم لذا فإن حرص الأهالي على توفير الرعاية الصحية المتميزة لأبنائهم في سن مبكرة يكون هو الضمان الوحيد لعدم تعرضهم لأية إعاقة تكون سبباً رئيساً في تغيير مجرى حياتهم.

كتب ـ أحمد جمال: