لاقت رسوم الأطفال فترة طويلة الكثير من صنوف الإهمال والتجاهل وسوء الفهم بسبب إدراك الكثيرين لها على أنها مجرد «شخبطة» SCRIBBLING لا معنى ولا مغزى لها وأنها مجرد تشويه DISTORTION وتحريف للواقع الذي يعايشه الإنسان. لم يلتفت البعض في تلك الفترة إلى قيمة ومعنى ومغزى الرسوم وما تحمله من خصائص وصفات تدل على سمات شخصية القائم بها بالإضافة إلى ما تحمله من تعبيرات عن العالم الداخلي اللاشعوري الذي تعجز اللغة والكلمات عن الوصول إليه ووصفه والتعبير عنه. ورغم تميز اللغة المنطوقة والمكتوبة بثراء كبير لما تتضمنه من عبارات لها دلالات ومعان وأساليب بلاغية إلا انه تظل مجرد وسيلة لإظهار ما لدى الفرد من قدرات وإمكانات لفظية وخبرات تمكنه من التفاعل والتواصل مع من حوله

وإذا نظرنا إلى التفاعل والتواصل الذي يبديه الصم الذين لا يسمعون والبكم الذين لا ينطقون يؤكد على أن هناك وسائل أخرى تمكن مثل هذه الفئات من تحقيق التوافق والتفاعل مع المحيطين بهم، وهي وان كانت اقل تعبيرا من وجهة نظر البعض لأننا نشترط أن تكون اللغة هي وسيلتنا للتواصل مع المحيطين بهم، وهي إن كانت اقل تعبيراً من وجهة نظر البعض لأننا نشترط أن تكون اللغة هي وسيلتنا للتواصل مع المحيطين بنا وان نعبر عما يدور بداخلنا بطريقة لغوية

أما إذا ما افترضنا إن بيئة الصم والبكم لا تضم إلا أمثالهم فان تفاعلهم وتواصلهم مع المحيطين بهم عن طريق الرسم يكون في أفضل حالاته وفي أقصى درجاته وهذا بدوره يؤكد على أن هناك العديد من الوسائل التي نستطيع من خلالها تحقيق التواصل مع مثل هذه الفئات وغيرها وربما كانت الرسوم هي أفضل هذه الأساليب والوسائل التي نحقق بها التواصل مع المحيطين بنا. ولا يقتصر الأمر هنا على فئة الصم والبكم ولكن يمتد ليشمل العديد من الفئات الخاصة مثل المعاقين ذهنيا والمجانين والمرضى النفسيين، كما أن الفائدة تمتد لتشمل الأطفال الأسوياء والمرضى النفسيين والأطفال الأسوياء لان الأطفال في سنواتهم الأولى يكونون في اشد الاحتياج إلى لغة أخرى للتعبير عن ما في دواخلهم ووصف مشاعرهم اتجاه المحيطين بهم لان مفرداتهم اللفظية واللغوية تكون ناقصة وغير مكتملة.

ومن هنا بدأ العلماء يهتمون بالرسوم وما تحمله من دلالات نفسية لها قيمة وفاعلية في فهم ودراسة شخصية القائم بها لأنها تعبير واقعي عما يعانيه ويعايشه الفرد في سياق حياته اليومية. ويؤكد علماء النفس على أن الطفل يميل إلى التعبير عن نفسه بطريقة تلقائية من خلال الأفعال والأنشطة أكثر من التعبير بالكلمات ولهذا فان الرسم يعد منهجا ذا قيمة بالغة وأهمية كبيرة في اكتشاف عالم الطفل وما يحمله من معان ومتغيرات ودلالات.

وعلى ذلك فان الرسوم تعتبر أدوات جيدة لفهم نفسية الطفل ومشاعره واتجاهاته ودوافعه وميوله ورغباته وتطلعاته وآماله وفكرته عن نفسه وعن المحيطين به. وتقديرا لقيمة وأهمية وفاعلية الرسوم ودورها في الكشف عن سمات شخصية القائم بها. ذهب احد علماء النفس ويدعى هامر بءححز إلى القول: دعني أقرأ ما تكتبه أو أرى ما ترسمه أقول لك من أنت. ومن هنا فإن الرسوم تعتبر أدوات وأساليب جيدة في الكشف عن سمات شخصية الطفل خاصة السمات التي تعجز اللغة والكلمات عن الوصول إليها.

والدلالات النفسية للرسوم عديدة ومتنوعة ويمكن للفاحص المدرب أن يستخلص منها ما لا يستطيع استخلاصه من الاختبارات اللفظية من معان ودلالات نفسية ولهذا فان هامر يوصى بترك كراسة الرسم إلى جانب المريض في الجلسات العلاجية فقد وجد من خلال الخبرات الإكلينيكية إن المريض يعبر أحيانا في الرسم عن عدم استعداده للحديث مع المعالج في موضوع شائك ولذا فانه يلجأ إلى رسم وجه يصرخ طالبا النجدة وتعبيرا عن رغبته في عدم الحديث في هذا الموضوع.

وقد يرسم المريض في جلسة علاجية واحدة عدة أشكال لها العديد من الدلالات والمعاني النفسية فمثلا قد يرسم شكه مثل «الاميبيا» إشارة إلى ما حصله من معرفه وقد يرسم السكين والبندقية تعبيرا عن العدوان ثم يحيط رسمه بالزينات والأعلام تعبيرا عن حاجته الملحة للشعور بالمكانة الاجتماعية والتقدير والاحترام من حوله.

والأطفال الذين لديهم تشوه جسمي أو من يعانون من وجود عاهة جسمية (جسدية) يعبرون من خلال رسومهم عن مدى إدراكهم لمستوى وحجم هذه العاهات ومنهم قد لا يعترفون بها بطريقة مباشرة على المستوى الشعوري ولكنهم يعترفون بها بطريقة لا شعورية من خلال رسومهم ومثل هذه الرسوم لها العديد من الدلالات الإكلينيكية التي تساهم في زيادة الوعي وتدعو إلى إبهار للمحيطين به كما أنها تفيد في إعطاء الطفل الفرصة الكاملة في التعبير عن مشكلاته التي يعاني منها.

ويؤكد الكثير من الباحثين وعلماء النفس على أن الأطفال الذين لديهم خبرة مع الإساءة الجنسية تكون لديهم تخيلات وتصورات ذهنية متعلقة بهذه الإساءة، وتظل هذه التطورات عالقة بأذهانهم وقد يعبرون عنها من خلال الرسم فقد يرسمون رجلا يؤكدون فيه على مظاهره الجنسية،

وهذا يعد تعبيرا ودلالة على ما أصابهم وما يتعرضون على يديه من إساءة نفسية وجنسية كما أن الإناث يملن إلى رسم خطوط ثقيلة وواضحة ومنازل حمراء اللون ويخرج منها نوافذ وعلامات، كما يميل الذكور المتعدى عليهم جنسيا إلى رسم شخص محذوف الأيدي والأصابع ويظهر من شكله الرأس فقط ولكنه يكون محاطاً بمجموعة من الدوائر ويميلون إلى الضغط على القلم ورسم خطوط واضحة وهذا يعكس ما يعانون من قلق وصراع نفسي.

وكما أن الرسوم تعبر عن شخصية القائم بها ودوافعه وانفعالاته وصراعاته ومشكلاته فإنها قد تشمل أيضا العديد من الدلالات الإكلينيكية المعبرة عن ديناميات تفاعلاته الأسرية وعلاقاته بأفراد أسرته وعلاقاتهم به ومفهومه عنهم وما يسود في هذه الأسرة من متغيرات وظروف ولان مواقف الطفل داخل أسرته لها أهمية كبيرة في نموه الاجتماعي والانفعالي والنفسي فهذه المواقف قد تنعكس بشكل كبير في رسومه لأسرته،

فالطفل قد يرسم نفسه بطرق متعددة ومختلفة عندما يشعر بأنه وحيد أو منعزل عن أسرته أو عندما يشعر أمه بصورة مبالغ فيها بشكل يوحي بأهميتها وقوتها وسيطرتها على الأوضاع داخل نطاق أسرته بينما قد يرسم الأب في شكل صغير مما يوحي بأنه عديم الأهمية في نظر الطفل وقد يرسم بعض أفراد أسرته وهم يقومون بأنشطة يغلب عليها الصراع والعنف أو لا يقومون بأي أنشطة مطلقا مما يعبر عن التفكك والانفصال والعزلة والتباعد بين أفراد الأسرة.

وأحيانا قد يرسم الطفل بعض أفراد أسرته ثم يقوم بالتخطيط والتظليل على هؤلاء الأفراد تعبيرا عن صراعه ومشكلاته معهم ورغبته بالانتقام والأخذ بالثأر منهم وعلى ذلك يمكن القول بأن الدلالات النفسية المتضمنة برسوم الأطفال عديدة ومتنوعة وعلى الباحث والاختصاصي النفسي أن يكون مدربا ومؤهلا في استخراج الدلالات المناسبة لكل حالة من الحالات القائمة بالرسم.

السيد أحمد الوكيل

ماجستير في علم النفس الإكلينيكي