تعتبر الصحافة الالكترونية شكلاً إعلامياً جديداً وفرته شبكة الانترنت بما تتيحه من سرعة عالية في الوصول الى القارئ اينما كان وحيثما حل، اذ تعتبر وسيلة اتصال متدفقة لا تحتاج الى عمليات معقدة حتى تصبح متاحة للقراء مثل الصحف المطبوعة ولا تمر على مقص الرقيب وتطير بجناحيها خارج القفص، وبالتالي فان إمكانية الوصول الى المتصفح العالمي بسيطة للغاية.

ورغم أن الحديث عن العالم الرقمي وعولمة الخدمات في ظل صحافة الانترنت اصبح ملحاً، وبرغم سهولة انسياب المعلومة وما تكتسبه الأعمال الالكترونية واستخدام الانترنت من اهمية في تقديم المعلومات الدقيقة الا ان سرعة الاستجابة في التحول نحو العالم الرقمي في الوطن العربي دون المستويات المتوقعة رغم المحاولات الجادة هنا وهناك.

هل استطاعت المؤسسات الاعلامية العربية الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية الجديدة في التصدي للصور النمطية التي تتعرض لها الأمة الإسلامية؟

من وجهة نظر البروفيسور ديفيد ويفر استاذ برنامج روي هوارد في بحوث الصحافة والاعلام في كلية هوارد في بحوث الصحافة والاعلام في كلية الصحافة بجامعة انديانا بالولايات المتحدة الاميركية ان زيادة المعرفة عن الاخرين امر طيب حتى ولو ادى الى فهم اكبر للفروق بين الطرفين طالما ان هذا الاختلاف يستند الى معلومات دقيقة ومتوازنة وبعبارة اخرى يستند الى تقارير موثوقة ومشروعة يمكن التحقق من صحتها،

ولكن يرتبط هذا الامر كما يرى ويفر بدور صحافة الانترنت والإعلام الجديد في تعزيز التفاهم بين العرب والغرب، معتقدا انه يجب التركيز على الوسائل والمضامين التي تحملها وسائل الإعلام أكثر من التركيز على تلك الوسائل ذاتها، فشبكة العنكبوت الدولية وصحافة الانترنت هي في نهاية المطاف ليست سوى قناة أخرى لنقل الرسائل الإعلامية وما يهمنا حقا هو المضمون الذي تحمله تلك الرسائل،

مؤكدا ان احد ابرز الجوانب الايجابية التي لا يمكن انكارها في صحافة الانترنت والاعلام الجديد تتمثل في قدرتها على توفير رجع صدى فوري من مستقبلي الرسائل، موضحا ان غالبية الدراسات التي أجريت على صحافة الانترنت قد وجدت ان القدرات التفاعلية لهذه الوسائل لم تستغل بعد بشكل كامل.

منبر حر

وقال البروفيسور ديفيد ويفر ان الصحافة الالكترونية هي منبر لتبادل الآراء بسبب خاصيتها التفاعلية وسرعتها العالية واتساع رقعة انتشارها إلا أنها لا يمكن أن تحقق تفاهما كليا بين العرب والغرب أو بين فئات الشعوب التي تفرقها المسافات والأديان غير أن التكنولوجيا الجديدة متمثلة في الشبكة العنكبوتية والبث التلفزيوني الفضائي وصحافة الانترنت يمكن ان تساعد في جسر الفجوات الموجودة وتحقيق تفاهم اكبر اذا ما استخدمت بطريقة تنم عن مسؤولية اجتماعية وصحافية،

مضيفا انه يمكن للصحافة ان تلهب المشاعر وان ترفع من مستوى الاثارة وان تتصرف بشكل غير مسؤول وان حدث هذا فان الصحافة ستصاب بكارثة ذات ابعاد عالمية ومناخية اخرى يمكن للصحافة ان تؤدي واجباتها في العالم الجديد الذي يحاول ان يرى النور ويمكنها ان تخلق مجتمعا عالميا من خلال تزويد الناس بالمعرفة عبر تعزيز فهم أفضل لأهداف المجتمع الحر الذي سيحتضن الناس جميعا.

صورة متوازنة

ويأمل استاذ الإعلام في جامعة انديانا الاميركية ان تساعد صحافة الانترنت البشر جميعا لفهم بعضهم البعض وان يعملوا معا في اطار اوسع من التعاون غير انه يعتقد ان هذا لن يحدث الا اذا استخدمت هذه التكنولوجيا في توفير صورة متوازنة وحقيقية عن العالم العربي والغربي وان تسهم في بناء علاقات بين الطرفين مبنية على الصدق والدقة والنزاهة.

ويحث الدكتور جبار العبيدي وهو استاذ في كلية بريدج ووتر ستيت في ماساتشوستش في بحث له في المجلة الدولية للاعلام التعليمي العرب على استثمار الحقبة الجديدة من تكنولوجيا المعلومات والاعلام لتطمين الشرائح الصامته ان صوتهم سيسمع ويقول ان مؤسسات الاعلام الدولي تخدم الان اهدافا متعددة وهي تقوم بتقديم المعلومات والاخبار المحلية والوطنية والدولية مقرونة بوجهات نظر مختلفة وهو ما يساعد المشاهدين والقراء على الالتحام بحوارات نوعية حول قضايا العالم.

غير انه لا يمكن القول ان جميع الباحثين العرب هم متفائلون اذ تقول نهى ميلر وهي اعلامية تعيش في المهجر في كتاب لها حول صناعة الاخبار العربية ان عددا من الباحثين العرب قد حذروا من الاهتمام المفرط للإعلام بالفئات النخبوية في المجتمع على حساب المناطق الريفية،

وتستنتج ميلر من مراجعتها لعدة دراسات حول الإعلام العربي ان معظم الصور تظهر الجوانب السلبية فقط وليس الايجابية من المجتمع وهي في معظمها لا تعكس الواقع وهي تعمل على تضخيم العواطف والاثارة وبالطبع ينسحب نفس القول على الاعلام الغربي في تغطيته لمناطق اخرى في العالم بما فيها مناطق العالم العربي فهذه الصور التي تنقلها وسائل الإعلام بالتأكيد لا توفر صورة متوازنة وشامله للفئات المختلفة في المجتمع وهي بهذا لا تعمل على تعزيز التفاهم بين الشعوب.

وقالت ميلر ان الرقابة لا تزال عقبة رئيسية أمام حرية التعبير في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن الصحافيين يعتقدون أن الضغوط السياسية مضافا إليها التأثير المحدود للصحافة على الرأي في المنطقة يشجع على ممارسة مزيد من الرقابة والسيطرة.

وفي هذا السياق يمكن القول ان هناك تطورا ايجابيا في مسيرة تعزيز التفاهم بين العالم الغربي يتمثل في اطلاق قنوات فضائية عربية، تقوم بنقل وجهة النظر العربية حول كل ما يجري في المنطقة، كما انها تحتوي على كم كبير من البرامج الحوارية ولكن مشكلة البرامج تتمثل في كونها تركز على قضايا اقليمية ولا تصل الى الجماهير الإعلامية في الدول الغربية ومن هنا فان تأثيرها يظل محدودا جدا رغم أن القنوات يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز التفاهم بين العرب أنفسهم.

صوت الحقيقة

من جانبه قال الدكتور إسماعيل البشري مدير جامعة الشارقة في كلمته التي القاها في مؤتمر صحافة الإنترنت في الوطن العربي بتنظيم من كلية الاتصال الجماهيري في الجامعة ان ثورة المعلومات بما تحمله من تحولات مثيرة في الحياة الانسانية تمثل حقبة مهمة في تاريخ البشرية المعاصرة، لانها احدثت نقلات سريعة وعميقة ليس فقط في اساليب الاتصال والتعامل مع المعلومات بل في انماط التفكير التي أضحت اكثر عقلانية وشفافية وتفاعلية وهي ثورة قادت البشرية الى التحول الى قرية عالمية تسري في اوصالها الشبكات المعلوماتية المتنوعة لتمدها بالحركة والديناميكية التي تحفظ لها استمرارها وتطورها المستقبلي،

معتقدا انه في ضوء الانتشار المتسارع لشبكة الانترنت للمعلومات وتدافع المؤسسات الاعلامية في المنطقة للافادة من التكنولوجيا في تعزيز مواقعها في المجتمعات بهدف الوصول الى جماهير متنوعة داخلية وخارجية غدت الشبكة حلبة جديدة للمنافسة الاعلامية بين عمالقة الاعلام في العالم والمتعطشين الى الاستحواذ على عقول وافئدة الجماهير في كل مكان.

واكد مدير جامعة الشارقة على ان رسالة صحافة الانترنت خاصة ورسالة الاعلام عامة لابد ان تكون رسالة ملتزمة بالقيم النبيلة والقيم الانسانية السامية التي تحض على العدالة والمساواة والحفاظ على الهوية الثقافية والقومية، داعيا قطاع صحافة الانترنت ان يظهر قدرا كبيرا من المسؤولية في التعاطي مع قضايا المجتمع وان يحتكم دائما الى المباديء الاخلاقية التي يستند اليها المجتمع في حياته، فالاعلام من وجهة نظره ليس مجرد تقنية رقمية صماء بل هو رسالة نابضة بالحياة وقيمها النبيلة وجد لكي يكون صوتا للحقيقة وليس منبرا لتبرير الظلم والعدوان وهضم حقوق الاخرين.

«علاج التشويه الذي يمارسه الاعلام الغربي يكمن في ضخ المزيد من المعلومات وليس التقليل منها وفي الاستخدام الأمثل والأكثر مسؤولية لهذه الوسائل»:بهذه الكلمات بدأ الدكتور عثمان العربي من جامعة الملك سعود في الرياض - كلية الاعلام حيث قال نستطيع ان نقوم بالعديد من الخطوات اذا اردنا ردم الفجوة وتقريب وجهات النظر اولها مخاطبة الاخر بلغته وللاسف فان غالبية المواقع باللغة العربية وبالتالي فان خطابها قاصر على ابناء الوطن العربي وناطقي اللغة اضافة الى ضرورة مخاطبة الجماهير الغربية بأساليب خاصة وتكييف رسائلنا بما يتلاءم وطريقه تفكيرهم مع الاخذ بعين الاعتبار عدم المساس بمصالحهم .

عقود زمنية

الدكتور خالد غانم الاستاذ في جامعة الازهر في مصر قسم العلوم البيئية ورئيس تحرير شبكة البيئة الان الالكترونية وهي اول جريدة بيئية الكترونية وان كان يوافق المؤكدين بأهمية دور الصحافة الالكترونية في تقريب وجهات النظر الا انه يرى بان سيكون بعد عقود زمنية حيث تواجه صحافة الانترنت تحديا كبيرا كي يثبت جديتها ومصداقيتها في توسيع رقعة حرية الاعلام والتعبير والمساهمة الفعلية،

غير ان ما ينبغي ان نتدبره لمواجهة هذا الغزو المعلوماتي الجميل والحديث ما زال للدكتور خالد غانم هو ان نستثمره خير استثمار وان نستفيد منه بالقدر الذي يؤهلنا لنقف في مواجهة السيل الجارف من الاتهامات الغربية بحق العالم العربي والاسلام بالتحديد

تحقيق ـ نورا الأمير: