«الأخت الكبرى يطلق عليها أحياناً الأم الصغرى أو مصيدة الأخطاء» تقوم بمكانة الام لإخوتها الصغار وترعاهم بكل حنان وتضطر أحياناً إلى إغفال دراستها مقابل أداء واجباتها الأسرية نحوهم مما قد يؤثر على مستواها الدراسي وقد تؤخر زواجها للتفرغ لخدمتهم، حيث تقع على عاتقها مسؤولية البيت وتتراجع ادوار الأم لتأخذ مكانها الإبنة الكبرى التي تتولى القيادة وتصبح «سيدة المنزل». وفي آونة أخرى تكون على النقيض من ذلك وتحول حياة الأسرة إلى «جحيم» ويصعب التعامل معها وتكون بالنسبة لإخوتها فخاً منصوباً لتصيد الاخطاء.
بين الحالتين شعرة قد تكون لها أسباب يجب بحثها حيث إنها ظاهرة اجتماعية ارتبطت بطبيعة النظم الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المجتمعات العربية كما ارتبطت بتقسيم العمل والتخصص، فقد كانت المجتمعات العربية ريفية تقليدية تتسم بالترابط والتضامن الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية الأولية المبنية على أساس العلاقات الحميمة.
ويرى الدكتور احمد العموش أستاذ علم اجتماع في جامعة الشارقة أن الأدوار التي أخذتها الأم الصغرى ليست ادوارا حقيقية بل وهمية وخرافية فقدت فيهاالطفلة دورها الحقيقي كطفلة وباتت تمارس حياتها الطبيعية وحياة المراهقة التي تشكل هذه الطفلة شخصياتها ، إنها نكران الذات والتخلي عن الأنا والتضحية بالمشاعر والعواطف إلى مشاعر جامدة وقاسية وأحيانا تكون بعيدا عن المشاعر الإنسانية. ومع مرور الأيام تخسر الفتاة ذاتها وتبقى الخاسر الأكبر وتصبح ملتصقة بدورها الوهمي إنها الضحية المنسية عاشت من اجل الآخرين.
وتعتقد نادية السيد الاختصاصية الاجتماعية في مدرسة أم خلاد التأسيسية في عجمان أن هناك العديد من السلبيات في ترك الأعباء والمسؤوليات على البنت الكبرى والتي تستوجب النظر إليها بعمق وإمعان لقياس الآثار المترتبة عليها سواء كانت سلبية أم ايجابية فقد تشعر الطفلة بعبء اكبر من طاقتها أحيانا كما قد يشعر أخوتها بان هناك غيابا من جانب دور الأم الحقيقية وممارسة مبكرة من جانب أختهم الكبرى فيشعرون بالعداء نحوها أحيانا ويأخذون دورها على أنها متسلطة أحيانا أخرى وينتج عن ذلك الكثير من المشاكل والقضايا والاحباطات بالنسبة للبنات أو البنين أو الاثنين معا كما أن الابنة الكبرى تحرم من تمتعها بممارسة حقوقها الطبيعية كمن هم في سنها.
وقد يكون ذلك سببا في تأخر ارتباطها او تكوين علاقات مع الجنس الآخر او التبكير بالزواج وقد تتقمص شخصية الأم غالبا وهذا يصيبها بالتعب والغضب وربما الإهمال في صحتها حيث يكون جل اهتمامها منصبا على شؤون المنزل دون النظر لنفسها وحياتها الخاصة.
وترى ان علاج هذه الحالة يكمن في تيقظ الأم إلى طبيعة ابنتها وسنها وخصائص مراحل نموها ومتطلبات حياتها بحيث يسند إليها جزء من الأعباء والمسؤوليات وليس كلها وتوزيع البعض الآخر على شقيقاتها حتى لا يكون التركيز على البنت الكبرى سببا في آثار سلبية على شخصيتها وحياتها الخاصة مستقبلا.
وبالرغم من تشجيع نقل بعض المسؤوليات إلى البنت الكبرى الا أننا ننبه إلى بعض المحاذير التي سبق ذكرها ومراعاة التوازن والاعتدال والوسطية ويمكن للام الناضجة المتعلمة التنبه إلى ذلك بسهولة ، ولعل معرفتنا بان الطفل الأول يكون دائما حقل التجارب للوالدين حديثي العهد بالحياة الأسرية وهذا بالطبع يترك بصماته السلبية على شخصية هذا الطفل فاذا لم يتنبه الجميع الى طبيعة ممارسة كل عضو لدوره وبالتالي تكامل الأدوار بين أفراد الأسرة يكون الفشل هو الناتج الأخير.
الضحية المنسية
ويحمل الدكتور عبد اللطيف بن حيدر عميد كلية التربية في جامعة الإمارات وجهة نظر مغايرة إذ يرى أن تكليف الأخت الكبرى بمهام المنزل يدخلها معترك الحياة العملية مبكرا وبالتالي اكتساب خبرات لم تألفها بحيث تجد نفسها أكثر إدراكا من أقرانها فعمر الإنسان يقاس بخبرته وكلما ازدادت الخبرة كلما ازداد نضجا، أما الجوانب السلبية لهذه الوسيلة التربوية تتمحور في حرمان الأم الصغرى من ممارسة حياتها وتضطر لتقمص شخصية الكبير مما يحرمها من الاستمتاع بطفولتها وهو ما قد يظهر في مراحل سنية متأخرة وما يعرف بالطفولة المتأخرة.
ويعتقد الدكتور حسن الخميري تخصص أصول التربية في جامعة الإمارات ان التأثيرات السلبية لمثل هذا الاتجاه التربوي قد لا تظهر للعيان بشكل فوري لكن المردود السلبي يكون في المستقبل اشد وضوحا وأكثر تعقيدا لان صاحبته لم تمر في المراحل العمرية بشكل طبيعي وتحملت خلال سنوات عمرها الماضية مسؤوليات جسام لا طاقة لها بها والأغرب أن تصبح الأم ذاته هي السوط الذي يجلد هذه الفتاة إذا ما قصرت أو غفلت أو أخطأت متناسية أن الفتاة بالأصل صغيرة وتحتاج أيضا إلى رعاية ومتابعة.
وقال إن تحميل الأخت الكبرى والأطفال قدرا من المسؤولية هو جزء من التربية لكن المشكلة هو التكليف التام والمعاقبة وقت التقصير، مشيرا إلى أن الأم الصغرى قد تحقد على إخوتها كونهم سلبوها حق العيش حرة دون مسؤوليات إضافة إلى ظهور مشكلات اجتماعية قد تصاحبها عند الكبر إذا لم تتاح لها الفرصة كي تبني نسيجا من العلاقات الاجتماعية وهو ما ينسحب عليها عندما تكبر.
وطالب بمنح الأطفال حق اللعب ومتابعة التلفاز والخروج مع الأصدقاء والصديقات وذلك لمنح الصغير او الصغيرة فرصة لتنمية المواهب والطاقات لان التواصل واللعب هما الوسيلتان التي ينمي فيها الطفل مداركه ويتعلم عن العالم المحيط به، داعيا الأمهات العاملات الا يقعن في فخ الانشغال بالوظيفة لان تربية الأبناء أمانة في أعناقهن ولا يجوز أن يأخذ دور الأم لا ابنة ولا خادمة لان الأم هي المحور الأساس في الأسرة وتنشئة الأبناء التنشئة السليمة.
ختام سليم وهي ام لثلاثة اطفال الكبرى في ربيعها الثالث عشر واثنان لم يتجاوزا الثامنة من العمر تقول: اضطرتني ظروف الحياة الصعبة الاعتماد على ابنتي الكبرى لرعاية اخوتها سواء من الناحية الغذائية او الدراسية وحتى التربوية لان طبيعة عملي تدفعني للبقاء خارج المنزل لاكثر من 12 ساعة.
وتضيف الوضع ليس سليما تربويا لكن الحاجة قد تدفعك للقيام ببعض التضحيات ورغم تقدير ابنتي لما افعله وتجاوبها معي إلا أنني اشعر بالأسى لأنها تحتاج في كثير من الأوقات إلى أن تخلو بنفسها او تخرج مع زميلاتها لكن ارتباطها بأخوتها يمنعها من فعل أي شيء، مؤكدة ان احد أهم السلبيات التي تمخضت عن ذلك تدني مستوى أبنائها الدراسي اذ تبقى الأخت الكبرى غير قادرة على متابعة دروسهم بل تحتاج هي الى من يتابعها إضافة إلى فقدان التواصل الوجداني بينها وبين أبنائها فضلا عن سخط داخلي يعتري ابنتي من جراء تحملها عبء المنزل في غيابي .
أما نوال فتقول أحب إخوتي واقدر ما تفعله أمي لنا لكنني إنسانة ولي حاجات نفسية لا استطيع ان أقوم بها لأنني ببساطة مسؤولة أمامها إذا حدث أي خطأ أو ارتكب أخواتي أي شيء و أبقى متيقظة وقلقة من حصول مكروه لأحدهم وهذا الإحساس يقتلني حتى وأنا نائمة فالكوابيس لا تفارقني.
وذكرت ان اسعد اوقاتها عندما تكون في المدرسة بعيدة عن المنزل وهمومه على حد تعبيرها وتكره الصدام الذي يقع بينها وبين اخوتها عندما يقولون لها انت لست امنا ولا تملي علينا ما تريدينه. وتتابع: اتمنى ان اخرج من هذه العباءة التي وضعت قصرا فيها اريد ان انطلق اسوة بزميلاتي وان تكون أمي هي من ترعاني فأنا المنسية هنا ولا احد يشعر بما اعانيه يوميا.
افرازات المدنية الحديثة
عزه خليل ام لطالبين في مدرسة النور الدولية في الشارقة ترى ان الاعتماد على الابن والابنة الكبرى احد افرازات المدنية الحديثة وسطوة المادة وغلو الحياة التي اضطرت الام للخروج الى العمل ومساعدة الاب لسد احتياجات الحياة ومتطلباتها المتزايدة ،
مضيفة انها ظاهرة تنفرد بها المجتمعات العربية دون غيرها بسبب طبيعة حياة المجتمعات العربية المسلمة وتماسك الاسر فيها كما تتفاوت نسبتها ايضا من جنسية عربية إلى أخرى، لافتة وهي من جمهورية مصر العربية ان الزام البنت الكبرى بمهام وأعباء المنزل تكثر في مجتمعهم خاصة مع ارتفاع نسبة الفقر واضطرار غالبية الأمهات للخروج إلى العمل
الشارقة ـ نورا الأمير:
