ثمة جانبان لكل صراع، إلاّ إذا كان المرء يعتمد على وسائل الإعلام الأميركية لاستقاء المعلومات حول حرب لبنان. فقد تم إخضاع المشاهدين لوجبات من التغطية الإعلامية المتحيزة التي تعامل الإسرائيليين باعتبارهم الجانب الطيب وعدوهم حزب الله باعتباره تجسيداً للشر.

لو كانت هذه الأوقات عادية، فقد يبدو الرأي العام الأميركي تجاه الصراع في لبنان أشبه بمشاهد الشوارع التي ضجت بها ضواحي مدينة ديترويت أخيراً. في ديربورن، موطن شركة فورد موتورز وأكبر تمركز للعرب الأميركيين في البلد،

كان يخرج أكثر من 1000 شخص يومياً للتعبير عن غضبهم على الحملة العسكرية الإسرائيلية وحزنهم على الخسائر البشرية من المدنيين في لبنان. وفي أحد الاحتجاجات في أواخر يوليو، ظهر15000 شخص من العرب الأميركيين في بحر من الأعلام اللبنانية، إلى جانب الشعارات المناهضة لإسرائيل وبوش.

وفي غضون ذلك وعلى بعد بضعة أميال إلى الشمال، في ضاحية ساوث فيلد التي يتركز فيها اليهود، كانت هناك احتجاجات مضادة عزف فيها النشيدان الوطنيان الأميركي والإسرائيلي وقد أكد المتظاهرون على أن بقاء إسرائيل هو من يعد على المحك وليس بقاء لبنان.

وهذه ممارسة عادية للخطاب الحر في مجتمع منفتح، هكذا قد يعتقد المرء. ولكن هذه الأوقات ليست عادية. فاحتجاجات ديترويت قد اعتراها الشك والخوف غير المبرر في كلا الجانبين. وقد استخدمت عدة مؤسسات يهودية في المنطقة، بما فيها مركزان اجتماعيان، وعدة معابد، موظفي أمن خاصين رداً على حادثة في سياتل في أواخر يوليو، حين توجه رجل مختل عقلياً إلى مبنى فيدرالي يهودي وفتح النار، موقعاً بذلك قتيلاً وأربعة جرحى آخرين.

وفي الجانب العربي الأميركي، عبر كثيرون عن ترددهم في المشاركة في التظاهرات الاحتجاجية خوفاً من احتسابهم من أنصار حزب الله الذي يندرج في قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية. (ونتيجة لذلك، فإن الأصوات التي تم سماعها خلال المظاهرات كان يغلب عليها طابع التشدد).

فهي لا يروق لها النقاش حول آرائها السياسية في أي منتدى عام، عقب الكشف أخيراً بأن وكالة الأمن الوطني كانت تتنصت على المكالمات الهاتفية وتراقب رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة باعتبار أن هذا الأمر جزء من الحرب على الإرهاب التي تقودها إدارة بوش.

وهي متخوفة أيضاً من التبرع بالمال لمساعدة الضحايا المدنيين جراء الحرب في لبنان بسبب التدقيق المكثف الذي يتم إخضاع المؤسسات الخيرية الإسلامية والعربية له منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

وقد اتهمت إدارة بوش 40 جمعية خيرية على مستوى العالم بأنها تمول الإرهاب، واعتقلت وأبعدت العشرات من الأشخاص العاملين مع هذه الجمعيات. ونتيجة لذلك، وبينما كانت الجمعيات الخيرية من أمثال الجمعيات اليهودية المتحدة منهمكة بجمع 300 مليون دولار لمساعدة العائلات المتضررة من صواريخ الكاتيوشا التي أمطرها حزب الله على شمال إسرائيل، فإن التبرعات إلى الضحايا اللبنانيين كانت قليلة جداً.

أما خارج ديترويت وقلة من المدن الأخرى التي تضم جالية عربية كبيرة ، من الصعب اكتشاف أن هناك جانبين للصراع بأية حال. فاحتجاجات ديربورن لم تلق أي اهتمام تقريباً على المستوى المحلي، وعندما كانت تلقى الاهتمام فإنها كانت عادةً لاتهام المشاركين بالمتشددين والمدافعين عن الإرهاب، إما لأنهم عبروا عن دعمهم لحزب الله أو لأنهم حملوا الشعارات التي ظهر فيها الصليب المعقوف يحل محل نجمة داوود في وسط العلم الإسرائيلي.

لم تترك وسائل الإعلام- بوجه عام- أية شكوك في أذهان غالبية مستهلكي الأخبار الأميركيين بأن الإسرائيليين هم الأخيار، الضحايا المضطهدون، في حين أن حزب الله هو تجسيد للشر ذاته الذي كان مسؤولاً عن تدمير مركز التجارة العالمي، ومنظمة بلا قلب أو هوية يعد تدميرها غاية في الأهمية لدرجة أنه يمكن أن يبرر كل الدمار الذي ألحقته إسرائيل بلبنان ومدنييه.

بقلم: أندرو غامبل

ترجمة : كوثر علي

عن «اندبندنت»