أظهر استطلاع بين صفوف الطلبة وعيا ونضجا كبيرين خلال السنوات العشر الماضية بأهمية استكمال المشوار الدراسي أولا ثم الالتحاق بالوظيفة فالاستعداد للولوج في الحياة الزوجية من مختلف الجوانب نفسياً ومادياً واجتماعياً وأبدت العديد من الحالات عدم توافقها مع الزواج في المراحل العمرية المبكرة وظهر عليها الندم وروت تجارب مريرة عن الفشل في الجمع بين الأمرين خاصة بعد إنجاب الأطفال في الصغر مما يصعب مهمة الوالدين خاصة الألم ويعرقل الطموح.
واتفقت مجموعة من الشباب والشابات على أن الغلاء المعيشي السائد مع عدم الاستقلال المادي عن الأهل بالاضافة الى التخوف من عدم الالتزام بالواجبات الأسرية العديدة وراء عزوف الشباب عن الزواج خلال الدراسة . ورفضت روضة محمد في الصف الثالث الثانوي فكرة اقبال الشباب على الزواج خلال الدراسة لأنه قد يتسبب في تراجع المستوى الدراسي للطالب في معظم الأحيان لتعدد الالتزامات والواجبات المفروضة على المرء
ويكون مطالباً بأداء حقوق الزوجة والأبناء الى جانب ارتباطه بالمدرسة أو الكلية وكل ما يتصل بها من اعداد للفروض والأبحاث شبه اليومية والانضمام للدورات التدريبية. وقالت إن التجربة العملية أثبتت لها صحة رأيها بعد أن أبدت لها احدى القريبات ندمها الشديد على زواجها المبكر قبل أن تنهي مرحلة الثانوية العامة،
وسرعان ما أثقل كاهلها بأحمال ومسؤوليات الزوج والأمومة وبيت الزوجية تعثرت معها محاولتها الحثيثة لاستكمال الدراسة حتى على نظام المسائي أو المنازل لأن الوقت لايتسع لها للاستذكار، مضيفة أنها تعلمت كثيرا من هذه التجربة المريرة التي أعطتها دفعة الى التفوق والتميز في الدراسة بعد أن تبين لها أن البعض حرم من هذه النعمة
وهي نعمة العلم، أما فيما يتصل بالزواج والأمومة فان الوقت لايزال مبكرا اذ تراودها الكثير من الطموحات لتحقيق مستقبل مهني بعد التفوق الدراسي حتى تصبح عضوا فاعلا في مجتمعها وتساهم من خلال عملها في مسيرة التطوير والتنمية التي تنتهجها بلادها دولة الامارات .
الطموح المهني
وأعرب جاسم حسين الذي التحق بركب سوق العمل منذ سنوات مضت بوظيفة تتناسب ومؤهلاته أعرب عن تفهمه الى أن هناك أسبابا قد تدفع بعض الشباب الى الزواج في سن ومرحلة لم يتهيأوا خلالهما بعد لتحمل أعباء الجمع ما بين الزواج والدراسة معا ، ولكن ذلك لايعني بأي حال من الأحوال أنه القرار الصائب ، لأن الزواج في حد ذاته مؤسسة مقدسة تبني من خلالها أسرة تضاف الى بنية المجتمع الذي تعيش فيه ،
وحتى تكون هذه اللبنة صالحة لابد من آداء الواجبات على أكمل وجه ، خصوصا مع تعدد الأطراف في هذه العلاقة من زوجة وأبناء في أفضل الأحوال ان لم تكن الأسرة ممتدة ، أما فيما يتعلق بالدراسة فانها تلزمك هي الأخرى بمسؤوليات لا عد لها ولا حصر،
من فروض وواجبات مدرسية أو اجراء واعداد الأبحاث بالنسبة للطالب في مرحلة الكلية والدراسات العليا لذلك عليه أن يكون متفرغا تماما ليتمكن من احراز تفوق وتميز في دراسته خصوصا وأنه لايزال في العمر المثالي والقدرات الذهنية والنفسية المناسبة لاستكمال الدراسة .
وأوضح أنه شخصيا يطمح في تحقيق مستقبل مهني أفضل لنفسه خلال السنوات المقبلة حتى ينجح في تأسيس أسرة مستقرة ، لأن الغلاء المعيشي لا يتيح فرصة لأولياء الأمور في يومنا الحاضر الا لتأمين الاحتياجات الأساسية لأفراد الأسرة الواحدة وبالكاد من مسكن وغذاء وملبس ، لذلك لايرغب في أن ينضم لهذه الشاكلة من الأسر المرهقة والتي ستتحول الى معدمة خلال فترة وجيزة اذا ما استمرت موجة الغلاء المستفحلة في السوق.
الماجستير والدكتوراه
رغم عدم تأييده للزواج خلال الدراسة غير أن صادق ناجي أصر على أن الزواج من وجهة نظره لا يعرقل السعي لتحصيل شهادتي الماجستير والدكتوراه ، وعلل جاسم هذا الاستثناء بأن الانسان في هذه المرحلة بلغ مستوى كبيرا من النضج والقدرة على تمييز الصحيح والخاطئ من قراراته المصيرية من خلال التجارب العديدة التي خاضها في حياته ،
وكونه اختار أن يحصل على هاتين الدرجتين العلميتين أو احداهما خلال زواجه أكبر دليل على استيعابه واستعداده لما هو مقبل عليه من مسؤوليات جسام، وأشار الى أن رجولته تمنعه من ارتباطه بزوجة وأطفال من ثم مواصلة الاعتماد على الأهل في توفير المصاريف والمتطلبات الأساسية لهم جميعا، ويفضل أن يعمل وأن تساعده زوجته من خلال عملها اذا ما استكملت دراستها ليعيلا معا أسرتهما .
العلم أولا
(الدراسة والعلم بمثابة السلاح الذي تذود به الفتاة في المجتمعات الشرقية عن نفسها اذا ما دارت عليها الدوائر، وبدونه تصبح كالمشلولة والعاجزة عن اتخاذ القرارات المصيرية في حياتها لتدع الآخرين يتحكمون بها ) هكذا استهلت الطالبة ايمان الفاتح حديثها حول موضوع زواج على المقاعد الدراسية ، مضيفة أن أهلها شجعوها وبقية اخوتها على تحصيل العلم لأن الزواج يأتي بسهولة بعدها ،
ولا ننسى أن الكثير من المقبلين على الزواج من الشباب أصبحوا يشترطون أن تعمل زوجاتهم في ظل الغلاء المعيشي المتزايد ، وقد غدوا واقعيين أكثر من قبل بعد أن تحولت العديد من المفاهيم والعقليات البالية والمغلوطة الى تحف وأنتيكات في خضم واقع يتطلب منا أن نصبح أكثر ديناميكية وانفتاحا من غير انحراف عن التعاليم الدينية ،
وقالت ان بعضا من زميلات المدرسة استعجل الزواج وتحولن الى أمهات من غير حتى أضعف الايمان وتقصد هنا شهادة ثانوية عامة ، وتساءلت عن الكيفية التي سينشئن بها بناتهن وأبنائهن وحثهم على الدراسة والتفوق دون أن يقدمن هن لهم مثالا يحتذى به كأم متعلمة حتى وان لم تكن بالضرورة عاملة .
صاحب بالين
وأشارت سمية المندوس طالبة في الثاني ثانوي إلى أن احدى صديقاتها فقدت تماما شهيتها الدراسية طوال العام الدراسي الماضي بعد مجرد عقد قرانها على أحدهم ، بسبب انشغالها الدائم بالتفكير في الزواج ورسم صور مختلفة عن توقعاتها للزواج والاستعداد له والعرس والأمومة وغيرها من الأمور التي ستلحق بعقد القران والتي ألهتها في الوقت نفسه تماما عن دراستها التي تراجعت في سلم الأولويات بعد أن كانت تتربع على عرش المرتبة الأولى ،
ولك أن تتخيل ما يستجد على هذه الفتاة من أحوال بعد الزواج الذي لم تدخل عوالمه بعد ومع ذلك تملكتها حالة من الشرود الدائم من هول المسؤوليات التي سينوء بها كاهلها ، ووجهت سمية نصيحة الى الطلبة في المراحل الدراسية بأن ينجزوا على الأقل الثانوية العامة التي تعد مفتاحا للتخصص الدراسي فيما بعد ،
كما أن سوق العمل تقبل هذه الشهادة في المجالات المختلفة ، لأن المستقبل غير مضمون لا بالزواج ولا بدونه واستعانت في ختام حديثها بالمثل الشعبي الشهير ( صاحب بالين كذاب) بمعنى أن الطالب لن يتمكن من تحقيق النجاح في أي من الأمرين.
رفقا بالأهل
وقال فيصل السويدي طالب في الكلية التقنية أنه في غنى عن تحمل المزيد من الضغوطات والملهيات خلال مواصلته لدراسته الأكاديمية لأنه يطمح لأن يبنى لنفسه مستقبلا زاهرا أسوة بالكثيرين ممن تخرجوا من الجامعات ويعتلون اليوم مناصب رفيعة أهلهم لتقلدها عملهم الدؤوب وتميزهم في العطاء ،
وفي وسط هذه الخطط الطموحة والسعي الجاد لايرغب في أن يضع أية معوقات وتحديات قد تحول دون وصوله لها ومن بينها يأتي الزواج والأبوة والمسؤوليات العظيمة المنوطة بهما ، ولأنه انسان يبالي كثيرا بأهله لايود أن يتسبب لهم بأي احراج يذكر معهم عن طريق الزواج خلال الدراسة ،
أما اذا ما نجح في تحقيق كافة طموحاته فيما بعد فانه لايرى ما يمنع اقباله على الزواج ببنت الحلال وسيفكر بها باستكمال الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه . وذكر أن له بعض الأصدقاء ممن تزوجوا خلال تواجدهم في المقاعد المدرسية وانقطعوا عن الدراسة بعدها
كما لم يوفقوا في حياتهم الزوجية بسبب سكنهم مع الأهل ليشكلوا عبئا اضافيا عليهم بعد تعدد الأبناء ولم تخف وطأة تلك الأزمات الا بعد عثورهم على عمل متواضع بسبب غياب المؤهلات العلمية والخبرات العملية ، مما أدخلهم في دوامة غلاء المعيشة التي يعاني منها حتى ذوي الدخول المتوسطة .
عائشة محمد فتاة طموحة تجمع ما بين العمل والدراسة دون أن تقصر في أي منهما ، وبينت أن ظروفها دفعتها للعمل فيما لاتزال في المدرسة وحبها منها في العلم اتجهت للعمل دون أن تتنازل عن العلم لأنه نور كما تقول ،وأضافت أن التفكير في الزواج حاليا يعد أمرا مستبعدا بالنسبة لها ، لأنها ملتزمة بأسرتها أولا وتحصيلها العلمي ثانيا، وبعد أن تحصل على وظيفة تتماشى وتخصصها الجامعي ستطرح الزواج موضوعا للنقاش والتفكير.
مؤسسة ناجحة
وصفت علياء علي أن الزواج نصف الدين الآخر ومن خلاله يؤسس المرء كيانا يسعى لأن يكون ناجحا بكل المقاييس، ولكن لكل وقت آذان كما يقال أي أنها تفضل أن تتزوج الفتاة أو الشاب في الوقت المناسب الذي معه يكون على أهبة الاستعداد لانجاح هذه المؤسسة الهامة ، ولاتتصور أن انشغال الطلبة بدراستهم عامل نجاح للزواج وحتى العكس غير صحيح أن أن الزواج لايعزز التفوق الدراسي في معظم الأحيان،
أو على مستوى التجارب التي شاهدتها بأم عينها في المجتمع . وقالت أن الكثير من أولياء الأمور لم يتمكنوا من استكمال دراستهم في السابق وسارعوا للزواج بسبب مجموعة من المعطيات ، من بينها أن عمل المرأة لم يكن ضروريا آنذاك بل أنه لم يكن محبذا على الاطلاق، الى جانب أن الوظائف كانت متاحة أكثر من الوقت الحالي حتى لو لم يكن معك سوى الشهادة الثانوية أو الاعدادية ،
أما الآن فان العثور على وظيفة مناسبة أصبح بشق الأنفس ، حتى لو بلغت العلا وسهرت الليالي وحصلت على الدكتوراه ، لذلك فقد حدث تغير في المفاهيم المتداولة وأقبل الشباب والشابات على العلم وبعدها العمل من ثم تأسيس أسرة أكثر استقرارا ونجاحا بصورة نسبية من أسرة لأخرى .
دبي ـ « لولوة ثاني »
