تتبدى وحشية الهجوم الإسرائيلي على لبنان من خلال استخدام الجيش الإسرائيلي للقنابل العنقودية ضد الأهداف المدنية. يقول يان إيجلاند، الذي يقود العمليات الإنسانية للأمم المتحدة ، بهذا الخصوص:
«إن ما يبعث على الصدمة ـ وما يعتبر بنظري منافياً للأخلاق تماماً ـ هو أن 90% من الهجمات بالقنابل العنقودية وقعت خلال الاثنتين وسبعين ساعة الأخيرة من الحرب، في الوقت الذي كنا نعرف بأنه سيكون هناك قرار. ففي كل يوم يتعرض الناس للتشويه، والجرح والقتل بفعل هذه الذخيرة».
بينما يعود قرابة مليون لاجئ إلى بيوتهم، فإن مئة ألف قنبلة عنقودية غير منفجرة معظمها ألقيت من قبل الإسرائيليين في الساعات الأخيرة من الحرب، تنتظرهم وأطفالهم. وغالباً ما يقوم الأطفال بالتقاط هذه القنابل لأنها تشبه الألعاب. هذه هي تركة العدوان الإسرائيلي التي تبعث على الاشمئزاز، والتي ستستمر في حصد المزيد من القتلى لفترة طويلة بعد إعلان «السلام».
ويدافع الإسرائيليون ـ من جانبهم ـ عن استخدامهم للقنابل العنقودية. تحاول الناطقة باسم الحكومة الإسرائيلية ميري إيسين فلسفة الأمر بقولها إنه بينما تعتبر الحرب «أمراً يدعو للأسف»، فإن إلقاء القنابل التي يتم إدانتها على نطاق واسع على الأهداف المدنية في لبنان كان شرعياً بصورة تامة: «إن إسرائيل لا تنتهك أي قوانين دولية فيما يتعلق بنوع الأسلحة التي تستخدمها. فاستخدامها يطابق المعايير الدولية».
سيلاحظ المرء بأن إيسين لم تحاول حتى أن تقدم دفاعاً أخلاقياً عن التكتيكات الوحشية القاتلة التي اتبعها الجيش الإسرائيلي، فقد تخلى الإسرائيليون منذ عهد بعيد الأرضية الأخلاقية العالية وانسحبوا وراء جدار فصل حقيقي، وتخطوا حدود الخير والشر.
إن روح سياستهم الخارجية التي يمكن أن توصف بالنيتشية تم التعبير عنها في رد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة دان غيليرمان على من شجب رد إسرائيل على عمليات خطف الجنديين باعتبارها غير متكافئة بقوله: «إنكم على حق تماماً فهي عمليات غير متكافئة!».
إن قواعد الأخلاق العادية لا تنطبق على الجيش الإسرائيلي، فكل من غيلرمان وحكومته يرفضان بصراحة المعايير الأخلاقية الدولية ، مؤكدين على أن لإسرائيل الحق بارتكاب أي فظائع باسم «الدفاع عن النفس». وإذا كان «دفاعهم» يتطلب تدمير لبنان، إذن فليكن ذلك. هذه هي عقيدة الزعامة الإسرائيلية الجديدة.
لقد سطع نجم غيلرمان في الأوساط السياسية الأميركية لدرجة أنه وقف هذا الصيف على المسرح إلى جانب هيلاري كلينتون في مسيرة مؤيدة لإسرائيل أقيمت في مدينة نيويورك وصرح قائلاً: «دعونا نكمل المهمة! أنتم تعلمون أفضل من أي كان أن ما نقوم به هو عملكم:مكافحة الإرهاب...وتلك الدول التي تدعي أننا نستخدم قوة غير متكافئة، فإنه ليس لدي ما أقوله لها سوى: أنتم محقون تماماً».
إن الحقيقة ـ على الرغم من قناعة غيلرمان بأن الإسرائيليين (بطريقة أو بأخرى) يخوضون حربنا- هي أن الأميركيين سيتم جرهم إلى أي حرب يشعلها هجوم آخر غير متكافئ من قبل الجيش الإسرائيلي. وسيكون علينا إتمام ما قد بدؤوه. فهذا هو المبدأ المهيمن على سياستنا، والنموذج المجنون «أميركا أخيراً، إسرائيل أولاً» الذي يشوه السعي العقلاني وراء المصالح الأميركية في المنطقة.
إن الجيش الإسرائيلي يوسخ في لبنان، وينبغي علينا نحن أن نزيل قذارته. وعندما لا يقوم الإسرائيليون بتجريف منازل الفلسطينيين، فإنهم يقومون باستخدامها أهدافاً لتدريبهم على الرمي، والغضب في العالم العربي والإسلامي يوجه إلينا،
لأن تلك الجرافات وتلك الرصاصات تم شراؤها من أموال الضرائب التي يدفعها الأميركيون، شأن القنابل العنقودية التي تواصل حصد وتشويه المدنيين اللبنانيين المصنوعة في الولايات المتحدة والممولة من قبلها .
تحث منظمة العفو الدولية الإسرائيليين على تقديم خرائط تضم مواقع إسقاط القنابل العنقودية، في محاولة لإزالة المخلفات القاتلة التي تركها الغزاة، ولكن الإسرائيليين- الفخورون بقسوتهم ـ من المستبعد أن يوافقوا على ذلك.
وفي نهاية المطاف، ألا يمكن للمرء أن يسمع غيلرمان وهو يعلن تحديه لأولئك الذين «يزعمون» أن قيام الجيش الإسرائيلي بإسقاط مثل هذه القنابل الفتاكة يعني موت الأطفال اللبنانيين: أنتم محقون تماماً فهم كذلك!.
وبالنسبة للتحقيق الذي تجريه وزارة الخارجية الأميركية حول مزاعم العثور على قنابل عنقودية أميركية الصنع في جنوب لبنان جرى استخدامها في انتهاك للعديد من الاتفاقيات الراسخة التي تعتبر إسرائيل طرفاً فيها وانتهاكاً للقوانين الأميركية بما في ذلك قانون مراقبة الصادرات الأميركية- فإن المرء لا يراهن على أية نتائج أو إجراء تصحيحي.
لا أحد يتوقع أن يؤدي تحقيق وزارة الخارجية - الذي تقوم به مديرية ضوابط التجارة العسكرية، إلى فرض عقوبات على الإسرائيليين. غير أن إدارة بوش تأمل من خلال المضي قدماً بهذه التحركات بأن تعزز من رصيدها لدى حلفائها العرب أو على الأقل تحول دون تلاشيه تماماً.
إن الاختفاء عن الأنظار هو المصير المرجح للتحقيق الذي تجريه وزارة الخارجية، ما لم يقم الناشطون من مناهضي الحرب بإبقاء القضية تحت الضوء وحمل الكونغرس، (لا سيما المرشحين الديمقراطيين «المناهضين للحرب» على اتخاذ موقف بهذا الخصوص . لقد أسقطت القنابل العنقودية على المدنيين اللبنانيين يا نيد لامونت، فهل أنت مع أم ضد؟
تطالب الولايات المتحدة الآن بفرض العقوبات على إيران على ما قد تقوم به طهران في المستقبل، وعلى عدوان لم يرتكب بعد، ومع ذلك، فإن الإسرائيليين محصنون من أي عقاب على كل ما ارتكبوه. هذا النوع من النفاق يبعث على الدهشة، ويعتبر دليلا آخر على أنه ـ حتى عندما يضع الإسرائيليون أنفسهم في موضع يتجاوز الخير والشر ـ فإن الولايات المتحدة تكون متورطة في جرائمهم. وكل تلك الجرائم يتم تمويلها من قبل دافعي الضرائب الأميركيين.
ترجمة: كوثر علي
عن «أنتي وور»
جوستين ريموندو
