في ختام تناوله موضوع «حرب العالم» يرسم المؤلف العديد من السيناريوهات حول احتمالات المستقبل في ضوء الأسباب التي عززت اتساع نطاق الصراعات التي شهدها القرن الماضي على مدار سنواته المئة.
ورغم ما بدا عليه نيال فيرغسون من حياد على مدى صفحات الكتاب، إلا أنه يمكن للقارئ أن يلحظ قدراً من التحول السلبي لدى حديثه بشأن العالم الإسلامي، وهو ما يمكن تفسيره بأنه يعكس الشعور العام السائد والخاطئ في الغرب الذي كرسته وسائل الإعلام الغربية، وعززته بعض السلوكيات من قبل المسلمين أنفسهم.
غير أن المؤلف يختتم مؤلفه الكبير بما يعبر عن الأمل في أن يكون القرن الحادي والعشرون أفضل من سابقه دون أن يضع ما يمكن اعتباره مقترحات على غرار السيناريوهات التي رسمها بشأن المستقبل.
في إطار استكمال الصورة التي يرسمها المؤلف وعرضنا لها في الحلقة السابقة بشأن مشكلة تناقص السكان في أوروبا الغربية واحتمالات أن يشغل المسلمون هذا الفراغ، يشير إلى أنه يوجد نحو 15 مليون مسلم تمكنوا من أن يقيموا في أوروبا وهو رقم من المؤكد أنه سيرتفع.
وانطلاقاً من هذا التوقع يستعين فيرغسون بنبوءة المستشرق اليهودي الأميركي برنارد لويس، صاحب الاتجاهات التي تتسم بنوع من العداء للإسلام والمسلمين، والتي يذكر فيها أن المسلمين سيتحولون إلى الأغلبية في أوروبا بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين.
ويؤكد فيرغسون على أن هذه النبوءة تعتمد على الكثير من الأسس التي تدعم إمكانية تحققها، مضيفاً أنه من الممكن أن يتجاوز عدد المسلمين في المحصلة النهائية على المدى البعيد عدد المؤمنين بالمسيحية وهو ما قد يعني حسب رأيه انهيار حضور الكنيسة والإيمان الديني المسيحي في أوروبا.
غير أن المؤلف هنا وبناء على هذه التوقعات يحذر من أن يؤدي ذلك إلى نوع من التوتر فيما اصطلح على تسميته بأوروبا القديمة. وحسب رأيه فإن المؤشرات تكشف عن أنه مهما كانت الفوائد الاقتصادية التي تعود على أوروبا من المهاجرين فإنه يوجد أيضاً تكلفة حقيقية تقع على عاتق العمالة المحلية غير الماهرة.
ومن ذلك، على سبيل المثال، ما يشير إليه من أنه بمرور الوقت يندلع العنف وتقع هجمات على المهاجرين وفي بعض الأحيان على مساجدهم. ويذكر، في معرض التدليل على صحة ما يقول، الأمة التي ثارت أخيراً في فرنسا التي اعتبرها البعض ثورة الأقليات الفقيرة.
حيث وقعت اضطرابات في الضواحي الشرقية لباريس العام الماضي في المناطق ذات الأغلبية المسلمة المهاجرة على خلفية مقتل اثنين منهما لدى محاولتهما الهرب من الشرطة. ويصل المؤلف إلى حكم يبدو ظالماً يقول فيه إن نسبة كبيرة من الجالية المسلمة في أوروبا ممن ليسوا من الجيل الأول انخرطوا في منظمات إسلامية متطرفة وهو ما يصب حسب رأيه، المزيد من الزيت على النار المشتعلة بشأن العداء المشترك.
ومن هنا يمكن ـ يقول فيرغسون ـ تفسير القلق الإسباني والبريطاني بشأن الإرهاب من قبل الأقليات الوطنية.. فهجمات مدريد في مارس 2004 وهجمات لندن في يوليو 2005 أوضحت أنه يوجد عدو جديد داخلي.
أسلمة أوروبا
وهنا وفيما يمثل عودة إلى الحديث عن خطر ما يمكن اعتباره أسلمة أوروبا، يشير المؤلف إلى ما ذكره إدوارد جيبون في الفصل الثاني والخمسين من كتابه «صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية» ويعتبره من أفضل الأسئلة الافتراضية المتعلقة بمسار التاريخ، حيث راح يتساءل حول مصير أوروبا إذا ما كانت فرنسا قد فشلت في مواجهة القوات المسلمة في معركة «بواتييه» عام 732 وما إذا كان العالم الغربي أو أوروبا الغربية كانت ستتحول كلها إلى الإسلام؟ يجيب: ربما.
ووفقاً لما يذهب إليه جيبون، فإنه على الأساس كان من الممكن أن يدرس حالياً القرآن في أوكسفورد حالياً، وأن يتم الوعظ الديني انطلاقاً من أسس العقيدة الإسلامية. ويشير المؤلف إلى أن هذه الفكرة بدت للقراء في ذلك الوقت مثيرة للضحك، وربما بدت أطروحة مسلية في جامعته القديمة. ومع ذلك، فإن عمله يبدو متحققاً إلى حد ما في الوقت الحالي، حيث يوجد في أوكسفورد مركز جديد للدراسات الإسلامية مع مكان للصلاة ومأذنة ومنبر.
ويصل من خلال هذا الطرح إلى نتيجة مفادها ما ذهب إليه جيبون وتحقق على صعيد الواقع يعكس بالتمام توجها يأخذ هذا القول الشكل الذي ذهب إليه شبنجلر في هذا الشأن بعد الحرب العالمية الأولى. فمنذ نحو مئة عام مضت كان الغرب يحكم العالم، وبعد نحو قرن من النزاعات المتكررة المدمرة بين الإمبراطوريات الأوروبية، فإن الأمر لم يعد على هذا النحو.
ومنذ نحو مئة عام فإن الحدود بين الغرب والشرق كانت تقع في منطقة ما بين البوسنة والهرسك، أمّا الآن فإنها تقع على ما يبدو بين كل مدينة أوروبية وأخرى والنتيجة التي يشير المؤلف إلى ضرورة الخروج بها من هذا الاستشهاد أو الرأي هي التأكيد على أنه إذا كان ما حدث في القرن الماضي يمكن أن يمثل مرشداً فإنه يكشف أن منظومة الحضارة يمكن لها أن تنهار سريعاً.
وفيما يمثل نوعاً من محاولة الربط بين الماضي والحاضر أو البدايات والنهايات في سياقه التحليلي بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع التحليل الذي يقدمه، يقرر المؤلف أن مثل هذه التوترات أمر معتاد عليه تاريخياً.
وفي محاولة للإشارة إلى أن توقعات اليوم بشأن المستقبل في ما يمكن استشرافه واستخلاصه من دروس الماضي، يقول المؤلف إن المتفائلين اقتصادياً يحتفلون بأن الأرض مسطحة، في إشارة إلى تزايد العولمة، حيث يمكن لكل الأقطار أن تتنافس من أجل المشاركة في الاقتصاد العالمي وفق شروط عادلة أو متساوية، مشيراً إلى أن العولمة التي كان يتم الاحتفاء باه منذ نحو مئة عام لم تكن مختلفة كثيراً عما هي عليه اليوم.
من حيث الوسائل حيث البضائع ورأس المال والعمل تستطيع أن تنتقل بحرية من إنجلترا إلى أقاصي الأرض، ومع ذلك، فإن الهجرة الجماهيرية في عام 1900 كانت مصحوبة بتزايد التوترات العرقية، فيما قد يعني أن المؤلف يحذر من أن ما حدث في بدايات القرن الماضي، قد يحدث في بدايات القرن الحالي في تأكيد لمقولة ما أشبه الليلة بالبارحة.
المهم هنا أنه يرسم، في تعزيز لصرخته التحذيرية، صورة بالغة الكآبة لتطورات البدايات الخاصة بالقرن الماضي. ففي عام 1914، انتهت المرحلة الأولى من العولمة باضطراب على نطاق واسع وذلك بسبب الحدث الإرهابي الذي قام به راديكالي صربي في منطقة يغلب عليها المسلمون.
ولقد تصاعدت الحرب بسبب انتهاك ألمانيا لحياد دولة متعددة العرقيات هي بلجيكا. وفي ظل فوضى الحرب العالمية الأولى، استولى متطرف ضد الرأسمالية على السلطة في روسيا وإمبراطوريتها متصرفاً على نحو يخالف ما وعد به سابقاً بشأن الاستقلال الذاتي للأقليات في إطار الإمبراطورية.
وفي عقود تالية صعد ثلاثة طغاة هم ستالين وهتلر وماو ليحتلوا السلطة في قطاع كبير من الأراضي الأوروآسيوية تمتد من القنال الإنجليزي إلى بحر الصين، وتسببت أنظمتهم الشمولية والعقائد الدينية الزائفة في معاناة هائلة إلى جانب عشرات الملايين من الضحايا جراء العنف الناجم عن ممارسات هذه الأنظمة، فضلاً عن ازدياد المعاناة التي واجهها أولئك القاطنين في المناطق التي كانت تمثل تماساً على الحدود بين هذه الدول. فهل يمكن أن يتكرر الأمر عينه في المرحلة الثانية التي نعيشها من العولمة؟
دروس الماضي
يحاول فيرغسون تطبيق ما حدث في الماضي على الحاضر، فيشير إلى أن الصين اليوم، وليس اليابان، هي التي يتزايد نفوذها في آسيا، ولكن ليس من الصعب تخيل تصادم بين الغرب والشرق تكون الصين طرفاً فيه يجعل الحرب التي وقعت بين اليابان وروسيا تبدو صغيرة مقارنة به.
ماذا يمكن أن يحدث حال وقوع تراجع في النمو الاقتصادي في الصين؟ يجيب بأن الحرب قد تكون بديلاً.. فبدلاً من المغامرة بمعارضة شعبية ضد احتكار السلطة من قبل الحزب الشيوعي والفساد المزدهر في اطاره، يمكن للحزب ان يحاول اللجوء الى العزف على انغام الوطنية.
وعلى غرار وضع بلجيكا بالنسبة لبريطانيا وألمانيا في 1914، يمكن لتايوان ان تمثل ذريعة للحرب بين الولايات المتحدة والصين، فالأخيرة تعامل تايوان دائماً على انها منطقة مارقة وأعلنت مراراً ان أي اعلان للاستقلال الرسمي من جانبها انما هو اجراء سوف يواجه بالتدخل العسكري. وفي الوقت ذاته، يشير الى تزايد احمالات تجدد الصراع على منطقة الخليج على خلفية مساعي ايران لامتلاك سلاح نووي. ويتوسع المؤلف هنا في الاشارة الى مصادر التوتر.
مشيراً في حالة نادرة الى الصراع العربي الاسرائيلي وهو الامر الذي يبدو من الغريب انه لم يتطرق اليه بالتفصيل على مدى صفحات كتابه رغم انه شغل جانباً اساسياً من تطورات القرن. المهم انه يذكر، فيما يكشف عن قدر من التحيز لاسرائيل، قد يكون هذا وراء استبعاده الصراع العربي الاسرائيلي، ان الدولة العبرية تبذل جهوداً كبيرة من اجل التحرر من عبء الاراضي التي احتلتها عام 1967.
في اشارة على ما يبدو الى المزاعم الاسرائيلية حول الانسحاب من جانب واحد، واقامة دولة فلسطينية وهو الامر الذي تعارضه اسرائيل ولا تسعى اليه حسبما يحاول المؤلف ان يوحي لنا، ومع ذلك ـ وهنا بيت القصيد ـ فإن الفلسطينيين صوتوا لصالح حماس وهي المنظمة التي تؤكد على سعيها لتدمير اسرائيل.
النتيجة التي يخرج بها المؤلف من مجمل الصورة السابقة هي ان الدور المهيمن للولايات المتحدة في الشرق الأوسط يبدو غير آمن.. فالعراق يبدو عصياً على التغيير ويرفض وصفة المحافظين الجدد من اجل التحول الى دولة مزدهرة ديمقراطية وقد غرق في حرب اهلية كما ان تسارع النمو الاقتصادي في آسيا يمثل ضغطاً على امدادات الطاقة العالمية.
وهو ما يزيد من تأثير الأنظمة غير الديمقراطية التي تسيطر على اغلب امدادات الطاقة العالمية ويزيد كذلك من احتمال الدخول في مرحلة جديدة من التوتر والتنافس من قبل الدول الكبرى على هذه المادة الخام النادرة.
ومن هنا يخلص فيرغسون الى ان السيناريو الذي بني على أساس انكار خطر دخول العالم في حرب عالمية جديدة. في ظل عصر جديد من الصراع العراقي الحاد والتقلب الاقتصادي والصراع الامبراطوري، انما يعبر عن تفاؤل في غير موضوعه.
دموية القرن العشرين
وفي معرض تفصيله لهذه العناصر التي يراها تعكس ما يمكن اعتباره ازمة العالم او البشرية خلال القرن العشرين، يشير فيرغسون الى انه انطلاقاً من السياق الذي قدمه يمكن الاشارة الى ان هناك ثلاثة اشياء تبدو ضرورية بالنسبة له لفهم وتفسير العنف الخالص الذي شهده القرن العشرون وبشكل خاص لماذا حدث ذلك خلال فترات محددة من القرن؟
وبشكل اخص قبل عقد الاربعينات وفي اماكن محددة مثل وسط وشرق اوروبا ومنشوريا وكوريا؟ ويضيف ان هذا يمكن تلخيصه بأنه جاء نتيجة النزاعات العراقية، والتقلب الاقتصادي، وسقوط امبراطوريات.
وحسبه فإن القرن الماضي كان عصر التقلب الاقتصادي، حيث عانت مختلف الدول من التمزق ما بين التقدم الاقتصادي والتدهور غير المنتظمين، كما ان القرن كان مسمماً كذلك بفكرة صعوبة التعايش بين الاجناس المختلفة، فضلاً عن كل ذلك فقد كان قرن صراع بين الامبراطوريات التي كانت في طريقها الى الزوال وبين الامبراطوريات الصاعدة.
وعن النزاعات العرقية، يشير الى انه يقصد بها غياب الاستمرارية في العلاقات الاجتماعية بين جماعات او مجموعات عرقية محددة وبشكل محدد حدوث عملية من الدمج الاجتماعي، فضلاً عن تزايد حدة الانقسام السياسي المتعلق بالمناطق الحدودية ذات التشابكات العنصرية. ويشير في هذا الخصوص الى انه جرت مثلاً عمليات تطهير عرقي مكثفة خلال وبعد الحرب العالمية الثانية بشكل غير مسبوق. فضلاً عن ذلك فقد تم تعزيز الانقسامات الخاصة بالجوانب العرقية من خلال صراعات الحدود..
فبعد 1953 مثلاً اصبح من الصعب عبور الحدود بين شمال وجنوب كوريا. كما انه في 1961 تم بناء حائط عبر برلين وعبر قلب المانيا مع اعتزام وقف التدفق من المانيا الشرقية الى جمهوريات اوروبا الغربية.
ويشير الى ان تأثير ذلك لم يكن فقط تقسيم المانيا ولكن اوروبا ايضاً، كما اختفت اوروبا الوسطى ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك سوى اوروبا الغربية والشرقية فقط.
اما بالنسبة للتدهور الاقتصادي، فيشير المؤلف الى انه يقصد به التغير الحاصل في معدل النمو الاقتصادي والاسعار واسعار الفائدة والعمالة وارتباط كل ذلك بالقوى والضغوط الاجتماعية. واذا كان الانهيار الكبير الذي وقع في ثلاثينات القرن الماضي قد تسبب بشكل او بآخر في صراعات، فإن الازدهار الاقتصادي كذلك تسبب في بعض الصراعات الاخرى.
فقد كان الوضع في عقدي الخمسينات والستينات مختلفاً، ففي كل من الغرب والشرق وصلت معدلات النمو الاقتصادي الى معدلات عالية غير مسبوقة. وهنا يشير المؤلف الى ان معدل الناتج القومي الاجمالي خلال الفترة من 1950 الى 1973 كان اعلى من الفترة من 1913 ـ 1950، في كل الاقتصادات الرئيسية باستثناء الهند.
ففي اسبانيا اصبح النمو الاقتصادي اعلى بنحو 34 مرة، وفي المانيا والنمسا كان اقل بقليل من 30 مرة. وساد تحسن مماثل في اقتصاد الكتلة الشرقية حيث نجحت خطط ستالين في الوصول بالاقتصاد السوفييتي الى مرحلة التعافي من آثار الحرب. ويشير المؤلف الى انه من المثير للسخرية .
أن معدلات النمو البالغة الارتفاع إنما كانت في دول المحور. وانعكس ذلك في بروز مظاهر للتنافس الاقتصادي في العديد من المجالات، بعضها كان سببا في اندلاع صراعات دولية.
أما بالنسبة لسقوط الإمبراطوريات فيشير المؤلف إلى أنه يقصد تفكيك الإمبراطوريات الأوروبية، التي سيطرت على العالم في بداية القرن والتحدي الذي واجهها ممثلا في صعود إمبراطوريات جديدة ممثلة في روسيا واليابان وألمانيا.
ويقرر أن هذا الجانب المتعلق بتداعي الإمبراطوريات وصراع القوى الجديدة بدا أوضح ما يكون في سقوط الإمبراطورية البريطانية الأمر الذي بلغ ذروته في عقدي الخمسينات والستينيات من القرن الماضي. وقد كان من ظاهر هذا الانهيار الصراع الذي وقع بين المسلمين والهندوس في الهند، وبين العرب والإسرائيليين في فلسطين، وبين السنة والشيعة في العراق، وبين البروتستانت والكاثوليك في ايرلندا.
وهم انتصار الغرب
يشير المؤلف إلى أسباب تزايد الصراعات على مستوى العالم، هي تدهور الغرب في الجزء الرئيسي من تطورات القرن العشرين، وذلك رغم ما يشير إليه من أن الولايات المتحدة كانت مع نهاية الحرب الثانية في أوج عظمتها، رغم أنها حتى ذلك الحين كانت تبدو أقل قوة مما كانت عليه الإمبراطوريات الأوروبية قبل نحو 55 سنة.
وعلى هذا يسخر فيرغسون من المزاعم التي يرددها البعض في الغرب بالقول بأنه تم كسب حرب العالم قائلا: إننا نميل إلى الزعم بأن الغرب هو المنتصر، فيما أن البعض يتجه إلى الحديث عن أن القرن العشرين كان قرنا أميركيا ولكن المؤلف يقرر أن الصدمة الكبرى إنما تتمثل في أن القرن العشرين كان قرن أفول الغرب أو السيطرة الغربية على آسيا بدءا من انتصار اليابان على روسيا في حرب عام 1904 وحتى وصول الصين إلى ذروة النمو الاقتصادي بعد 1979.
وفي النهاية ليس من قبيل الصدفة القول إنه إذا كانت أسوأ عمليات القتل التي جرت في النصف الثاني من القرن العشرين قد تمت في أماكن مثل بولندا وأوكرانيا والبلقان ومنشوريا، فإن نطاق أعمال العنف المتطرف في نهايات القرن العشرين اتسع ليشمل مواقع مختلفة من غواتيمالا إلى كمبوديا، من انغولا إلى بنغلاديش، من البوسنة إلى رواندا وأخيراً دارفور في السودان. وعلى هذا يؤكد المؤلف في الختام على الطرح الذي قدمه في مستهل كتابه والمتمثل في أنه إذا كان ه.جي.
ويلز قد تخيل مع قرب حلول القرن العشرين حربا يخوضها العالم في مواجهة كائنات من كوكب المريخ تستهدف تدمير الأرض، فإنه خلال مئة عام تبعت هذه القصة، أثبت الإنسان أن هذا الأمر ممكن تماما واستطاع أن يحقق مستوى مماثلا من الفوضى أو التدمير التام دون الحاجة إلى كائنات غريبة، لم يتطلب الأمر لتنفيذ ذلك سوى ان يعتبر الفرد هذه المجموعة أو تلك رفقاته أو جيرانه غرباء ويقوم بقتلهم على هذا الأساس. لقد تحقق ذلك بالفعل على أرض الواقع وبدرجات مختلفة من الفظائع في أماكن مختلفة.
إن حرب العوالم تبقى خيالا علميا فيما أن حرب العالم، مع ذلك، تبقى حقيقة تاريخية، وإن كان ذلك لا ينفي إمكانية تحقق قصة ويلز.. يقول فيرغسون: ربما تكون نهايتنا على يد خلية صغيرة على شاكلة انفلونزا الطيور والتي تستطيع ان تتسبب بما هو أسوأ مما فعلته خلال عام 1918، غير أنه يتحفظ ليشير إلى أن يحدث ذلك سوف نبقى أسوأ أعداء أنفسنا.
ومن هنا فإن السبيل الوحيد، حسبما يرى، لتجنب قرن آخر من الصراعات إنما يكون بفهم العوامل التي تسببت في الصراعات الأولى، تلك العوامل المظلمة التي استحضرت النزاعات الإثنية والتنافس الامبراطوري والأزمات الاقتصادية، وحال تحقق ذلك فإننا ننفي إنسانيتنا المشتركة.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق
